في ساحة الانتظار .. بقلم: الوليد محمد الأمين
10 أكتوبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
30 زيارة
المرأة الفي نهايات الأربعينات الزاحمتنا في مصعد المرضي فعلت ذلك بكثير بساطة ولا مبالاة . ” أرحكا أرحكا النركب معاهم ” قالت للصبي في عشريناته المرافق لها ولعله ابنها . لم تهتم لمضايقتنا ولم تهتم قبلاً لكوننا نستعمل المصعد لرفع الوالد للطوابق الأعلي بواسطة النقالة ، وقبل ذلك لم تهتم للملصق المثبت خارج المصعد بأن المصعد مخصص للمرضي فقط !
في مساحة الانتظار في المستشفي الخاص جلس الناس كيفما اتفق . الذين لم يجدوا مكاناً للجلوس في المقاعد المحدودة – وكنت منهم ، ظلوا واقفين . منذ السادسة مساء والي حينه أي التاسعة وخمس دقائق لا نزال بانتظار اختصاصي المخ والأعصاب . أثناء وقوفي مر بالقرب مني اختصاصي الباطنية الذي اعرفه ويعرفني حق المعرفة . أقول ربما ظنني مرافقاً لمريض يشكو الباطنة فتجاهل رؤيتي خوفاً من احراج أن يرد لي قيمة الكشف أو المقابلة ان شئت .
في مساحة الانتظار الصغيرة جلس المواطنون الشرفاء والذين كانوا في زمن سابق المواطنون الثوار الأحرار ، أقول جلسوا كل في انتظار دوره أو في انتظار حضور طبيبه وفي اجترار همومه .
المرأة الكبيرة السن والمنتقبة طلب منها عامل النظافة اخلاء كرسي المرضي المتحرك ففعلت ذلك بكثير مشقة أملاه ترهل اللحم لديها . ثمة امرأة منتقبة هي الأخري كانت ولكنها أصغر سناً فيما يبدو . وكانت تشغل نفسها بالموبايل الذي كانت أصابعها المغطاة بسواد الجوارب تتحرك فيه جيئة وذهابا بكثير رشاقة لا تشبهها أو هكذا بدا لي علي الأقل . أنهن الصبيات اللواتي يقمن بضغط زر لايك –والذي ابتدعه ضمن ما ابتدع الفتي اليهودي مارك زوكربيرغ مالك موقع الفيسبوك – أقول يضغطن لايك لتلك الصفحات الموغلة في الطهرانية والبراءة المدعاة .
علي كراسي انتظار عيادة الباطنية جلسن النساء . سرب نساء مهمومات . سرب نساء متأنقات . سرب نساء سودانيات . أكبرهن سناً وكانت تبدو في نهاية الستينات من عمرها سألت موظف تسجيل المرضي كم مرة عن دورها فلم يأبه بها . كذلك يفعل الناس في هذه البلاد حين يصبحون مسئولين عن أي شيء ولو كان مجرد تنظيم دخول المرضي لطبيب الباطنية ! غير واحدة من سرب النساء ولكنهن أصغر سناً تبرعن بالسؤال لها شفقة علي الحاحها أو ربما ضجراً من تكرار سؤالها فأخبرهن موظف التسجيل بأن دورها نمرة عشرة .
في ساحة الانتظار تجمع الناس من كل السودان القديم . السودان ذا المليون ميل مربع . سرب نساء من الجنوب وسرب نساء من غرب البلاد من جبال النوبة تآلفن وتبادلن الوجع والحكايات. واحدة كانت من شرق البلاد . بقيتهن كن من وسط البلاد وشمالها الحزين . كراسي ساحة الانتظار لا تعرف أعراق الناس وكذلك موظف الحسابات حين يدفعون له . يعرف فقط أرقام وعدد الجنيهات .
في ساحة الانتظار لم يك ثمة فرق بين عربي وعجمي الا في الألم ! في ساحة الانتظار سرب نساء وقطيع رجال مهمومون !