الأنبياء.. ما زالوا بين ظهرانينا !!.. بقلم: ناجي شريف بابكر
1 أكتوبر, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
126 زيارة
.
.
إن هناك من المصطلحات المُستَحدَثةِ ما له القدرة على أسرِ المشاعر، لا يملك الإنسان أمامه إلا أن يطأطئ الرأس إذعانا، وأن يقهر كلما يتقافز إلي ذهنه في مواجهته من التساؤلات المحرمة، حتى لا يقتحم دون وعي منه خطوطا حمراء، قاتمةً غير مرئية ولا من المرجو رؤيتها وإدراكها، ربما يتمخض إقتحامها عن شئ أشبه ما يكون بالقُمَّلِ.. أو الطوفان أو كلاهما، اللهم كارثة سرمدية ماحقة.
.
لقد إنقضى ألف وثلاثمائة عام على يوم إعلان النبي صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع عن إكتمال الدين وختم الرسالة، إلا أنه لا يزال هناك حتى يومنا هذا، من مناديب السماء من يعمل دون كدٍّ في تفريخ المزيد من التعاليم والنصوص، وإجتراح التعابير المقدسة، التي لا يسعنا تجاهها إلا أن نحنى الرؤوس إيماءا وتسليما. من ذلك ما يردده الناس من المصطلحات التي توحي في صياغتها إرتباطا وثيقا بالسماء، كالفكر الإسلامي.. على سبيل المثال لا الحصر..ماذا يعني قولك “الفكر الإسلامي”.. ما الذي يربط مابين هاتين المفردتين، الإسلام كمفهوم يرتبط بحزمة من التعاليم والمعارف السماوية المقدسة.. والفكر كمخزون تراكمي زمانيّ من الحيل والأفكار الأرضية التي يبتدعها ويجترحها العقل البشري الآدمي، لمعالجة الطبيعة والإطلاع بتحدياتها.. ما الذي يربطهما وينشئ ما بينهما الوشائج حتى تجعل مابين المفردتين المتباعدتين بعد السماء والأرض، هجينا سائغا ما بين فرث ودم؟.
.
فالفكر، فكّر يفكر تفكيرا، هو نتاج عقلي بشري إنساني قاصر بطبيعته، وأرضيٌ محض، بينما الإسلام هو مجموعة التعاليم السماوية والمعارف السامية، التي شاءت مشيئة الله تنزيلها وإنزالها من السماوات العلا إلى الأرضين، لارشاد البشرية وتعليمها المعارف الإلهية والتوحيد، وحسها على عمار الأرض وفلاحتها، وتبيان الفارق لها فيما بين الخير والشر كمسلكين متوازيين ومتناقضين، فارقين في مؤداهما ومصائرهما.. ولمحاصرة الشرور والنوايا والرغبات العدوانية والشيطانية، وكبتها في تفلتات النفس الإنسانية ونزقها.
.
الأول تلاقح مابين الفطرة وحصاد التعاطي والتفاعل مع مِنَحِ الوجودِ ونعمه التي لا تنضب، ناقصٌ قاصر لكنه ينحو ويكدح جاهداً لبلوغ الكمال مع إنسياب الزمن، كيما يدركه ولا يكاد له إدراكا، حتى وإن علقوه بحبالٍ واهية تبدو وكأنما تشدّه إلي السماء. بينما الثاني حزمة من التعاليم والمعارف الربانية السامية غير القابلة للنقض والرد.. الاول مقيّدٌ محدود قاصر الرؤى.. والثاني مطلق أزلي لا تدرك كنهه العقول والأبصار.. فشتان ما بينهما.
.
إن البشرية على إختلاف شرائعها ومناهجها، تكاد تتساوى في خضوعها وتوا ضعها القيمي والأخلاقي لتعاليم السماء وقيم الخير والجمال..بمختلف مشاربها.. فالتطفيف، والقتل، والزنا، وقهر البسطاء والمتسولين واليتامى، والغدر والخيانة والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل.. جميعها مسالك للشيطان، محرمة بدرجات متفاوتة، فيما أنزل من الكتب والتعاليم السماوية المقدسة، علي كافة الأنبياء والرسل مجتمعين، صلوات الله وسلامه عليهم.
.
فهل الدلالة في تمرير مصطلح “الفكر الإسلامي” والدفع به، هي الإيعاز بأن ما أنتجه المسلمون من إعمال العقل الإنساني، يتوجب أن يكون حكرا عليهم دون من هم سواهم من الملل والنحل؟ أم ترى أن الهدف بالمقابل هو الإيعاز للمسلمين بإقتصار تعاطيهم المعرفي والفكري على ما انتجه نظراؤهم من المسلمين دون سواهم، لأن نتاج ما عداهم من الملل يحرم عليهم تعاطيه بالضرورة؟!!..
.
هل يهدف إستحداث مصطلح كهذا أن يبين لنا أن هناك فكرا يهوديا وآخر مسيحيا، وأن هناك فكرا عداهما يختص به المسلمين.. فكرا مؤمنا وآخر كافر.. وهل لذلك التصنيف والتوصيف من منشأ ومرجعية فيما أنزله الله من الكتب، أم هل له من دلالة تحتم لمالكه إستحقاقات مانعة لغيره، أو حقوقا يتوجب ترتيبها مقابل تداوله لدى الآخرين من غير المسلمين؟.. بحيث يحرم علي اليهود ما أبدعه المسيحيون.. ويحرم كذلك علي المسلمين ما أبدعه سواهم..
.
ما الذي يدفع بأحدهم أن يقسّم منتوج الفكر الإنساني، الذي هو بطبيعته إرثا تراكميا عبر الأزمان ينتسب للبشرية جمعاء، كالطب والهندسة وعلوم البناء وإصلاح الأرض، والإقتصاد وإدارة الموارد وإستئناس الضواري، وتهذيب الأعراف والمواثيق. أن يُقَسّمَ الفكر لكانتونات ولحيازاتٍ مانعة، تلزم كل ملة أن تنكفي على نفسها وتأكل مما يليها.. أن تبدأ من القواعد لتشرع في إكتشاف العجلة، فيما هو دونها، من جديد..!!..
.
ماذا عن ما أنتجه علماء مسلمون سابقون من المعارف والبحوث التي استندت عليها العلوم الإنسانية وتماهت فيها.. كالجبر والخوارزميات، ونظريات إبن النفيس في علم الفلك وابن سيناء في الطب والعقاقير.. ماذا عن فتوحات لويس باستير وألكزاندار فيلمنق.. هل نعيد تصنيفها ونشيد فيما بينها الحواجز، كفكر إسلامي وآخر غيره.. أم ان يكون ذلك إرثا إنسانيا تشاركيا مطلقا.. يستند عليه ويتعاطاه الباحثون أينما حلوا وكيفما كانت شرائعهم ومعتقداتهم.
.
لماذا تريدون أن تغلقوا علينا بوابات العالم كيما نعيش في هالة من الأوهام التراجع العلمي، أن نحيا في عتمة قاتلة.. إقتصادنا بكل حراكه يتضاءل في فقه البيوع والمعاملات، حتى يصيبه ما يصيبه من الضمور والتلاشي. وحلولنا النقدية ترتد وتتضاءل في فتوى المرابحة والتورق والإستزراع. إن الأفكار كالكائنات الحية تقتلها العزلة وتخنقها العتمة والرطوبة والأماكن المنغلقة.. ليتكم تركتمونا كبقية خلق الله نأكل من خشاش الأرض. فلا فكر لديكم ولا طحين.
.
لماذا نسربل الأفكار التي إبتدعناها بقدسية كاذبة، بينما هي في طبيعتها مثلها مثل أي إنتاج بشري خاضعة لتحديات النشوء والإرتقاء والتصحيح والتطور، لماذا نسربلها بلباس قدسي، كما نفعل في تخليد وتعظيم أقوال الطغاة والسلاطين وننزع عليها أثوابا إلهية، حتى نتوهم في أنفسنا ويتسنى لنا أن نوهم الآخرين، أنها من مخرجات السماء ومن تعاليمها.. وهي في الحقيقة منتج بشري يحمل في طياته فيما يحمل، إلي جانب بذور الهلاك كغيرها من مخلوقات الله الفانية، كل العلل والمنقصات التي تلهث في سياق التصحيح والتطور الطبيعي كسعي أزلي إلي الكمال ولكنه ليس ببالِغِه.
.
إنتهى
www.nagibabiker.blogspot.com
nagibabiker@hotmail.com