مهلاً مجلس الصحافة .. بقلم: نبيل أديب عبدالله/ المحامي
فوجئت بخبر إحتجاب صحيفة الجريدة عن الصدور اليوم الجمعة (تاريخ كتابة المقال لا نشره) تنفيذاً لقرار لجنة الشكاوى بالمجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحفية، بتعليق صدور صحيفة (الجريدة) لمدة يوم واحد، مع الانذار، والذي إشترط ان يتم تنفيذه خلال (48) ساعة من استلامه. وما يثير الدهشة في هذا الأمر هو شكل ومحتوى معالجة المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحفية لمسألة تتعلق بحرية الصحافة، وهو مخالفة القرار شكلاَ وموضوعاً روح ونص القانون الذي يحكم عمل المجلس والمواد الدستورية التي تفسر وتقيد أحكام ذلك القانون.
فى دعوى مجلس مقاطعة داربي ضد جريدة التايمز Derby County Council V. Times Newspapers and Others وهى دعوى أقامها مجلس مدينة داربي ضد صحيفة التايمز، طالباً التعويض عن الأضرار التي سببها نشر مقالين في الصحيفة عن الإستثمار الذي يقوم به المجلس بالنسبة لأمواله، تقدم المدعى عليهم بدفع مبدئي مفاده أن المجلس كسلطة عامة لا يستطيع إقامة دعوى إشانة سمعة، وقد قررت محكمة أول درجة أن المجلس يستطيع قانوناً ذلك، فإستأنفت الصحيفة فقررت محكمة الإستئناف قبول الدفع وشطب الدعوى، لأن السلطات العامة لا تستطيع المقاضاة بسبب إشانة سمعتها، وقد تأيد ذلك الحكم من مجلس اللوردات والذي كان آنذاك أعلى سلطة قضائية بريطانية. إستندت محكمة الإستئناف ومن بعدها مجلس اللوردات في شطب الدعوى إلى أنه “لما كان من أكثر الأمور أهمية بالنسبة للحكومات المنتخبة ديمقراطياً،أن تكون أجهزتها خاضعة لحق غير مقيد في نقدها، ولما كان وجود إمكانية رفع دعاوي بالتعويض بسبب ذلك النقد، يضع كابحاً غير مرغوب فيه لمنع حرية التعبير عن هذا النقد، فإنه يكون من المنافي للمصلحة العامة أن يكون لأجهزة الدولة المركزية أو المحلية الحق في رفع دعاوي بسبب إشانة سمعتها، ولذلك فإنه لا يصح القول بوجود ذلك الحق”. ويلاحظ هنا أن الدعوى كانت تتعلق بنقد هيئة محلية في إدارة إستثمار تجاري، ورأت المحكمة من حق الجمهور أن ينتقد طريقة إدارة أمواله، فما بالك ما إذا كان الأمر يتصل بإدارة مرفق عام يتصل بالحاجات الأساسية للمواطنين التي يجب على الدولة أن تقوم بنفسها أو ترعى وتراقب غيرها في توفيرها لهم.
إننا نعتقد أن السماح للسلطات العامة برفع الشكوى ضد الصحف، لمجرد نفخ الصافرة حول ما يتصل بإدارتهم للمرافق العامة من شكوك، فيه فرض لحماية لهم مخالفة لمبادئ النظام الديمقراطي، وفيه إهدار لحق التعبير ولحرية الصحافة. الإعتداء على الحقوق الخاصة موجباً لإسباغ الحماية المدنية على الحق المعنى لرد ذلك الإعتداء، فالشركات التجارية لها مصلحة مشروعة فى حماية سمعتها التجارية، ولكن تلك الحماية مجالها القانون المدنى وليس الجنائى، فيجوز للشركات والمؤسسات التجارية رفع الدعاوي المدنية لحماية سمعتها التجارية. أما بالنسبة للسلطات العامة، والإدارات المختلفة للحكومة المركزية، والحكومات الولائية والمحلية، فلا يجوز لها المقاضاة أصلاً لا جنائياً ولا مدنياً بدعاوى إشانة السمعة، لأن حق الجمهور في أن يَعلَم كيف تدار الأمور في أجهزة الدولة المختلفة، يفوق حق تلك الإدارات في أن لا تتعرض لنقد غير بناء، أو لنشر وقائع غير صحيحة عنها، وحق المجتمع ككل فى حرية النقاش فى المسائل العامة ونقد الحكام يمنع أن يكون للإدارات المختلفة للدولة أى سبيل لمنع ذلك. وليس لتلك الإدارات سوى أن تخوض فى النقاش لا أن تحاول منعه، فلها حق الرد، أو إلزام الصحيفة بالإعتذار أو التصحيح، وفق قواعد ميثاق العمل الصحفى، أما مطاردة الصحف جنائياً فهذا بالإضافة إلى أنه لا أساس له في القانون فإنه أيضاً يخرق الدستورن وسنرى أن العقوبة التي وقعتها لجنة الشكاوي هي عقوبة ذات صبغة جنائية.
وقد ظل القانون الأمريكي يتطلب إثبات صحة الإسناد كدفاع لدعاوي إشانة السمعة حتى صدور الحكم التاريخي للمحكمة العليا في دعوى نيويورك تايمز ضد سوليفان، والتى فرقت بين الرسميين و بين الأشخاص العاديين، و تتلخص وقائع الدعوى فى أنه في عام 1960م نشرت النيويورك تايمز إعلاناً مدفوع الأجر حول معاملة السود في ألاباما ،وقد حمل بعض الإدعاءات بوقائع ليست صحيحة، مثل إجتياح الشرطة لمباني الجامعة، وطرد تسعة من الطلبة لأنهم تغنوا بأغنية تحكي عن الظلم الواقع على الزنوج. كما وذكرت أن مارتن لوثر كينج قد تم القبض عليه سبع مرات. وحقيقة الأمر هى أن الطرد لم يكن السبب فيه الأغنية. وأن الشرطة لم تجتاح مباني الجامعة. كما وأن عدد مرات القبض على مارتن لوثر كانت أربعاً وليست سبع . رفع مدير الشرطة سوليفان دعوى ضد كاتبي الإعلان والصحيفة، حيث وجه القاضي المحلفين بأن عدم صحة الوقائع يترتب عليه إفتراض الكذب ونية الإضرار، وعندما وصلت الدعوى للمحكمة العليا شطبت الدعوى وذكرت “أن القانون الساري في ألاباما لا يوفي بالمتطلبات الدستورية حول حرية التعبير، بالنسبة للدعاوى التي يرفعها الرسميون بشأن النقد الموجه لهم على ما يقومون به تصريفاً لأعمالهم. فهذه الدعوى لا بد أن يتم الفصل فيها على خلفية الإلتزام الوطني العميق بأن النقاش في المسائل العامة يجب أن يكون قوياً غير مقيد ومفتوح، وأنه قد يتضمن أحياناً هجوماً قوياً على الحكومة والمسئولين الرسميين،”وذكرت المحكمة أن الخطأ في إيراد الوقائع مسألة لا يمكن تفاديها في المناقشات الحرة، ومعاقبة ناقدي الرسميين لمجرد إيرادهم لوقائع غير صحيحة عنهم يمنع التعبير في مسائل تهم الرأي العام . لذلك فإنه لا يجوز للرسميين أن يقاضوا منتقديهم بدعوى إشانة سمعتهم ،ما لم يتمكنوا من إثبات أن منتقديهم كانوا في الواقع يعلمون أن الوقائع التي أسندوها للرسميين غير صحيحة، أو أن ذلك تم بتجاهل سافر يصل إلى درجة الإهمال المتعمد لمحاولة معرفة مدى صحة تلك الوقائع .
لا توجد تعليقات
