إنفصال جنوب السودان .. ورقة إتهام (3): الديمقراطية الثانية والحكم العسكري الثاني .. بقلم: نبيل أديب عبدالله/ المحامي
كنا قد وقفنا عند أستعراضنا لكتاب الدكتور سلمان عند قيام مؤتمر المائدة المستديرة، ورأينا إنقسام المجتمعين إلى فريقين يحمل كل منهما نظرة أحادية، بين منكر تماماً للمشكلة، لا يجد لها حلاُ إلا بإبقاء الوضع على ما هو عليه دستورياً، وإكمال بناء القومية السودانية حول الهوية العربية الإسلامية، وبين من يجد أن المشكلة تسبب فيها بناء دولة السودان على مصادفة تاريخية، مما يجعل إنفصال الجنوب عن الدولة القائمة هو الحل الوحيد. وبين الفريقين يقف فريقان يفرق بينهما الشكوك المتبادلة، وإن تقاربت أطروحاتهما، وهما جماعة وليم دينق المتمسكة بالفيدرالية، وجماعة اليسار بطرحها الذي يحمل مسمى الحكم الذاتي الإقليمي. ولما كان التوصل لقرار يتطلب الإجماع حسب قواعد المؤتمر، فإن بقاء كل فريق في موقعه أدى لأن يفشل المؤتمر في التوصل لقرار حول شكل الحكم الواجب تطبيقه في السودان.
لقد كان التوقيع على إتفاقية أديس أبابا، في نظر العالم، إيذاناً بإنتهاء الحرب في جنوب السودان، ولكن هذه النهاية لم تكن كما ظهر فيما بعد، إلا فترة سلام مؤقت إستمر لعشر سنوات. ورغم أنها أكثر السنوات هدوء في تاريخ الجنوب منذ أحداث توريت عام 1955 إلا أنها لم تخلو من مشاكل وصراعات. كان الضعف الرئيسي للإتفاقية هو أن السلطة المطلقة التي كان يتمتع بها الرئيس في شمال السودان، لم تكن منسجمة مع ما أتاحته الإتفاقية من ديمقراطية نسبية للجنوبيين في المديريات الثلاث. ولم يكن ممكن أن يحكم نصف القطر بطريقة مغايرة للنصف الآخر لمدة طويلة. بدأت المشاكل تتبلور إعتباراً من العام 1977 وهو العام الذي تمت فيه المصالحة الوطنية مع أحزاب الأمه، وجبهة الميثاق الإسلامي، وجزء من الإتحاديين، وهو ما منح الرئيس نميري شعوراً بأن الجنوبيين لم يعودوا مناصرو نظامه الوحيدون. وكذلك يرى المؤلف أن الأحزاب الشمالية التي إنضمت للحكم في عام 1977 لم تكن أصلاً قد إرتضت الإتفاقية، وأنها ساهمت في تشجيع الرئيس نميري على عدم الإلتزام بأحكامها، وهو رأي يشاركه فيه الدكتور منصور خالد.
لا توجد تعليقات
