(القرآن الكريم) بين التفسير المعرفي والتأويل العرفاني .. بقلم: غسان علي عثمان
10 مايو, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
72 زيارة
الأجدى في قراءتنا للقرآن أن نعتمد على المجال الدلالي أي أن ندرس العلاقات بين المفردات داخل المجال الدلالي..
من القول المقلق أن الرموز المنطوقة في القرآن «حــم – كهيعص- ألم» هي إشارات مخبأة «لأهل الله!» يفهمونها بترقيهم الأحوال العلا..
إن اللغة المستخدمة في نقل القصص القرآني تتحول وباستمرار من (واقعة) إلى (فعل معرفي)..
ghassanworld@gmail.com
في قوله الله تعالى من سورة الرحمن: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) هما علي وفاطمة، (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ) هو النبي. (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) هما الحسن والحسين.
ومن سورة النحل الآية (51): (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ قالوا: لا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد. من تفسير محي الدين بن عربي.
ويظل التفسير «العرفاني» للقرآن الكريم وفق رؤاه المختلفة افتعالي وفي غير مظانه، لأنه لا يتحلى باستخدام منطق اللغة في التعامل مع النص القرآني، كما أن من سماته القفز فوق المعنى وتوظيف قياس تماثلي بين الوظيفة الإيديولوجية للجماعة المُفسرة وبين أصل النزول ومسبباته، والأمر يعود إلى طبيعة الأداة المستخدمة في فهم الدين ونصوصه، فقل لي كيف لمن يصر على وجود (باطن) للنص أن ينضم إلى عالم الواقع؟! وأن يقبل بنا أعضاء في جماعته الثقافية؟ بطبيعة الحال لن يقبل بأحد إلا وعيه المحبوس في التخييل، ومرد اتهامنا ما وجدناه في تفسيرهم للقصص القرآني، والذي هو في وعيهم الباطن يمثل تجسيداً للذات الإلهية (حلولاً) في أفراد يمنحون الحكمة لمن ابتغاها!، فاللغة التي كتب بها القرآن الكريم لم تكن لغة شفاهية عفوية بل اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن عناية بالغة، «فكان كلما نزل عليه شيء منه دعا الكُتّاب منهم: علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان- فأملاه عليهم، فكتبوه على ما يجدونه من أدوات الكتابة حينئذ مثل: الرقاع، اللخاف، والأكتاف، والعسب» ، فقد أخرج مسلم رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله r إذا نزل جبريل عليه بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه ذلك ، فكان ذلك يعرف منه ، فأنزل الله تعالى :]لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ[ أخذه -أي لتأخذه على عجل مخافة أن ينفلت منك – ]إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ[ إن علينا أن نجمعه في صدورك ، وقرآنه : فتقرأه ]فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ[ قال: أنزلناه فاسمع له ، إن علينا بيانه أن نبينه بلسانك ، فكان إذا أتاه جبريل أطرق ، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله.
وحقيق أن الدراسة التاريخية للغة «أي لغة» تمنعنا من التعامل مع النص الفاعل بمعزل عن المحيط اللغوي والثقافي الذي راجت فيه هذه اللغة حياة كاملة، ومن مشكلات التفسير المعتمد عن بعض أهل العرفان أنه يقوم على خدمة أغراضهم، فمن قول بأن الرموز المنطوقة في النص القرآني «حــم – كهيعص- ألم…الخ» إنما هي إشارات مخبأة «لأهل الله!» يفهمونها بترقيهم الأحوال العلا، مثل هذا القول يدفعنا لإشراك القارئ في القراءة التي نتبعها.
القصص القرآني ومستويات الغائية:
يحدثنا القرآن الكريم عن مجتمعات ما قبل التاريخ (قوم نوح، قوم لوط، مصر يوسف وموسى،…) ولغة النص الحكائية هي لغة عرب الجزيرة وللدقة بطون من عرب الجزيرة، فكيف تمت عملية انتقال القصة من المخيلة بواسطة اللغة إلى عالم أشياء الجزيرة وهذه القصص حدثت لمجتمعات مغايرة دون أن يلحق ذلك ضرراً بالحقيقة اللغوية التي تحوي وتحمل الحادثة أو الواقعة؟ فمن المتفق عليه لدى الأبستمولجيست (المعرفيين) أن المنهج يؤثر في طبيعة الموضوع كما أن الموضوع يمارس نوعاً ما من السيطرة على أدوات المنهج! وهم في هذا يلفتون انتباهنا إلى قضية المنهج، ولعلها أهم ما يؤسس عليه الخطاب مفرداته. فالقصص القرآني تطرح كامنة ولا تعترف بالتفاصيل وإنما جاءت على مستوى الفعل والنتائج، فكيف تتم صياغتها على مستوى الفعل اللساني والنتائج؟، قال تعالى :(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) آل عمران:137، وهنا فإن النظر في السير وعاقبة الماضين يؤسس لمعرفة عاقبة أو نتيجة الكذب والافتراء، وهنا: الكذب = عاقبة وخيمة (=النظر في القصص).
وذات المعطيات تنطبق على قوله تعالى:(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ)) [الأنعام:6] ،(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) الأعراف:4 (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ) الأعراف:101.
وفي حادثة المؤتفكات بيان لما نريد التمحور حوله وهو فكرة أن القصص القرآني يتأسس على ذكر الأسباب وبيان النتائج: قال تعالى:(أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) التوبة:70، ويقول تعالى أيضاً: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) التوبة:69.
ولو طلبنا من أنفسنا اليوم أن نقرأ هذه النتائج على ما لدينا من معطيات وأسباب، لكان وعينا بها مختلفاً ولكنه اختلاف غير معقد، بل اختلاف ثنائي – بحسب تغيرات الفعل الحضاري، ولكن الحقيقة دائماً واحدة، والسبب في ذلك بحثنا عن العلة والحاجة التي حركت هذا النص! والقصة لا تظل رهينة بناءها الداخلي، بل تتحرك بفضل الحياة القائمة بين أفرادها، إلا إذا انتقلت إلينا دون عوالمها ولا حيوية مناخها الفكري والاجتماعي والثقافي. وفي ذلك أن النص القرآني دائم التجدد بسبب تلك الحيوية التي يعطيها لقارئه، «وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» – 51 – 52 الأعراف.
نقول: إن اللغة المستخدمة في نقل القصص الأنفة ستتحول وباستمرار من (واقعة) إلى (فعل معرفي). فنحن شاركنا في إنتاجها ولو على مستوى التفكير في مصير القوم والأمم الماضية؟ فهل نساءل أنفسنا أولاً عن حقيقة الفعل؟ وهو قد اشتبك معنا واتحد بلغتنا وصدرنا حكمنا عليه؟.
وخلاصة القول إن الحكم على صدق قضية ما! يتطلب الابتعاد عنها وعن الخوض في تفاصيلها وهذا يستحيل! على الأقل نظرياً، فلا أتصور نفسي أجد رجلاً يموت جوعاً وفي يدي طعام وأمتنع عن إنقاذه لأسأله لماذا لم تأكل حتى الآن؟ بل بعد أن يقيم الرجل أوده أشاركه في حكايته بأن لصوصاً سرقوه ونهبوا متاعه ورموا به في قلب الصحراء! أفي هذه الحالة أملك الحكم على صدق فعلي بناء على رواية الرجل؟ أم لي أن أبحث بصدد العلاقة بين النتيجة وفعلتي!؟.
والأجدى لنا في قراءتنا للنص القرآني أن نعتمد في التفسير على المجال الدلالي (Semantic Domains) أي أن ندرس العلاقات بين المفردات داخل المجال الدلالي أو الموضوع المعيّن، بقراءة مثل هذه العلاقات وفق وحدتها المعجمية ونراعي في ذلك المستويات اللغوية العامة والتي هي المحدّد والرابط الضمني للمعنى والعلاقة بين الكلمة وغيرها في سياق واحد، والمجال الدلالي يفترض وحدة موضوع ووحدة قضية ولكي لا نقع في مثل هذا الإشكال نحتاج إلى شروط ثلاث: أنه لا يصح إغفال السياق الذي ترد فيه الكلمات، واستحالة دراسة المفردات مستقلة عن تركيبها النحوي واللغوي، وأنه لا وحدة معجمية Lexeme عضو في أكثر من حقل.
ونقف مع الدكتور محمد عابد الجابري الذي حارب الباطنية التأويلية متمثلة عند منهج بن عربي في تفسير القرآن، المنهج النفسي الذي يعتد بالتماثل منطق للتفسير والتحليل، إنه منطق دون حد أوسط أو رابطة عملية، إنه التفسير من أجل التأويل، والجابري ونحن معه نقف موقف بن رشد والذي يجيء على عكس موقف العرفانيين، فابن رشد لم يكن مدلساً، يُظهر شيئاً ويُبطن نقيضه، وإنما كان يخاطب الناس على قدر عقولهم، وهذه مرجعية إسلامية معروفة، بل سنة من سنن الرسول الكريم (ص)، الذي فهم الشريعة اعتماداً على حجة العقل. ولا نؤيد مقولات ابن عربي الذي يقول بأن الله جعل في كل شيء من مخلوقاته ظاهراً وباطناً!. والعقلانية التي ننادي بها، هي عقلانية عربية إسلامية، ولنا أن نتعجب من التداخل الباطني في سنن الكون، والتحيز غير المبرر للهرمسية والتي رهنت العالم وأشياءه بثنائية (الظاهر والباطن – الشريعة والحقيقة)، وتتلخص الهرمسية في مراحل تضعها لتطور العالم وبالتالي تجلي الإنسان وتصور الإله، فمرحلتها المبدئية هي التقرير بأولوية النور؛ فالنور هو العقل (الإله الأب)، والثانية انفصال النور عن النار انفصالاً نهائياً، والثالثة إنجاب الإله الأب للابن (الإله الصانع)، والرابعة ظهور الإنسان السماوي الأول على صورة الإله الأب الكلِّي، أما مرحلتها الأخيرة فهي تتضمن حديثاً عن يوم المعاد ومرحلة ما بعد الموت وعودة الروح إلى بارئها».
إن تصوراً معيناً كان الجابري يعده في فهمه لظاهرة أسباب النزول، وهو وقوفه عند ممارسة الشك العلمي في طبيعته المعرفية: «إن أسباب النزول كما هي مدونة في التفاسير أو في الكتب الخاصة بها أو في كتب «علوم القرآن»، تحمل الباحث الناقد على الشك في مصداقية كثير منها، خصوصاً عندما تبتعد بالآيات عن سياقها إلى الدرجة التي تحمل على التساؤل عن الهدف من «أسباب النزول»: هل هو ربط كل آية بحادثة تبرر سبب نزولها، أم بيان المناسبات التي تشكل فعلاً سبباً لنزول هذه الآية أو تلك؟.. الجابري»، المنهج الذي اتبعه المفكر عابد الجابري في ضرورة تبني أسباب النزول كإطار مرجعي لتفسير القرآن الكريم، ولكنه يفعلها عبر التحقق من صدق المتن، إن العمل هنا يتركز على إعادة بناء التعريف بالمتون التفسيرية، والتي اعتمدت بشكل كبير على الربط غير المنهجي بين الحدث والنص، كما أن الجابري يتحرك حثيثاً لأجل إقرار التوافق بين ترتيب نزول الآيات القرآنية والحوادث التاريخية للسيرة النبوية، ويقصد بذلك أنه بذلك يستطيع الباحث في المجال التفسيري أن يتغلب على مشكلة المضمون والظرف الزماني والمكاني، إنه يستعجلنا للوقوف على ضرورة تبني اللحظة التاريخية التي تمثل السياق الموضوعي للأسباب النزول.