كلنا يحمل فيه (نص مقدس).. قراءة في المشهد الثقافي السوداني .. بقلم: غسان علي عثمان

Ghassanworld@gmail.com

بعد الهزات التي ضربت عدد من الدول المحورية، فإن أسئلة حرجة باتت تمارس حضورها، هي أسئلة تتصل بالمستقبل. ذلك أنه بائن جداً أن دولة ما بعد الاستعمار تلفظ أنفاسها الأخيرة؛ الدولة التي بشرت بالرخاء والاستقلال الاقتصادي، والحرية الاجتماعية، وفضل كثير منها أن يتنكر لما بشر به، ونال بحقه حظ السلطة، وهذه الأسئلة هي (سؤال الدولة، سؤال الحرية، سؤال الثقافة).. قلنا إن دولة ما بعد الاستعمار فقدت شرعيتها الثقافية، طالما أنها تنكرت لأهم قيم السياسة وهي الحرية بكافة أشكالها..
ومن نتائج الحراك الاجتماعي الذي جرى ويجري في المنطقة أنه يبشر بنهاية الأيديولوجيا، وهذا الأمر واقعياً يعكس مزيج جديد من الأيديولوجيا ذاتها، لأن القول بزوال الأيديولوجيا يعكس ضمنياً طبقة للأيديولوجيا فنحن أمام مشهد يعيد تركيب الظاهرة الاجتماعية من جديد، كما أنه يعيد تجميع الصور الذهنية حول مفاهيم (الحرية/العقوبة/الفردية/الدين،الأخلاق). ولدراسة هذا الأمر فإن الحاجة ماسة إلى قراءة مُعمقة تسهم في إعادة إنتاج (المسموع/المقروء/المٌجّسد/المُرمز) لأنه ليس المهم دائماً ما يقوله الفعل السياسي، بل الكيفية التي يقول بها.. إننا إذن سنبحث في (قواعد التكَّون)، تكَّون الوعي السياسي/الاجتماعي، وأسئلتنا هي؛ هل ثمة تحولات معرفية للعقل السياسي العربي، السوداني،جرت بعد التبدلات في الظروف الإقليمية؟ هل يتأثر المناخ الثقافي السوداني بأحداث المشرق (مصر مثلاً)؟ والإجابة بأن الفعل الثقافي يتمدد على تغذيات راجعة ومرسلة تحكمها قوانين اللغة، وخلاصة الصراعات الاجتماعية، فالأثر قائم بسبب من قابلية المعرفة للتداخل.
عن خطابنا الثقافي السوداني:
خطابنا الثقافي منذ مؤتمر الخريجين 1938م، وحتى اليوم؟ تتعاضد فيه الأسئلة على شاكلة، أنه هل جرت تطورات بنيوية على هذا الخطاب؟ وبسبب من هزات حتمت إعادة النظر إلى القضايا الأساسية فيه (الدين/الدولة – السلطة /المؤسسة…إلخ)؟.
أم أن الحاجة ماسة لوعي مساير لهذه التطورات ومجترحاً لحلول جديدة؟ أم أن العقل السياسي السوداني ظل يحتفظ في برود ذهني بذات القيم المعرفية في تعاطيه مع قضايا: (الدولة – السلطة – المعارضة – المجتمع – الآخر…إلخ)؟ وما يفيد في هذا الجانب هو أننا قد نفلح في الكشف عن طبقات الوعي داخل العقل السياسي، وذلك لو زدنا جرعة النقد، كما سيوفر لنا مثل هذا البحث الوقوف عند أزماتنا المعرفية التي تطاولت آمادها، ولم ننجز تعريفاً مرضياً حتى الآن..
من مزايا الحراك الاجتماعي الذي جرى ويجري في المنطقة أنه فجر العلاقة بين (السلطة والأيديولوجيا)، وأعاد ذات الثيمة المعروفة بصعوبة التعايش بينهما لمدى زمني طويل، وأن الغلبة ستكون لأحدهما على الآخر، فإن كانت الغلبة للأخيار المنظرين (الأيديولوجست) فإن أقرب نموذج أن تصبح دولة ذات بعد عقدي مثل (إيران..كوبا..لاتين أمريكا) تصطرع فيه ارادة المبادئ مع المصالح، وهذه لتصمد لابد لها من بنية اقتصادية متماسكة ومتطورة، وإن غلبت السلطة الأيديولوجيا فإن ذلك سيتم صالح (مزيج) نخبوي مستخرج من القوى الحاكمة، وهذه لا سبيل لاكتشاف معرفتها ومصادرها بسبب من سيادة مبدأ البقاء، وإن كانت لا تستطيع الاستمرار في تمرير السلطة إلا بسند معرفي، ولكن هذا السند قابل لتكرار والتبدل والنفعية هي ما تحكمه (حالة السودان في زمن النميري)، والسؤال المهم الآن عن أثر ذلك في مشهدنا الثقافي المحلي كما طلب منا الافادة فيه، يمكن الخلوص إلى نقاط، ويجدر بنا القول إن إفادة في حدود من الكلمات قد تبرز فيها بعض الثغرات، وهذا ما وجب الإشارة إليه.
لم يشهد السودان استقرار لمشاريعه الثقافية وقد يكون السبب الزيجة غير الشرعية بين المعرفة والسلطة، فسنوات الثلاثينيات ارتبطت بالطائفية في أدق تجلياتها الثقافية، جماعة الفجر – جماعة النهضة والأندية الثقافية، والستينيات شهد السودان طغيان نمط ليبرالي في الثقافة نجد أفقه مفتوحاً على الأدب والشعر ذي النزعة التحررية المتجاوزة للحال الداخلي وإن عالجته فإنه ضمن مظلة (المشاباة= لفظة دارجة تعني: التعلق إلى أعلى – كمن يقفز ليقطف ثمار شجرة عالية) ولأن الأمر يتعلق بأثر التغيرات التي جرت وتجري في المنطقة على مشروعنا الثقافي فإننا نقول بأنه من المبكر جداً الوقوف بدقة على نتاج الحراكات الاجتماعية في المنطقة، وإن بدت بعض إشارات حول الأثر المباشر، نقول عنه:
– نشهد أو سنشهد مرحلة من الانتاج الثقافي غير المدرسي، مع ضمور التيارات والاتجاهات المُكَرسة في المنهجيات الغربية لحركة الأدب بضروبه كافة.
– بعد تفكك أصول الدولة؛ دولة ما بعد الاستعمار، قد يتحرك الانتاج الثقافي نحو الأثنية والقبيلة كرد فعل على غياب مؤسسات ضامة، وفي ذلك سيكون للأثر الاستشراقي دوره بسبب من ضعف المصادر السودانية أو حتى العربية في الكشف عن طبقات القبيلة/الطائفة/الحزب..ألخ
– المشروع الثقافي السوداني الذي ظل في مساندة للفعل السياسي من المؤمل أن ينحرف بعيداً عنه لصالح أفعال ليست من جنس الظاهرة الداخلية، وقد نشهد في هذا الصدد دعوات إلى مابعدية الخطاب (ما بعد الحرية، ما بعد الدين، ما بعد السلطة…إلخ).
– الثقافة الفردية بفضاء مستلف قد تسيطر على المذاهب الفكرية القادمة، وهذا عنيناه من بروز كتلة ثالثة (السلطة/المجتمع/النخبة الثقافية) مما سيعزز من الانفصال بين القوى الاجتماعية، ونعود لفكرة (المعرفة المزيج)..
في معنى التعاون المفقود:
كان الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل (١٨٧٢م – ١٩٧٠م) قدم تحليلاً ذكياً لقيمة التعاون في كتابه (السلطة والفرد) ترجمة وتقديم د. نوري جعفر، قائلاً: “إن التعاون الذي يؤدي لوحدة الجماعة مبني على أساس غريزي في جميع المخلوقات الاجتماعية ومن ضمنها الإنسان، وإن هذه الظاهرة تتضح في النحل والنمل، تلك الحشرات التي لا يظهر على سلوكها ما يدعو إلى الاعتقاد بأنها تسلك سلوكاً اجتماعياً، وفيلسوفنا (راسل) يواصل التأكيد على قيمة التعاون الاجتماعي في سبيل المصلحة العامة.
لكن القيمة التي ستعود إلى الساحة بشكل حثيث رغم أنها ظلت متراجعة ومستبعدة، وهي قيمة الجماعية و(التعاون)، والحقيقة أن المثقفين على مدار تاريخنا الاجتماعي، تجمعوا في كيانات القاسم المشترك بينها الندية والضدية، وغياب فكرة التكامل، أما الآن سيجد من يتابع الساحة كيف تمأسست قيمة (التعاونية) لكنها أيضاً لم تتلخص من القول بنهاية الأشياء، والظن بكمال الفكرة وخلودها، وهذا قد يكون بسبب من خيبة الأمل، وتغلغل البعد السياسي في تاريخ الأفكار المتبناة.
الظن أننا بصدد تحليل الطبقة والابتعاد عن تحليل كلي للواقع الثقافي، وهي طبقة تملك أوهامها كذلك، ومنها الرفض المقدس لفكرة التكامل في المعرفة، ونعتقد أن هذه الطبقة بجميع فئاتها تتخلف عن مجتمعها فالسياسيون يحكمون مجتمعاً من لوحات سريالية، وجدت في كهف مهجور، والأدباء يجتمعون على رسم ملامح مجتمع غير مجتمعهم وغيرهم..
ومن التجليات الكبرى ظهور سلفية ثقافية تدعي الحداثة، وهذه السلفية ظاهرة لمن يتجول في حياد ناحية الجماعات الثقافية في السودان، فالاتحادات الأدبية والإبداعية مهووسة بفكرة التخلص من الماضي، ووضعه في المتحف، وهذا التخلص فيه شيء من خفة، ومن الأمثلة الجاذبة في هذه النقطة أن لكل فاعلية ثقافية فينا جذر من نص مقدس، ينطبق هذا الأمر على اليمين واليسار.
إن النقطة التي يجب الوقوف عندها هي أن المزاج الثقافي السوداني لم يعد كما كان عليه، أي أنه بات أكثر تحرراً من هيمنة الموروث مع تقديسه، فأسماء كثيرة وإن احتفظت ببريقها نسبة لأسبقيتها وعمقها كذلك، إلا أنها لم تعد تمارس سلطة على هذا الجيل بالقدر الذي كانت عليه في السابق، بل باتت تمارس هيمنة خفية دافعها ترك القداسة تجري بمعزل عن إظهارها، لعلنا أمام حرفة ثقافية جديدة وهي تكسير الأبواب، وممارسة فاعلية ثقافية تتوهم أنها بمنأى عن التسييس!.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً