عشر حبات من القورو على طبق من الكريستال .. بقلم: د. خالد محمد فرح


 بين يديّ الآن مخطوطة سفر هو غاية في الفائدة والإمتاع في بابه ، ألا وهو باب أدب الرحلات ، وجوب الآفاق ، وذكريات الأسفار والتنقل بين عديد البلدان ، على اختلاف بيئاتها وخصائصها الطبيعية والاجتماعية والثقافية المتباينة ، وما يجنيه المرء الذي تتهيأ له فرص القيام بتلك الأسفار ، واحتقاب تلك الذكريات ، من فوائد جمة على الصعيدين المادي والمعنوي.
وهذا السفر الموسوم ب ” حبات القورو العَشْر: ذكرياتي في شمال نيجيريا 1973 – 1983م ” ، يحوي ذكريات الخبير الإعلامي ، والكاتب الصحفي ، والأستاذ الجامعي ، والباحث الأكاديمي ، الدكتور عبد اللطيف سعيد ، الأستاذ بعدد من الجامعات السودانية ، بالإضافة إلى المعهد الإسلامي للترجمة بالخرطوم ، عن وقائع إقامته في شمال نيجيريا ، حيث مكث هناك وظل يعمل في بعض المعاهد والمدارس العربية والإسلامية في ذلك الصقع العزيز من ذلك البلد الشقيق ، لفترة امتدت لزهاء العشرة أعوام ، ما بين عامي 1973 و 1983م.
ولعل من نافلة القول أن نقرر في هذا المقام ، أن العلاقة بين السودان ونيجيريا ، وخصوصاً الجزء الشمالي من ذلك البلد ، حيث مرابع الهوسا ،  والفُلاّن ، والبرنو ، والعرب الشُوا ، ومُسلمة اليوروبا ، وغيرهم من القبائل الأخرى الصغيرة ، قد ظلت على الدوام ، وعبر التاريخ ،  علاقة حميمة ، ملؤها الحب والاحترام والتقدير ، فضلاً عن الكثير من الوشائج المتمثلة في جملة من مظاهر التواصل التاريخي ، والتداخل الاجتماعي والثقافي ، بل التجاري ، على بعد الشقة والمسافة نسبياً بين الدولتين.
ومما يدل على عمق الصلات ، وعراقة التواصل المادي والروحي بين البلدين على سبيل المثال ، رواية سودانية شعبية ظلت رائجة ، وخصوصا في كردفان ، وهي رواية هي أدخل في باب الأسطورة منها في باب الحقيقة التاريخيىة المثبتة ، ولكنها تظل – مع ذلك – ذات دلالة خاصة على ما نحن بصدده. تقول تلك الرواية إنّ كُلاًّ من الرجليْن العلميْن النابهيْن: السيد محمد عثمان المرغني الكبير ( الختم ) ، مؤسس الطريقة الختمية ، والشيخ عثمان دان فوديو ، مؤسس دولة ” صوكوتو ” الإسلامية في شمال  نيجيريا ، قد أدركا عن طريق الكشف بأن هنلك فتاة برّة وتقية ، تسكن في مدينة  ” بارا ” ، سوف تنجب إبناً صالحاً. فانطلق كل منهما نحوها لكي يخطبها من ذويها ويتزوجها ، فيكون بالتالي أباً لذلك الولد الصالح. قالوا: فوصل السيد الختم إلى بارا قبل الشيخ عثمان بن فودى بساعات ، بينما آثر الأخير المبيت في إحدى القرى المجاورة لها ، ريثما يسفر الصباح فيدخلها. فلما أصبح الصبح على الشيخ عثمان دان فوديو ودخل بارا ، ألفى السيد محمد عثمان قد سبقه ، وعقد قرانه على تلك الفتاة ، وهي التي تعرف بالسيدة ” ورقية أو رقية بت جلاب “. فزعموا أنه قد قال للختم بكل أريحية: ” أهنيك بالحسن ” ، يعني السيد الحسن أبو جلاّبية. !
ولا شكّ في أن كتاب الأستاذ الدكتور عبد اللطيف سعيد هذا ، يمثل مدماكاً مهما في بناء ذلك الصرح الباذخ من التراث المعرفي والعلمي الذي ظلت تخطه أقلام طوائف متميزة من الأجيال المتعاقبة من الأكاديميين والكتاب والباحثين السودانيين ، الذين تهيأت لهم فرص العمل والإقامة في نيجيريا خلال العقود المنصرمة. إذ قلّ من بين أفراد تلك الأجيال من المثقفين السودانيين الذين ألموا بنيجيريا ، دون أن يؤلفوا فيها او حولها المصنفات المختلفات ، قلّت أو كثُرتْ. نذكر من بين أولئك الأفاضل على سبيل المثال فقط ، الأساتذة الأجلاء: بروفيسور عبد الله الطيب ، وبروفيسور مدثر عبد الرحيم ، وبروفيسور محمد أحمد الحاج ، وبروفيسور عثمان سيد أحمد البيلي ، وبروفيسور فتحي حسن المصري ، والأستاذ مجذوب سالم البُر ، والبروفيسور أحمد كاني ، والبروفيسور الأمين أبو منقة وغيرهم.
وأما ” القورو ” الذي حرص الدكتور عبد اللطيف على ذكر اسمه في عنوان كتابه هذا  ، فهو عبارة عن ثمرة متماسكة القوام إلى صلابة ، في حجم الحصاة المتوسطة ، تتراوح ألوانها ما بين الأصفر ، والأخضر ، والأحمر ، والبنفسجي ، وطعمها مرٌّ ولاذعٌ ، ولها عُصارة صبغية حمراء قانية ، ينطبع لونها بصورة واضحة على أفواه من يداومون على أكلها ، وربما أورثت شفاههم و أسنانهم برياً وتحزيزاً منكرا.
وبلغنا أن القوم هناك ، يتناولون القورو لأنه في اعتقادهم ، نبات منبه ومنشط ، ويساعد على علاج بعض أعراض الطُمام والغثيان وعسر الهضم. وعلم كاتب هذه السطور أنه حتى النساء في تشاد المجاورة لنيجيريا ، والتي عمل بها لزهاء الأربعة أعوام دبلوماسيا بسفارة السودان بها خلال النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي ، يتناولن القورو ، خصوصاً عندما يتعين عليهن القيام ببعض المهام والأعمال التي تتطلب السهر ، مثل إعداد الطعام طوال الليل للولائم في المناسبات الاجتماعية المختلفة ، حيث أنهن يعتقدن ان أكل القورو يساعدهن على تحمل السهر ، بسبب مفعوله المنبِّه المشار إليه.
على انّ كثيراً من السودانيين يعتقدون خطأ أن للقورو خواصاً أفروديتية ما ، بمعنى أنهم يظنون انه مقوٍّ للباءة ، وذلك غير صحيح البتة ، وإنما ذلك في تقديرنا ، طرف من الصورة النمطية التي يحملها السودانيون على وجه العموم ، عن رجال بلاد السودان الأوسط والغربي بصفة عامة ، من أنهم ذوو قدرات استثنائية ضربة لازب في هذا الشأن.
ولا ينكرنَّ منكرٌ على الدكتور عبد اللطيف أنه رمز للسنوات العشر التي قضاها في نيجيريا ، بعشر حبات من ثمر القورو بسبب أن القورو كما أسلفنا مر مذاقته كطعم العلقم. ذلك بأن السياق الثقافي والاجتماعي العام لهذه الذكريات يحتمل ذلك ، خصوصاً وأن القورو بالنسبة لمعظم أهل بلاد السودان الأوسط ، لذيذ مستساغ ، بل هو مما يُطرف به الضيوف والزوار في سائر المناسبات الاجتماعية ، فهو كالحلاوة والتمر والكعك عندنا. ولن يترك أهل تلك الديار أكل القورو في ظننا ، حتى يترك السودانيون سف التمباك، وحتى يترك اليمانية مضغ القات ، أو تدع الإبل الحنين.
على أنّ جُلّ الذكريات التي سطرها  المؤلف في هذا الكتاب ، هي ذكريات حلوة ، تجلت فيها براعته كقاص وكسارد ، سلس العبارة ، ناصع اللغة ، قوي الملاحظة ، وذي أسلوب فكه ، يذكر الواحد بأسلوب وروح دعابة العلامة عبد الله الطيب خصوصا في كتابه ” بين النير والنور ” ، الذي جاء هو الآخر للمصادفة ، مشحوناً في مجمله بذكريات ومشاهدات وملاحظات عديدة ، غاية في السداد والامتاع والطرافة ، عن فترة إقامته وعمله في نيجيريا ، في ستينيات القرن الماضي.  
هذا ، ومن بين الخواطر السديدة , والطريفة التي استوقفتني في الكتاب – وهي عديدة بكل تأكيد – قول المؤلف إنه قد سمع لأول مرة  بمصطلح Booking  ، بمعنى حجز مقعد للسفر بالطائرة ، عندما كان يهم بمغادرة السودان جوّاً لأول مرة في عام 1973 ، وهو في طريقه للعمل بنيجيريا. قال:
” كنتُ أعرف كلمة Book  ، ولكن أن يضاف إليها ( ing ) ، كان ذلك غريباً بالنسبة لي. وذلك يعطي القارئ فكرة عن مناهج اللغة الإنجليزية التي كنا ندرسها في جامعة الخرطوم في ذلك الوقت. فأنت تدرس شيلي و ورث ورث ، وكولريدج ، ولكن في انشغالهم بالدراسة الكلاسيكية ، لا يعطونك لغة إنجليزية تساعدك على التعامل اليومي مع الحياة .. ” أ.هـ .
وقد ذكرتني تلك الخاطرة على الفور بأننا في أول عهدنا بدارسة اللغة الإنجليزية ، وإلى أن أكملنا المرحلة المتوسطة ، وربما الثانوية ، لم نعرف من أسماء وجبات الطعام الرئيسية سوى ال Breakfast الذي هو الإفطار ، وال Dinner الذي قيل لنا إنه الغداء ( هكذا ) ، وال Supper الذي قيل لنا إنه هو العَشاء. ولم نسمع بال Lunch  مطلقاً. ولما بلونا طرفاً من الحياة الإفرنجية كفاحا ، عرفنا أن ال Dinner  هو العَشاء وليس الغداء ، وأن الغداء يسمى Lunch الذي  لا ذكر له البتة في  منهج اللغة الإنجليزية لأجيال متطاولة من المتعلمين السودانيين  ، أعني بذلك منهج مايكل ويست ، وسلسلة كتب المطالعة ” الريدرز “. كما علمنا أن Supper هذه كلمة من الإنجليزية العتيقة Archaic  ، التي لم يعد لها وجود في الاستخدام الدارج حاليا ، فتأمّلْ !.
ومن آيات حس الفكاهة وروح الدعابة في هذا السفر الماتع ، ما رواه الدكتور عبد اللطيف سعيد من أن استاذا سودانياً بنيجيريا ، لم يسبق له أن صلى صلاة الجنازة ، ولا معرفة له بأحكامها ، طلب منه جماعة من النيجيريين ، والنيجيريون هم على ثقة دائمة من أن أي سوداني متدين ومتفقه ضربة لازب ، طلبوا منه أن يصلي على جنازة لهم ، فلما أُسقط في يده تحت إلحاحهم ، استنجد هو بدوره  بزميل له باكستاني متفرنج آخر ، بل كان من أصحاب الجنسية البريطانية ، لكي يشرح له في عجالة كيف تكون الصلاة على الجنازة ، قال فقال له:
I Think two Rak`a will do !!
أي: اعتقد أنَّ ركعتين ستؤديان الغرض !.
وأود ان أقف في الختام محيياً حرص الدكتور عبد اللطيف سعيد على تعلم لغة ” هوسا ” ، مستغلاً فرصة وجوده هناك لفترة امتدت لعشر سنوات ، وذلك إن دلّ على شيء ، فإنما يدل على تسامحه ، و صدق إنسانيته ، ورغبته في التواصل المباشر مع أهل تلك الديار ، والامتياح كفاحاً من معين ثقافتهم وأدبهم وتفاصيل حياتهم الاجتماعية ، وذلك على نحو ما أوقفنا عليه في متن كتابه الممتع هذا ، والذي هو جدير حقاً بالقراءة والاحتفاء.

khaldoon90@hotmail.com

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً