معلم الاجيال .. هاشم افندى ضيف الله .. عشرون عاما من الرحيل المر .. بقلم: الطيب السلاوي
22 يناير, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
35 زيارة
آثرت ان اخاطبك – شيخنا الجليل – باحب ما كنت ترغب ان يناديك به رفاقك – معلمونا الافذاذ – من الاسماء ..”هاشم افندى ضيف الله”.. ولن انسى حديثك الشائق تبين اسباب تفضيلك اتباع لقب “افندى” لأسمك ..كان ذلك فى عام 1984ونحن فى عاصمة العلم والتربيه والنور.. بخت الرضا.. نشارك اسرة المعهد العريق مناسبة الاحتفال بيوبيله الذهبلى باقامة الدورة المدرسيه الخامسه تحت اشراف الاتحاد الرياضى المدرسى الذى تولي شخصى الضعيف رئاسته فى ذلك العام بعد توليك قيادته اثناء سنواته الاولى بعد تكوينه فى عام 1979وبقيت لنا مستشارا الى ان تفرّقت بنا الازمان.
وهكذا دار الزمان ومضت ايامه وصارت الاشياء غيرالاشياء ورحل من رحل من قامات التربية والتعليم الى دار الخلود ولا تزال ذكراهم حيّة متقدة يتذاكرها من لا يزالون ينتظرون يستلهمون العِبَر مما قدمتم واعطيتم وبذلتم وهديتم وارشدتم ينتظرون محطات وصولهم ليترجّلوا عن قطار الحياة تاركين المجال للتابعين من المعلمين..فكانت ارادة الغالبه ان تتزامن نهايات مواقيت اقامة الدورة المدرسية السادسة والعشرين فى ربوع ولاية النيل الابيض مع مرورعشرين عاما على رحيلك المر.. منذ ان غادرتنا بجسدك الى رحاب ربك الغفور الرحيم تجنى الخلد والاجر منه جزاء وفاقا لما قدمت فى دنيا العلوم والمعارف والرياضة بانواعها وفى دنيا الهداية والارشاد..فعادت بى الذكرى . وواحرّها من ذكرى لماض عرفناك فى ايامه الخالدات فى النفوس والوجدان بما امتلآت به من كل ما كان زاهيا وفاض بالاشراق .. رحمة الله عليك فى اعلى عليين بين الشهداء والصديقين ما لاح البدر او نادى المنادى بالاذان.
يقولون “العظماء ثلاث.. رجل ورث المجد عن ابويه فوُلِد عظيما.. ورجل اتاه المجد من حيث لا يحتسب فيٌعَدّ بين مصفوفة العظماء.. امّا الثالث فهو من يصبح بين رجال تلك المنظومة واصلا اليها من اوسع ابوابها بما سما به منزلة وعلا به قدرا . واسمح لى يا شيخنا الجليل ان وضعناك فى مقدمة من عرفناهم من الفلين عددا من عظماء الرجال رغم علمنا التام انك كنت على الدوام من الزاهدين فى كل اطراء اوثناء..واسمح لى ان احسست ألاّ بد لى ان اذكرمقولة اثنين من طلابك ممن شاركتُهم مسبقا السعادة بالجلوس الى حلقات درسك فى صرح تربوى شامخ ولكنهم ازدادواعنى بهجة بالعمل اتربوى المباشر تحت قيادتك فى ذات المكان الطيب زز حنتوب الفيحاء-بعد اكمالهم المرحلة الجامعيه والتحقوا بالتعليم تعشقا له فى شخصك وفى شخوص رفاقك من معلمينا الاخيار..قالها الرجلان وربما اضمرها آخرون.. “الما قرا فى حنتوب وما درّسو هاشم ضيف الله واشتغل مدرّس معاه فى حنتوب.. لآ قرا ولا اشتغل!”..وارجو ان ابلغك والغبظة تملآ جوانجى ان التابعين من الحنتوبيين الابرار – بعد ان انتقلت حنتوب الى حال آخر – ولم تعد خنتوب التى كانت وعرفناها فى ايام عزها ومجدها – هاهم قد نقلوها معنى وفكرة وشكلا وموضوعا يعلوها البرج ومن فوقه “الهدهد” الى موقع يتوسط العديد من المؤسسات التربوية والتعليميه فى مسقط رأسك .. مدينة امدرمان الخالده .. فضلا عن ان كل طلابك فى كل موقع كانت فيه بصماتك خالدات وآثارك هى الباقيات يظلوا يذكرونك دواما “ما حنّت النيب فى نجد”..
عرفك اهل السودان وعشّاق الرياضة اسما طافت به الآفاق قبل ان نلقاك مع الكثيرين من معلمينا الذين كانوا يوما من الجالسين الى حلقات درسك ونهلوا من علومك وخبراتك..لقب “ابوضيف”الذى وصل الى مسامعنا نشيدا شدا به اهل ” الهلال الامدرمانى” والاتحاديون هوى رياضيا من اهل ودمدنى الفيحاء .. وكان صباح الاربعاء الاغر الثانى من فبراير1949موعدا لا يفارق ذاكرتنا للقائنا الاول بك نحن برالمة حنتوب بعد اجتيازنا بنجاح امتحانات الوصول الى مرحلة التعليم الثانوى التى سعدنا بوقوفك امامنا فى عامنا الاول تُكسِبنا مهارات الاستماع والتخاطب والقراءة والكتابة بلغة ظلت لنا عونا فى تلقى المزيد من العلوم والمعارف فى لواحق الازمان ,, مثلما سعدنا بالحلوس امامك فى عامنا الاخيرتفتح آفاقنا على ضروب حياة ساكنى مختلف البلدان والامصاروما كان فيها من الثروات والموارد فضلا عن مهارات الاعمال اليدويه وتذوق انواع الفنون والجماليات وتجليد الكتب اضافة الى تقليد خطك الجميل الذى كان واحدا من مهاراتك اليدويه! كنا على يقين انك فارس كل ميدان وواحده وانت تزداد كل حين اجلالا واكبارا بما يصدر عنك من تعليقات لفظيه تحمل الوفير من التوجيهات والاشارات “التوعويه” تمثل نماذج لما يجب ان يقتدى به من سلوكيات ومناهج حياتيه فتعشق الكثيرون ممن ولجوا فى اغوار مهنة التدريس من بين طلابك – السير على نهجك والاقتداء بك واعتبرناه جميعا دينا يجب الوفاء به امام التابعين من الاجيال.
كنت يا شيخنا رائد المسؤوليات العظام ..لا تتوانى فى الاقدام لتحقيق المنجزات بل المعجزات بالتخطيط السليم وامعان النظر فى ادق التفاصيل تنفيذا ومتابعة وتقويما مع حرصك على عدم اهدار المال العام والزمن مع اتاحة الفرص للعاملين معك للمشاركة وابداء الرأى فى صراحة ودون تردد وان خالفوك فيما رايت. وما كان مسار الحياة الدراسية والاجتماعية فى مدرسة ودمدنى الثانوية للبنين التى اوكلت وزارة المعارف اليك انشاءها فى عام 1956 حيث عاش طلابها ودرسوا خلال الاربع سنوات الاولى دون ان يسمعوا صليل اجراس تناديهم للدرس والتحصيل اوالى الملاعب و تناول الطعام فى توقيت فريد وانضباط تام ,, فكانت التجربة الفريده التى ما نجحت الأ بفضل شخصيتك المتفرّده وثاقب فكرك وقوة ارادتك! لن انسى الدورة المدرسيه عام 1980 او (1981) فى ودمدنى الباسله وما حققته من نجاح منقطع النظير.. ولن انسى وانت تقود العملية التربوية اوالاتحاد الرياضى المدرسى بما كنت تبديه من تسامح وتجاوز عما كان يلحقه القلائل العابثين بشخصك من تجريح اذا ما خالفوك الرؤى.. فكنت لهم الناصح الامين حتى يتبينوا فى نهاية المطاف خطأ ما كانوا علىه وتقبلت اعتذاراتهم وانت فى انفراج اساريرى متكامل.لم تكن تُقبِل على طلب نقل المعاظلين والمشاكسين من العاملين معك (شأن بعض رفاقك من نًظّار المدارس ) فكنت صاحب الرأى على ابقائهم معك املا فى تقويمهم واصلاح نهجهم بدلا من انتقال سلوكياتهم بما فيها من سلبيات الى مواقع اخرى تصيب المزيد من المواقع والطلاب من سوءاتهم التى كنت ترى انها لا تدوم فى نفوسهم ..اذا ما وجدوا المزيد من الثقة فى قدراتهم ورفع معنوياتهم واسناد المزيد من المسؤوليات اليهم..والاصغاء الى ما يقدمونه من اراء وتبنيها ان كانت صائبة وتزيد من فرص نجاح العملية التربويه.. لن انسى قولك انك فى حالة تعلّم دائم ومستمر ليس من رفاقك او من طلابك فحسب ولكن حتى من اطفالك و على الاخص من اصغرهم الذى لم يكن قد بلغ الخامسة من عمره فقد رايتك تصغى اليه بكل جوارحك وتمنحه الفرصة كاملة لآبداء رايه وتناقشه مناقشة الند للند!
استميحك العذر _ يا معلّم الاجيال ان اطلت فى الحديث وتذكار مناقبك التى لا تحصى ولا تُعَد ..رحمة الله عليك وعلى من سبقك او لحق بك من معلمينا الكبار.. ورفيقة دربك .. معّلمة الاجيال .. ثريا فى اعلى الفراديس.. احزاننا على فقدكم تبقى فى النفوس ليس طلبا لبقاء لك ولهم .. فلن تبقى الارض او تدوم السماء.ولكن لآن صفحة فخّار من العطاء التربوى راحت وانطوت والرحيل الى دار الخلود والقرار سنة الحياة .. رحمة الله عليكم بين الشهداء والصديقين وجعل الفردوس الاعلى مقرّا لكم ومقاما..وانّا والله على رحيلكم لمحزونون.
eelsalawi@gmail.com