نحو ترسيخ الثقافة التنظيمية من أجل ممارسة سياسية ناضجة .. بقلم: رمضان أحمد
20 ديسمبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
38 زيارة
breima_ramadan@hotmail.com
شهدت الساحة السياسية السودانية مؤخراً تشرزماً غير مسبوق في الممارسة السياسية لم يسلم منه كيان سياسي ، في أحزاب الحكومة وأحزاب المعارضة على حد سواء. وقد انتقلت العدوى حتى شملت الكيانات غير السياسية. الأسوأ من هذا هو الهيبة التي انزاحت عن شخصيات كانت موضع تقدير واحترام لمكانتها القيادية في المجتمع ، وذلك نتيجة طبيعية لحملات التجريح والتشويه التي لم يسلم منها أحد.
أصبحت الممارسة السياسية تجارة يبيع الناس فيها مواقفهم لمن يدفع أكثر! وانطبقت حرفياً مقولة أنه لن يكون السياسي سياسياً إلا إذا كان كذاباً ومراوغاً! أصبحنا نرى تقلباً محيراً في المواقف وتناحراً فاجراً لا تحكمه أخلاق. الخلافات السياسية أغلقت الأفق تماماً لدرجة اليأس.
اسؤال المطروح هو : كيف يمكن أن يبرز في مثل هذا الجو الآسن قيادات جديدة تعمل على تعزيز الثقافة التنظيمية بغية الارتقاء بالممارسة السياسية إلى مستوى أفضل؟ وكيف يمكن لمثل هذه الثقافة التنظيمة أن تشكل ترياقاً للتشرزم والتباغض تمهيداً لممارسة سياسية هادفة؟
الثقافة التنظيمية هي مجموعة من القيم والمباديء التي يجب أن يتلقاها كل فرد يود الانخراط في كيان سياسي ليكون عضواً ناشطاً فيه. وتقدم هذه المباديء في شكل دورات حتمية متسلسلة حسب مستويات الأفراد ، وتشمل تصور الكيان السياسي للحكم بصورة عامة بالإضافة إلى مفاهيم الثقافة التنظيمية/المؤسسية التالية:
– أدب الخلاف: وفيه تفصيل حول طبيعة الخلاف هل هو خلاف جوهري أو فرعي ، وكم نسبته إلى قضايا الاتفاق. وهل هو خلاف في الأهداف والمقاصد أم في الوسائل والأساليب. وهل هو خلاف يمكن أن التعايش معه من قبيل اختلاف التنوع أم هو خلاف معيق ويصعب معه الاستمرار. وهل للقواعد الشعبية دور في حسم الخلافات التي تنشأ على مستوى القيادة؟ وإذا تعذرت تسوية هذا الاختلاف وتحول إلى صراع وانشق على إثره الحزب إلى شطرين ما هي المباديء الأخلاقية التي ستحكم العلاقة بين الشقين؟
التفصيل في الإجابة عن هذه الأسئلة مهم جداً لأن الاختلافات السياسية غالباً شخصية وهي نتيجة صراع على مراكز القوى في الحزب ولا علاقة لها بأهداف الحزب وبرامجه، هذا إذا كان للحزب أهداف وبرامج بالفعل.
– الخطوط الحمراء ، سواءً بين الأفراد داخل الكيان أو في العلاقة مع الكيانات الأخرى. الخطوط الحمراء هي الحد الفاصل بين ما هو معقول ومقبول في مواقف الأفراد والتنظيم حيال ما يحصل في الساحة السياسية. وضع الخطوط الحمراء حماية من الشطط في الغلو في المواقف والفجور في الخصومة.
– الفصل الكامل بين الفرد والتنظيم وبين التنظيم والدولة: المعروف في ممارستنا السياسية أن عضو التنظيم لا يحق له أن يعبر عن قناعاته الشخصية ، مما يعني ان الانضمام إلى التنظيم يمسخ شخصية الفرد تماماً ويجعله متماهياً مع مواقف التنظيم حقاً وباطلاً. الفصل الكامل هنا نقصد به أن يكون للفرد كيانه ومواقفه التي يمكن أن يعبر عنها في صياقاته الخاصة دون أن يوصم بالخيانة أو العمالة إلى جهة خارجية أو عدم الولاء. هذا الفصل يمكّن الحزب من اتخاذ القرارات بعد تمحيص وتقليب الموضوع من شتى جوانبه بحرية تامة، على ان يكون القرار المجمع عليه ملزماً حتى للذين لهم مواقف مغايرة. هذا الفصل بين الفرد والكيان يعتبر تمهيداً للفصل المحتمل بين الحزب والدولة ، بحيث يدرك الحزب أنه لو فاز وتولى شأن الدولة لا يستحوذ عليها بل يجعل مسافة فاصلة بينه وبينها. فضلاً عن ذلك فإن تمكين الأفراد من التعبير عن وجهات نظرهم بحرية داخل أطر الكيان يجنّب الكيان تراكم الغضب ثم انفجاره لاحقاً بما قد يؤدي لتفتيت الكيان.
– مفهوم المواطنة: المواطن هو كل من انتسب إلى الدولة ويحمل أوراقها الثبوتية وفق القانون ، وبالتالي حقوقه وواجباته غير مشروطة. لابد من ترسيخ هذا الفهم كجزء من أدبيات الحزب حتى لا يكون هناك تفريق بين المواطنين من حيث الموالاة للحزب أو عدمه. لأن الناس في كثير من الأحيان تنظر للمنضوين تحت كيانات سياسية أخرى كانهم أجانب. المواطن كبشر له قيمه مضافة بمعزل عن قناعاته الفكرية وانتماءاته، وترتفع هذه القيمة كلما أكتسب المواطن مهارات تمكنه من المساهمة في بناء وتقدم المجتمع.
– مفهوم المنصب العام: المسؤول في المنصب العام لا يعدو أن يكون خادماً للمجتمع. وبالتالي الأجر الذي يتلقاهو هو نظير ما يقوم به من واجب ، ومن هنا فإن استغلال المنصب العام لأي أغراض شخصية سواءً لخدمة أناس بعينهم أو الانتفاع المادي يعتبر خيانة للأمانة. وبهذا الفهم نتفادى التنافس الممقوت على المنصب العام ونتفادى كذلك امتهان السياسة من أجل السياسة.
– دور القواعد في حسم مواقف الكيان السياسي: مشكلتنا في السودان أن القيادات السياسية يتم تصعيدها بالتعيين وليس عبر القواعد الشعبية ، مما جعل ولاءها للأشخاص وليس للشعب. في الديمقراطيات الناضجة إذا جرى اختلاف في وجهات النظر بين قيادات الكيان الواحد فإن القواعد الشعبية هي التي تحسم هذا الخلاف عبر صندوق الاقتراع ، وصاحب الرأي المغلوب يتقهقر إلى الصفوف الخلفية ولا يخرج من الحزب لأنه مربوط بالقواعد والقواعد ولاؤها للحزب وليس لفرد.
هذه المفاهيم وغيرها من مفاهيم الثقافة التنظيمية/المؤسسية عندما تترسخ في الممارسة السياسية من خلال الدورات التدريبية الحتمية ، سواءً بتنظيم من منظمات المجتمع المدني أو من الكيانات السياسية نفسها، فإن الاختلافات في وجهات النظر سواءً داخل الكيان الواحد أو ما بين الكيانات المختلفة ستكون إثراءً وترسيخاً للمارسة السياسية الناضجة.