الصِّنَاعَة الْمُتَوَحِّشَة واحتقان الطاقة … بقلم: غسان علي عثمان
15 يناير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
40 زيارة
الصراعات التي تضرب أي مجتمع سببها (تعارض الطاقة) ما ينتج العنف وضده..!!
السؤال المؤرق لماذا اتجهت طاقات النخبة نحو السياسة دون غيرها؟!
المثقفين في الأحزاب يمارسون أذى بسبب تناقض ما يحملون وبين المساحات الممنوحة لهم..
(تَشَنُّجَات) (3)
ghassanworld@gmail.com
لا شك لدينا أن أساس المشكلة الاجتماعية السودانية يعود إلى ما يمكن تسميته بـ(احتقانالطاقة)، فالذات السودانية مرتبطة بأنشطة غير خلاقة، لأنه في كل نشاط إنساني مكتظ فهذا يدل على وجود عنصر جاذب، يعمل بمثابة قطب محوري يتحلق حوله الجميع، وبقدر ما يكتسب هذا القطب محوريته فإن عدد نزلاءه يزداد باستمرار، مما يضيق هذه الدائرة المسُتحثة الجميع الانضمام هنا فوق الرغائب، ومن شدة القوة والسحر الممتع به هذا القطب الدوار يشد ويشد حتى يكاد الطالب الدخول يمارس أقصى درجات التوسل طمعاً في نيل حظوة مزاج دوائر مهرولة وتحتوي أشخاص يمثل كل منهم وبجماعة تخصه دائرة من دوائر القطب..
وبسبب من تآكل النزعة التطورية في الوعي السوداني، وحلول مفاهيم محكومة بـ(الشلهتة والشفقة) بات الأذى كله يتعلق بالسياسة وجملة من منسوبيها، وفي كل مرة يطرأ سؤال مؤرق سمته الدوام، هو لماذا اتجهت كل طاقات النخبة السودانية، النخبة هنا نعني بها أصحاب الكفاءات والقدرات منذ الربع الأول من القرن الماضي حتى اليوم هرولة إلى سوح السياسة، جاعلين من أدواتهم محل تصرف الفعل السياسي وساحاته الضيقة؟ وفي ذلك تاركين خلفهم فضاءات أرحب مبسوطة في الحقول الاجتماعية، فرموز المعرفة ما انفكوا يرون في الفعل السياسي دليلاً للحياة، وفي ظننا أيضاً أن هذه هي أم المشكلة السودانية.. انصرافهم واحتقان الطاقة داخل أوعية خانقة..
وليس مجاناً قولنا المستمر حول أن فلان السياسة ابتعلته وكان يمكن أن يقدم ما هو أصلح لواقعنا لو انصرف جهده للمعرفة وأبطل عنصر “التاكتيك” في أصرافه، ولا مجانية هذا القول أنه صادق في حال الكثيرين، والحق أن التبريرات جاهزة في هذا السياق، وهي أن الميدان الوحيد الذي كان متاحاً لتفريغ الطاقات الناشئة حينها و(المُلبدة) الآن، كان الانضمام إلى حزب سياسي، ولعل سوداننا هو الوحيد الذي لا يعرف تجمعات ذات طابع مدني تتأصل فيها الأشكال الاجتماعية بدافع أقوى من الإجرائية السياسية.
وفي نظر تاريخي بسيط يتضح لمن يعرف أقل لكن بعمق الامتيازات التي تتخلل الدخول في حوض المنفعة المتروكة للتضخم ينال منها ما ينال، فشهوة التكدس داخل أي نشاط ما هي إلا تعبير أسمى على ضيق الشروط في الاستيعاب، والأمر شبيه بالساقية المنوط بها إرواء الأرض فهي تتحرك ببلاهة منطقعة النظير لكن فعلها جّواد وحيّاء بصورة خالدة، بل يمنح هذا الفعل الأبله الممل المستفيد جلالاً في استمرار، ومن يفهم كيف كان يفكر من صنع نموذج الساقية فهو لابد واجد عقلية رياضية فيها حس شيطاني مُروّضْ. فالقوالب المصممة بمقاسات شبه واحدة تحمل قدر من مياه بنسب مختلفة، وهذه هي فلسفة الصناعة، أي أن الصانع يقيم أنموذجه بشكل بدائي دون السماح لتطور لاحق عليه، لكن الفاعلية له تتعاظم بسبب ما غامض، بل وغامض جداً، فكون الماء هو الماء والساقية هي الساقية، إلا أن قوة استجلاب واستنطاق القوالب للمياه الغارفة منها تختلف، واختلافها مرده عوامل لم تكن غائبة عند صناعة الساقية، كما أن تكتيف القوالب وتربيطها بشكل عنيف وتستبين فيه ماسوشية نفعية غالبة هو فعل مقصود ليحول دون حدوث أعمال قد تعيق مسيرة التدفق المائي لقوالب بالية ومحاطة بنظرات مزارع نّماق في قدرته الخلاقة على الإحياء دون أن يستعين هو بها، فذائقته متوقفة عند الحد الممنوح له أو الذي منحه هو لنفسه..
وببساطة تنطبق على كل أمة تّحلق من نوع يخصها، والقطبية السالفة الذكر هي تعبير جماع أوهام طبقة محددة في أي تكوين بشري، وفلسفة هذه الطبقة أنها لا تملك أي تنظير حقيقي فقط منقادة بشكل تعسفي ورغائبي أحياناً لتستوي في حضرة قواعد تخص منتهى وعيها وخلاصة طموحها. فقد تجد تشكلات تمنح نفسها حصانة وتعتلي سقف الأماني عند الكافة، وما تميزها إلا بسبب من انتهازية كامنة صنعت حلقاتها وخلقتها نوعاً خاصاً لمسيرة مبهمة، ليصبح حينها تطلعها موسوم بصناعة خانات دائرية تجتذب إليها من يحوم بل من يحوم أكثر، وتزداد شراستها في سرعة دوران الداخلين إليها، فهم مرتبطون بموثق سريالي خفيف الظل، شديد اللزوجة مرن أحياناً، وفي أوقاتها الحرجة يزداد توحشاً..
إن مثقفي الأحزاب السودانية يمارسون أذى بسبب من تناقض المعنى الذي يحملون وجدواه، وبين المساحات الممنوحة لتمرير أهدافهم داخل كيانات تعبث فيها سُلط وتحكمات جبارة، لا تسمح للمثقف إلا أن ينحني، وهذا بدوره يجعل من جدوى وجوده صفراً كبيراً. وقد يوضع أمامك توصيف شائه يرى في نشأة الأحزاب سبباً في ضعف فاعليتها، لكن الأمر أعقد من ذلك، الأحزاب السودانية ليست سودانية بالمعنى الفكري، أي أنها نشأة لدواعي ظرفية وحينما لم تجد ما يسعفها من أيديولوجيات وطنية ذهبت لتستلف بشكل أحمق نهايات بعض المقولات الغربية هكذا (خبط لزق) كما يقولون، فعلت ذلك دون أن تدري كيف يمكن تسيير دفة كيانات اجتماعية عبر وعي مخالف بل ومشوه، بعضهم ظن في الليبرالية خير، وحينما قفزت هناك في بيئتها إلى مابعد الليبرالية، بات السياسي حاضنها لدينا يسابق المقولات متعلقاً بها، وأزمته تتجاوزه..
والصراعات التي تضرب بنى أي تكوين بشري سببها الرئيس تلاطم مصالح لأبناء الحلقات الأشد ضعفاً وهي بطبيعة الحال تمثل ملاذ الكثير المرتحل من دوائره الخاصة إلى دوائر المدينة الساقية، فالريفي يملك حقد طاغ تجاه صنعته التي جبلت أسرته وكيانه عليها، فتراه يمارس دور الساقية بشكل تراكمي لكن تغيب عنده حاسة الابتكار لأنه في نهاية الأمر يمثل الوجه الأكثر تجهماً في مسيرة الصنعة، والمزارع يشيطن حضوره اليومي إلى المكان ذاته بملل مقدس، ورتابة باهرة وصاحبة قدرة متناهية على الهروب المستديم من الجدة والطرافة.
وفي المدينة؛ مدينتنا تجد أن النشاط السياسي داخل حلقاته الموغلة في الظرف المُهين اجتذبت بل لنقل خلبت لب المتعلمين أبناء الخروج الأكبر من صحن البراءة إلى قلاع المراوغة، لتصبح السياسة ساقية تملك سحرها الخاص، لكن دون إمتاع، ولو وضعت تراث العنف الإنساني في جانب، وأردت تحليل عوامل الصراع فيه وطبيعة المآلات التي انتهت بالإنسان عنيفاً وعنيفاً جداً، فالجوهر قائم في الحرفة الأكثر تداول وبسبب من ازدحام الطاقات داخلها انقلبت على نفسها، كالخلية التي تجدد ذاتها عبر قتل الجين الخالق فيها، وفي زعمنا أن الذي أقعد ويقعد عالمنا اليوم ضعف توازن الطاقة داخل النتاجات البشرية المختلفة، فالتحلق زائد الحد يقصف الأجنحة ويوقع الطائر موبوءاً بالذلة، وهكذا تتولد شحنة العنف من داخل التكاثر في الحلقات المنتجة للنشاط الأوسع في الأرض، وبتفكير عادي نفهم كيف يتوالد الذباب في المزابل ومنها يخرج صانعاً الأوبئة، فلو قلت حمولة العفن ما تكاثف حضور الأذى..
وفوق شراهة البلاهة بسبب تقاصر تنظيم الطاقات يحمل أحدهم سكيناً ليقتل أخاه والسبب جوهره المنازعة وأصل القصة هي اكتظاظ الطاقة واستعراض التلاوم بين المتنازعين – إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) المائدة.. إن أول درجات العنف الاجتماعي التخاصم حول المكسب، والذي يصنع التنازع بين المطالبين بالمنفعة، وكل صنعة تنتج ضروب من الشرور لا تنتهي، فانظر إلى بلدان يتطور فيها تنظيم الطاقة البشرية، وهي طاقة للعلم تركب نهايتها بنفسها، ولذا فإن أية محاولة لتقليب بوصلتها بالعكسي فيه، يصنع الانهيار الذاتي..
وقصتنا من الساقية الخراب المانعة للجمال الموحدة للعنف البارد، فهي تبدأ منذ توجهت الطاقات نحو فعل بشري وحيد للأسف فهم على عكس وجهته، فالسياسة صنعة مابعد..
وحينما نفكر في سبب خراب اقتصاد معاش الناس في أي مكان فإن علينا التوجه مباشرة إلى القطب الأعظم ونتاجاته، فهو المشكل للأزمات الخالدة..