جمهوريّات الضّباط في العالم العربيّ: (إخفاق في الحلم بصناعة واقع مأمول) .. بقلم: أحمد تور شين

 

هنالك تبادل لعبارات واتهامات، تنم عن الاستهزاء والسخرية بين المدنيين والعسكريين. هل من الأفضل أن يكون الإنسان مدنيّاً ملكيّاً، أو جنديّاً عسكريّاً. وأي الفريقين أكثر عطاء في الحياة، وفي خدمة البلاد. وأي الفريقين أحق بالحكم؟ وما الفارق بين قدرات العسكريين والمدنيين؟ وما وظائف كل منهما في إطار دولة ما بعد ما سمي بالاستعمار؟ وهل حققت تجربة الحكومات العسكرية مكاسب للبلاد العربية وغيرها، أم أنها أحدثت تدميراً وخراباً ونتائج وبيلة. وكيف للبلاد العربية أن تخرج من قبضة العسكريين الذين تبقوا في سدة الحكم؟ وما السبيل الى تحقيق استقرار في البلاد التي سقطت فيها الأنظمة العسكرية؟ هذه جملة تساؤلات تطرحها المقالة، وهي دون ريب تحتاج إلى إجابات.

لقد بُنيت استراتيجية الغزو المسلح للبلاد العربية والإسلامية وغيرها على رؤية كانت بذرتها التعليم المدني الحديث. حيث افتتحت كلية (غردون) التذكارية في 1899م لتحقيق الأهداف الاستراتيجية المرجوة. فالتعليم هدفه التغيير، ويراد من هذا التغيير إصلاح الواقع وتجاوز مشكلاته. وقد أثبتت التجربة أن هذا النوع من التعليم قد افرز عدداً من السلبيات والسوءات، من ابرز مظاهرها طغيان المادية على حساب الروحية، ووأد الطاقات الإبداعية. فكان إضعاف العقيدة الإسلامية، وضعف الحس العقدي نحو الشعائر الإسلامية، وتسرب المفاهيم الإلحادية والعلمانية، ومخالفة المعلوم من الدين بالضرورة، وضعف الضوابط الشرعية في المعاملات الحياتية، اختزال الدين في العبادات دون المعاملات، وضعف تحري الحلال في الكسب من أهم نتائج التعليم المدني. حيث لم يكن العنصر البشري الذي يعمل في هذا المجال بعيداً عن تلك السلبيات. وقد أفرز واقع الأداء بعض المؤثرات على إدارة مؤسسات الدولة. وبرزت الضغوط السياسية الداخلية والخارجية. وبسبب غياب العدالة الاجتماعية، لم يتحقق الاستقرار. فقد خلفت المؤسسات المدنية في تولي ادارة الشأن العام ولكنها أخفقت لتدخل العسكريون في معادلة الحكم. مبلغ يقيني أن الأنظمة التي مُكن لها، وتسيدت، وتصدرت، وتحكمت في مفاصل البلاد العربية والإسلامية بعد خروج الغزاة، أريد لها أن تصنع واقعاً جديداً وفق أهواء ورغبات من صنعوها. فالجيوش وظيفتها حماية الثغور، ومجاهدة العدو، وواجب الأجهزة الشرطية حماية الأمن الداخلي، هذا لا ريب فيه ولكن الواقع يقول غير ذلك. وبدلاً من أن تكون هذه القوات عزة ومنعة لبلادها، أضحت أداة قمع وتعذيب وتخويف وإرهاب للمواطن وللمعارض على حد سواء. وأجهزة الحكم ينبغي أن تسخر جهودها في خدمة العباد والبلاد، ولكن الخادم أصبح مخدوماً في ظل سيادة جمهورية الضباط. فقد حددت السياسة العمرية وظيفة الوالي في أربع هي سد الجوعة، وستر العورة، وتوفير الحرفة، ومجاهدة العدو. ولكن العدو اليوم في مأمن،والمواطن ترتعد فرائصه، فان هو طالب بحقه الحسنى، لا يستجاب له، وأن عبر بطريقة أخرى يكلفها الدستور سحق.
ظلت دوائر الحكم العسكرية في البلاد العربية تسعى لقيام إمبراطورية المؤسسات الضبطية. وهي بهذا تعبر عن خوف كامن ودفين ربما هو تعبير عن ضعف وعدم ثقة في النفس. وقد يكون ناجماً عن (فوبيا) تجاه الآخر. ولكن ممارساتها مخالفة النواميس وطبائع الأشياء هو مسلك الجاهلين. افعل ما شئت صواباً فلن يضيرك شيء. واصنع ما شئت من خطايا فانك مجازى به. فالتغلغل في الأجهزة والمؤسسات المدنية، وسيطرة أهل الولاء عليها في ظل ممارسات خاطئة، هي الأخرى تولد رفضاً، وصدوداً، وهجراً، فيظهر الأعداء من بين الصفوف الموالية. وقد حاولت أن تستميل من أرادت تارة بمال وتارة أخرى بغيره. وكما هو معلوم، فإن إسكات الأفواه بالأموال هي منهجية قديمة، مورست في التاريخ الإسلامي، كما مورست في غيره. ولكن الأنظمة العسكرية والاستبدادية تتفنن في استخدام العصا الغليظة تارة، والجزرة تارة أخرى في عملية صراع طويل لتحقيق مرام البقاء في سدة الحكم. لقد ظلت الأنظمة الحاكمة العسكرية تسعى سعياً حثيثاً إلى تحقيق استمالة للجمهور وللنخبة لتكون في صف النظام. وقد يتحقق هذا لمبررات موضوعية، غير إن جريان الأحداث يفت كل يوم من عضد هذا الحلف. فقد يتحول النظام وهو يسعى لفرض هيبة الدولة إلى الصلف، وبهذا يجرح كبرياء الصفوة والجماهير، فتقشعر الأبدان وتبدأ رحلة العودة إلى حيث كانوا قبل الاستمالة.
فشراء ولاء القوات النظامية حتى تكون مستجيبة طوعا أو كرها للنظام القائم قد جرب. وفي اغلب الأحيان يتناسى الناس تأثير الأحداث في تغيير الاتجاهات، فيتحول الرضا إلى تحفظ ثم إلى غضب ثم إلى سخط، ويبتعد القريب بعد أن يكون قد بلغ من أمره ما بلغ اثر تحولات نفسية في التفاعل مع الأحداث. إن المرء الذي يتلقى الفكرة أو المعلومة يخزنها عقله ليفهمها ثم يتفاعل معها سيكولوجياً ثم تنعكس علي سلوكه دون ريب. وفي التفاعل مع البيئة تحدث متغيرات داخلية غير مدركة هي اللاوعي واللاشعور الناجم عن البرمجة الربانية للإنسان، فيحدث التحول والتبدل والتغير. ولكن الناس تعتريهم الدهشة حين يدركون تحول الأمور، كما يحدث في الثورات والمواقف التي تتبدل مع الأحداث. ففي فقدان المؤسسية، إيذان بالخراب، وفقدان المعايير يخل بتحقيق العدل في المجتمعات، و النظام نتيجة لتحكم الأهواء والأنفس الدنية والشهوات والأطماع لا يحقق ارتقاء. من العبث، بل ومن العبط أن تحاول الأنظمة الحاكمة في البلاد العربية السيطرة على كل شيء. أن تسيطر على كل شيء في البلاد هو الجنون بعينه. فطبائع الأشياء محكومة بقانون نافذ، لا يتبدل ولا يتعطل ولا قدرة لأحد في التأثير عليه. فالغربيون الذين حققوا إنجازات مادية مبهرة، سبروا غور النظام الكوني، وعرفوا نواميسه وقوانينه، وفجروا المادة وعرفوا خصائصها واستغلوها في أغراضهم، ولكن الجوانب الروحية عميت عليهم! وتجربة الحكم الوطني في السودان حكم فيها العسكريون ما يقارب الخمسين عاماً مقابل عقد واحد من الزمان للحكومات المدنية. ونستنتج من ذلك، أن الحكم المدني لا تتوافر له عوامل البقاء لعلة كامنة في الأحزاب السودانية. فهي عاجزة عن تحقيق استمرار وتنمية ورخاء. حيث تظل تتصارع فيما بينها فتذهب ريحها بإذاعة البيان العسكري الأول، فتعيش بياتاً سياسياً، وفق ما قدر الله لها أن تعيش، فان عادت لا تستفيد من تجاربها الماضية فتدور عليها الدوائر. ملخص ما يمكن أن تصل إليه هذا المقالة، هو أن السودان مقبل على طريق ثالث بدأ معالمه تتشكل، ولكنها مستترة غير ظاهرة لكثيرين. ففما تجدر الإشارة إليه هو أن من أهم سمات جيل الشباب عدم الانتماء. فالسودانيون جميعاً مدنيين وعسكريين، مطالبون بتمتين إرادة التغيير في بلادهم. فكفى البلاد احتراباً، وكفى الأحزاب تشاكساً وتعاركاً، وكفى العسكريين تخبطاً وتيهاً. والسودان يحتاج بصورة ماسة وعاجلة إلى قيادة حكيمة، غير حزبية، وغير عسكرية، قيادة لها رؤيتها الاستراتيجية في كيفية إدارة الموارد البشرية والطبيعة، ولها تجربة في تجاوز صعوبات الحكم، وليس لها أهواء أو رغبات ذاتية دنيوية. وأما القائد فله مواصفات خاصة، فهو تصنعه الظروف، وليست هنالك ظروفاً عصيبة أكثر مما تعيشه بلادنا. هذا القائد المنتظر لا يفكر داخل الصندوق، وإنما هو ملهم بالتفكير الإبداعي للخروج بمشكلات عبر منهج التفكير خارج الصندوق. فرغم الأسى والجراح، هنالك فرصة للتسامي والخروج من الدائرة المغلقة ليكون السودان بلداً في المكانة اللائقة به وسط العالم. علينا أن ندرك أن السودان كان يعامل معاملة خاصة، حيث يدار من خلال وزارة الخارجية البريطانية، بخلاف الدول المحتلة الأخرى. وأن الصورة الذهنية للسودان من تزال لها اشراقاتها وبريقها عالمياً. فقصة الخواجة مستر كلارك الذي تعود أن (يستحمر) الهنود، استعصي عليه أول سوداني ، فبدلاً من أن يكرب على ظهره فعل به السوداني ذلك، هذه الواقعة تنبئ عن عظمة السودانيين. كما أن هنالك مقولة لأمريكي يقول فيها: أن الرجال بمعني الكلمة يوجدون في السودان. وهنالك شهادة لامرأة كويتية تعتقد أنها فقدت أنوثتها، ترى فيها أن النساء الحقيقيات يوجدن في السودان، وهذا يكفي لان نفخر ببلادنا. إنَّ قراءة الوضع الراهن في السودان والبلاد العربيّة كافة يتبدى فيه إخفاق الطّاقة الإبداعيّة للأقلية المبدعة وهم صنّاع السياسات في العالم العربيّ. وبالمقابل يوجد رد المجتمع على السيطرة في دوائر الحكم بسحب الولاء من المؤسسات، واللّجوء إلى الخيارات التي تتاح. والنتيجة هي ضياع وحدة المجتمع من خلال فقدان الثقة في الأنظمة الحاكمة، وقد تمخضت عدداً من النتائج على هذا التشتت والتمزق في النسيج الاجتماعي في البلاد التي شهدت حراكاً وثورة ضد الحكام المستبدين. السودان يحتاج لسواعد أبنائه المخلصين ليتخلص من قبضة أبنائه الذين اخفقوا مدنيين أو عسكريين. وقد آن الأوان أن نبحث عن طريق ثالث، في ظل هذا المأزق الذي نعيشه، هل إلى خروج من سبيل؟

dr.ahmedsafidinfdi@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً