الرهيد ديران.. بطل من بلادي !ّ .. بقلم: فضيلي جمّاع


فجعت في منفاي بنبأ رحيل زميل المدرسة الأولية (الابتدائية)، المربي الكبير ابراهيم الرهيد ديران. وما يجعل الغربة قاسية أنّ أخبار رحيل الأعزاء تعصر قلبك وأنت بعيد عن “لمّة” العزاء، تلك “اللمّة” التي تطفئ كثيراً من جمر الحزن. لذا فإنّ ما استعنت به وأنا أتلقى خبر رحيل ابراهيم الرهيد في أصقاع نائية أن تلوت فاتحة الكتاب وسألت الله له الرحمة.

تذكرت الولد الهادئ هدوء البحر قبل العاصفة ونحن تلامذة. ثم التقيت الفتى المعلم وقد انخرط في تربية النشء في المنطقة ، وحمل مع الخيرين والخيراتنبراس العلم ومحو الأمية. زارني وتحدثنا. لم يفته أبداً أن يبادرني بإزجاء العزاء في رحيل الوالدين إلى الدار التي لا ترقى إليها الأباطيل. وأذكر أنه كلما جاء ذكر الوالد في لسانه يضيف: (أبّا جمّاع)! لم يفتني أبداً أنه كان يشير إلى قَسَم الإخاء بين أسرتنا وأسرتهم منذ زمن الأجداد حيث تصبح (خُوّة الكتاب) بمثابة علاقة الرحم، كما جرت العادة في المنطقة عبر تاريخها الطويل، ويأتي ضمن طقوسها المساهمة في الأفراح والأتراح ، ويكون من هو في سن أبيك هو عمك مباشرة.

رحل من دنيانا ابراهيم الرهيد ديران، معلم في منطقة نائية في هامش السودان العريض، ذلك الهامش الذي ما برح يقدم التضحيات عبر الحقب ،ليكون نصيبه العوز والإهمال. ربما سأكتب –ذات يوم – عن الفقيد وعن جيله ،من رحل منهم ومن بقي في دنيانا يصارع ويكافح من أجل الحرية والعيش الكريم. بيد أنّ الرحيل الفاجع لزميل الطفولة والصبا أعادني لأمرٍ كم عزمت أن أكتب فيه. فالراحل العزيز بكل رزانته وحماسه لقضايا العلم والتنوير في المنطقة جاء من صلب رجل هزّ شجرة زمانه حتى جادت بثمر الوحدة اليانع على مساحة شاسعة من بلادنا!

كثيرون هم أبطالنا في أصقاع السودان المختلفة، ممن ثاروا لكرامة شعبنا وعزته فعرفهم التاريخ لكن بتواضع يجعل ذكراهم من باب الأرشفة وسيرة المناسبات، منهم على سبيل المثال: المك نمر وعثمان ابوبكر دقنة (الذي أعطى الملك جورج ملك بريطانيا العظمي قفاه وقد جاء ليزور الأسير في زنزانته، الأسير الذي كسر مربع الجيش البريطاني في تلال البحر الأحمر) ومنهم السلطان تاج الدين سلطان المساليت الذي هزم الفرنسيين في واقعتي دروتيودرجيل واستشهد في احداهما.. لكنه أوقف زحف الاستعمار الفرنسي من أن يبتلع دارفور! ومنهم السلطان عجبنا – سلطان النيمانق بجبال النوبة- والذي قال وهو تحت حبل المشنقة: ( حلفتكم بي الله كن ما تقولوا للفي الحلال والفرقان: الما شاف عجبنا يجي يشوف عجبنا) ! هؤلاء وغيرهم كثر. لكن تاريخ السودان الذي كتبته أقلام المستعمر وتلامذته أهمل عن قصد أمثال هؤلاء ، لأن من حكموا بلادنا حتى الآن لم يروا من تاريخ بلادنا وبطولاتها وثقافتها أبعد من أرنبة أنفهم.

نحكي عن الرهيد ديران..

كان الوازع القبلي لسودان الحقبة الاستعمارية وما بعدها لعقود هو ديدنثقافة الناس. بل إن المستعمر وجد في التركيبة القبلية ما يشبه النظام الإداري الذي يضيف إليه بعض الترتيبات فيصبح أداة فعالة في إدارة بلد شاسع المساحة مثل السودان. ولعل هذا الواقع كان أكثر تطابقاً في المناطق الرعوية ومناطق الزراعة المطرية ذات الاقتصاد البدائي.  مثل تلك التركيبة تجعل شرر الحرب يتطاير بسبب الاحتكاك الذي كثيرا ما يقع بين عشائر متجاورة ، فتكون الحرب والثارات. في مثل هذا الواقع المتخلف كانت قبائل المسيرية في جنوب وجنوب غرب كردفان تعيش احتقاناً تمليه ثارات قديمة جدا بين المسيريةالحمر (المجلد) وأشقائهم المسيرية الزرق (لقاوة). حاول الإنجليز بكل مقدرتهم الإدارية أن يحولوا بين الثارات والغارات واحتقان الوضع في مساحة تمتد من دلامي وجنقارو والبردية ولقاوة المتاخمة للحافة الغربية لجبال النوبة حتى المجلد والميرم والدمبلوية قرب غرب النوير والتبون قرب شرق دارفور.

كانت الحادثة التي ظلّت بمثابة نقطة البداية لعصر وقف الثارات وبزوغ عصر المدنية والنور في يوم ما وفي عام من أواخر ثلاثينات القرن الماضي– كما روى محدّثي. لم يتعد الأمر حادثة تحرش يبدو أنها مصطنعة. ثار إثرها نزاع حيث اغتال شباب من المسيرية الزرق الشاب حيماد الرهيد ديران ابن عمدة قبيلة ضخمة من بطون المسيرية الحمر. كان وزن الرهيد ديران – وهو فارس لا يشق له غبار- كفيلاً بأن يشعل نار الثارات القبلية في المنطقة بأسرها. تجمهر مئات الفرسان من عشائر الحمر على ظهور الخيل وضربوا النحاس. ثم أعلنوا بأنهم سيغيرون على اشقائهم الزرق وأن خيولهم سترد البردية ولقاوة. ومثلهم تجمهر على الطرف الآخر مئات الفرسان ليردوا الصاع صاعين لعشيرة الحمر. كان أقرب مراكز المديرية حيث توجد الشرطة في مدينة النهود حاضرة دار حمر. ولك أن تعلم أنّ وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية في هذه المساحة الشاسعة والرعوية قليلة جدا آنذاك أو شبه معدومة. والنحاس والطبول ترزم والشباب من الجهتين على ظهور الخيل تشحنهم ثارات قبلية – بعضها ربما يكون من صنع الخيال والحكاية الشعبية !

في مثل هذا الجو – الذي ينذر بوقوع الكارثة بين عشائر تجمع بينها صلة الرحم والمرعى والتاريخ المشترك – برز إلى صدر الجموع شيخ وقور، جميل السمت والهندام وعلى وجهة مسحة حزن وكبرياء.. كان العمدة الرهيدديران من أسكت هدير النحاس وصياح الجموع ليقول كلمته الخالدة:( أسمعوني يا الأهل. أنا الرهيد ول ديران.. بتعرفوني كن فارس وكن خوّاف! حلف بي الله ما يجي يوم ويقولوا: السنة الفيها الرهيد بقي سبب في مسيراوية تبكي في المجلد والتانية تبكي في لقاوة. أنا ولدي عفيتا في شان الله وعمرت بيهو الدار !)

عمّ الصمت.. سكتت الطبول. ثم وصلت بعد ساعات قلائل سيارات الجيش والشرطة من مجلس النهود وانفضت الجموع بين غاضب على فوات فرصة الحرب وآخر عاد إليه عقله الذي غاب تحت حمى القبلية. ومن يومها التأم شمل واحدة من كبريات العشائر السودانية. بل إن أجيالهم الحديثة ترفض تسمية القبيلة وتفضل الإشارة إلى (أبناء منطقة المسيرية) فالمنطقة تضم ألى جانب المسيرية إثنيات تعايشت وتزاوجت معهم منذ أمد طويل مثل دينكا نقوك والنوبة والداجو وبعض المعالية وبرتي والزغاوة! وهو التنوع الذي يصنع أمة سودانية نحلم بها جميعا، أمة توحد بينها المواطنة وعدالة حكم القانون.

لقد عشت حياً وميتاً (أبّا الرهيد ديران).  كنت وأنت تعطي ثارات القبيلة قفاك في ذلك الزمن الغابر لم تدر بأنك أشعلت أول إضاءة لحقبة المدنية والنور في هذه الربوع الشاسعة والغنية بإنسانها ومواردها من وطننا السودان. وما كنت تدري أنّ قبيلاً من الجنّ سيأتون في زماننا ليشحنوا البغضاء بين فروع العشيرة من أهلك ، يعطونهم الذخيرة والسلاح ليعيدوا جيلا بأكمله للعصور الحجرية. لكننا سنمضي في نضالنا ضد القبح ما حيينا !

فضيلي جمّاع

fidajamb@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً