نظرة في مقال قديم للدكتور عبد الله علي إبراهيم .. بقلم: عثمان محمد صالح
7 يناير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
41 زيارة
osmanmsalih@hotmail.com
نظرة في مقال قديم للدكتور عبد الله علي إبراهيم
عنوان المقال المعني هو : المقال الملعون.. 24 عاماً من البشير(الجزيرة نت . 30-06- 2013).
يتموضع المقال في باب هجاء المعارضة السودانية،وهو ضرب من الأدب السياسي الشائع في الحقبة الانقاذية. ويعدّ د.عبد الله علي إبراهيم من أبرز ممثلي هذا الضرب من الأدب الذي تدلّ تسميته على أن بؤرة النقد عنده هي المعارضة وليس السلطة.
وكتاب هذا الضرب من الأدب السياسي القادح في المعارضة متعددو المشارب. فمنهم من يهجو المعارضة لصريح توجهه الانقاذي. ومنهم من يعدل في هجائه للطرفين: السلطة وخصومها. ومنهم كذلك من يخصّ المعارضة وحدها بوابل هجائه وينسى السلطة المستبدة إلا من مسّ
خفيف طفيف الأثر لايؤبه به لعدم نفاذه إلى نواة الاستبداد الصلبة فيصيبها. لعداد هذه الطائفة الأخيرة ينتمي
د. عبد الله علي إبراهيم.
يصف المقال مقدرة سلطة “الانقاذ” على البقاء 24 عاماً برغم تكهنات خصومها لها بقصر العمر بأنه كرامة سياسية. والكرامة عند الصوفية هي ضرب من المعجزات وخوارق الأعمال لاتتأتى إلّا لأهل الولاية والصلاح. وحين تقترن الكرامة بنظام سياسي معيّن هو “الانقاذ”، فإنها تضفي عليه صفة الصلاح التي مكنته من البقاء وأعانته على الصمود 24 عاما على الرغم من ضآلة شأنه في نظر الخصوم.
المعارضة في تصور عبد الله ليست ثمرة طبيعية للكيفية التي وصلت بها الجماعة الحاكمة لسدة الحكم ولمنهجها في ادارة وتنظيم شؤون الدولة، بل هي ابتلاء رباني ودليل على محبة الله لها وامتحان لصبرها على الخطول التي يسببها البلاء. عليه فان كل ماتفعله الحكومة قمعاً ًللمعارضة وانهاكاً لقواها وشقاً لصفوفها واستمالة لبعضها … الى آخره هو مسلك مبرر ومشروع وبدخل في باب مغالبة البلاء ليرتفع حتى لو ترتب على تلك المغالبة انتهاكات فظة لحقوق الإنسان فإن تلك الانتهاكات لاتثير عند د, عبد الله علي إبراهيم غير الأسف لانعدام الجدوى السياسية منها كما في قوله : إن سجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان مؤسف وغير مجد سياسياً .
ثم يتطرق المقال إلى المسألة الأساسية التي تقلق بال كاتبه ألاوهي مشاركته في ماعرف بمؤتمر الحوار الوطني من أجل
السلام في شتاء 1989.
يتضمن المقال أطروحة أساسية مفادها أن مشاركة كاتبه في المؤتمر الآنف الذكر لم يجانبها الصواب، وأن خطوته تلك لم تأت من فراغ، بل جاءت ممهَدة بشغل نظري في مقالات نشرها في صحافة العهد الديمقراطي قبل وقوع انقلاب 1989 .
لينفي عن مشاركته في مؤتمر الحوار ما أشيع عنها من أنها علامة على الوهن، يزعم د, عبد الله علي إبراهيم أنها كانت ملخصاً لتجربة عمود يومي بالصحف خلال فترة الديمقراطبة بسط فيه رأياً مؤداه أننا قد تجاوزنا لعبة المعارضة ضد الحكومة، وأن مايعيقنا عن التقدم هو أزمة وطنية شاملة تمسك بخناق الجميع ليس لفرقة منها فكاك. ويقيم الدليل على هذا بما راه من سأم الصفوة السياسية من الديمقراطية المستعادة وهو قول قد يصدق على بعض الصفوة السياسية وليس عليها كلها. وعلى سبيل المثال لا الحصر لجماعات من الصفوة لم تيأس من الديمقراطية المستعادة
يمكننا أن نذكر الحزب الشيوعي السوداني وحزب الأمة والحزب القومي السوداني. أمّا الاستناد إلى ماقاله الشريف زين العابدين الهندي، نائب رئيس الوزراء، عن الديمقراطية المهملة فلايجوز تعميمه على الآخرين، بل يُساءل عنه قائله وحده. وكذلك موقف الحركة الشعبية
لتحرير السودان السلبي من انتفاضة الشعب ضد نظام النميري في
1985، تللك الانتفاضة التي صنفت الحركة الشعبية النظام السياسي الانتقالي الذي أعقبها بأنه ” مايو تو”، فيطعن في موقف تلك الحركة من قضيتي الديقراطية والوحدة بين شمال الوطن وجنوبه، ويلقي ضوءاً باكراً على أجندتها الخفية كحركة عسكرية إنفصالية تسترت بقناع الدعوة لسودان جديد لتستميل إلى جانبها قوى شمالية مدنية ترغب في منازلة “الانقاذ” عسكرياً فوجدت فيها السند العسكري المنشود.
ومن ثغرة تلك الحاجة إلى حليف عسكري تستقوي به نفذت إليها الحركة الشعبية اتخذتها مطيّة ذلول إلى تقرير المصير الذي أفضى إلى غايتها في فصل الجنوب والانفراد بحكمه.
كتوصيف للأزمة الوطنية يطرح د. عبد الله علي إبراهيم مفهوم الارهاق الخلاق . وكحل للأزمة يقترح صلحاً وطنياً يتواضع فيه الجميع على قواعد يأتي في صدارتها تلاشي الانقلاب في نظام دستوري متدرج وهو حلّ وسط بين الانتقاض على النظام وتفكيكه من جهة أو الحفاظ على النظام كماهو من الجهة الأخرى.
ان نظام “الانقاذ” شمولي ولايسمح بتلاشيه في نظام دستوري متدرج. ولقد جرب معارضوه توقيع الاتفاقات معه فلم يجد ذلك فتيلا إذ ظلت معظم بنود تلك الاتفاقات حبراً على ورق. إنه نظام قمعي ينتهك حقوق الانسان برسانة من القوانين التي تتعارض مع الدستور. ولهو لايرتضي إلا المصالحة التي تمكنه من البقاء والاستمرارية باستيعاب المعارضين في حزبه ومؤسساته.
يدرك د,عبد الله علي إبراهيم أنه قد أخطأ بمشاركته في مؤتمر الحوار الوطني في شتاء 1989. وهو لايعتزم مراجعة ذلك الموقف والاعتذار عنه. بل يعمل جاهداً على توظيف خبرته وجميع ملكاته ومعارفه ويبتكر المصطلحات في تشخيص الأزمة السياسية ليس بهدف فهمها، بل لإقناع الذات والآخرين بأن مشاركته تلك لم تكن خطوة جانبها الصواب ولذلك فهي لاتستوحب الاعتذار.
من الممكن وصف د.عبد الله علي إبراهيم منذ شتاء 1989 بالهارب إلى الإمام مما اتخذه من قرار سياسي موغل في الخطأ أطلّ فيه من منصة نصبها الإنقلابيون.
عثمان محمد صالح
تلبرخ -هولندا
7-1-2016