في أحدى نهارات صيف يوليو و تحديدا في يوم 21من العام 1987م في عاصمة الضباب لندن قرر السيد جراهام توماس أن يجمع أوراقه وأقلامه و يتأبط حقيبته ليجلس في غداء أشبه بالرسمي أو أقرب لغداء العمل مع رئيس وزراء السودان السيد الصادق المهدي .
مستر جراهام الويلزي كان من طينة البريطانيين الذين عملوا بالسودان قبل نيله لأستقلاله حيث لعب دورا كبيرا و ساهم من خلال خبرته العملية وعمله في مكتب أخر سكرتير أداري لحكومة السودان في ترقية سياسات الأدارة و التدريب الصناعي في البلاد ، وكانت زوجته إزمي في المقابل تتولى وظيفة مدير أقليمي لتعليم البنات ، وكان لها شرف تأسيس أول نادي نسوي في مدينة أم درمان .
أحتفظ جراهام بعلاقات وطيدة مع معظم النخبة الحاكمة بعد نيل السودان لأستقلاله و أنتهاء فترة عمله في البلاد ، وكان أبرزهم المشير جعفر نميري و السيد الصادق المهدي الذي كان يجلس معه في ذلك اليوم المذكور أعلاه .
يذكر مستر جراهام أن تلك الجلسة التي جمعته مع السيد الأمام وكان وقتها رئيس وزراء السودان ، تأثرت نوعا ما وقتها بحرارة الطقس في لندن في تلك الفترة فجاء النقاش بينهما ساخنا و حاميا و مثيرا.
كان دافعه و محركه في هذه الجلسة ذلك العشق السرمدي و المحبة الكبيرة التي يكنها لهذا الشعب الجميل و الطيب الذي خدمه كموظف و عاشره كأنسان عن قرب ، وفي نفسه أمل مشع وتوق ملتهب أنتظارا كل يوم للحظة التي تبزغ فيها شمس السلام و الأستقرار في هذا الوطن .
ما يهمنا أن نذكره بعد هذه المقدمة الغرض الذي التقى من أجله مستر جراهام في ذلك اليوم مع صاحب أكبر موقع تنفيذي في البلاد .
فقد كان هذا الأنجليزي مهموما بأمرين لفتا نظره منذ بداية الفترة الديمقراطية الثالثة كمراقب للشأن السياسي الوطني و كصديق للأمام السيد الصادق ولغيره من الساسة السودانيين .
الأمر الأول هو طريقة أسلوب السيد الأمام في ممارسة وظيفة رئيس الوزراء ، و الأمر الثاني نوعية الوزراء الذين كان يختارهم لتولي مناصب وزارية في حكومته .
ذكر له ناصحا و تحديدا أن يقلد حكومته درعا يدل على قوتها فأسلوبه لتوخي الشورى بهدف التوصل لأجماع ، ثم النأي بنفسه عما يمكن أن يوصف به بالديكتاتورية في كل خطوة يخطوها تجاوزت كل حد للمعقول و أصبحت تفهم على أنها ضعف و أفرزت نتيجة لذلك حالة من الشلل السياسي في البلاد .
قال له أنه كان لا يتمنى أن يتقلد هو تحديدا منصب رئيس الوزراء ولكن أما وأنه أصبح كذلك فيجب أن يقوم سريعا بتشكيل حكومة أقلية من حزبه تضع خصومه السياسيين في موضع محرج ، ويكون في قدرتها أتخاذ أجراءات و قرارت أقتصادية صعبة ، وفي حالة أعتراض الأتحادي الديمقراطي و الجبهة القومية الأسلامية عليها و أسقاطها فلابد أذن أن تدخل البلاد في أنتخابات جديدة .
و الأمر الثاني وهو فيما يخص أختياراته للشخصيات التي تقلدت مناصب وزارية …. فقال لرئيس الوزراء أن بعضهم ضعيف في الأداء و البعض الآخر مولغ بكلتا يديه و رجليه في الفساد ، فرد عليه الأمام وقتها : ( أنك لم تدعم أنتقادك هذا لترشيحاتي بأسباب مقنعة ) .
فكان رده له وقتها : ( يا سيد الأمام إنك لم تجد أصلا الوقت لقراءة الورقة التي أعددتها وقدمتها لكم ، فيها كل آرائي التي كتبتها بعد سلسلة من اللقاءات مع سودانيين من أهل الشأن العام السياسي لهم إلمام جيد و قوي بكل ما يدور في أروقة تسيير دولاب العمل السياسي و الأداري في البلد ) .
فرد عليه الأمام قائلا : ( بأنك غير ملم بمشاكلي و أنني فهمت المسألة من وجهتها الخاطئة ) ، فأكد له مستر جراهام أنه لا يوصي بشيء دون أن يكون لديه سبب قوي لذلك ، و أنه يرى بطريقته تلك التي يراها الأمام أنه سوف يكون أمام خياران أحلاهما مر :
أما تسيير البلاد تحت التهديد المتواصل من خصومه السياسيين بالشلل التام أو توقع تدخل الجيش و حدوث أنقلاب عسكري قادم ، و سوف يترك هو بعد ذلك التاريخ في الأخير ليحكم بيننا !
اليوم وبعد ثلاثة عقود من هذه الجلسة ربما يتساءل المرء ، ترى هل حكم التاريخ لصالح نظرة و دراية الأمام لشكل و طريقة أدارة الحكم في البلاد في تلك الفترة ، أم كانت الغلبة لصالح نظرة مستر جراهام للوضع السياسي القائم وقتها ؟
أعتقد أن الأجابة لهذا السؤال واضحة جلية ولا تحتاج لكثير تفسير ، ولكننا نود لأن المقام مقام أحتفاء بمناسبة وطنية تاريخية كالأستقلال ، فلا بأس لو أجتررنا شيئا قليلا ولو سريعا من ذلك التاريخ السياسي الذي جاء بعد هذه المقابلة .
دعونا نذكر فقط حالة الفوضى السياسية التي حكمت الوضع القائم أنذاك بسبب الأسباب التي عددها مستر جراهام للسيد الأمام ، ولدخول الحكومة أيضا في سلسلة من الأزمات الواحدة تلو الأخرى بسبب المماحكات الحزبية و تدهور الوضع الأقتصادي بسبب أنهيار المفاوضات مع البنك الدولي ثم أخيرا الفيضان بعدها جاءت الطامة الكبرى بالأنقلاب ، و برز جحيم الأنقاذ لكل من كان يرى ، و دخلت البلاد في غيبوبة كاملة أغلقت و صمدت معها كل الأبواب أمام السودان وشعبه حتى يومنا هذا .
عشنا في عزلة سياسية دولية لسنوات طويلة يظللها قرار وضع السودان بسبب سياسات النظام الحاكم تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، و وصلت الأزمة الأقتصادية اليوم مبلغا أصبح سعر صرف الدولار يحلق مغردا في العلالي كل يوم أو ربما أحيانا كل ساعة بقيمة جديدة !
ما يحزنني اليوم و يتفطر له القلب الصديع هو أنني فقدت كل أحساس جميل بهذه المناسبة ، و أبحث منذ مدة طويلة عن أسباب منطقية يمكن أن تدفعني عن أقتناع للأحتفاء بهذا اليوم الخالد .
فمن منا أصبح يرى اليوم في الأحتفاء بذكرى الأستقلال طعما له أو لونا أو رائحة ونحن نعايش كل يوم أزمة معيشية خانقة و نجلس على أنقاض و بين ركام وطن بات في حكم الخرابة !!؟ .
هل أذهب مثلا كعادتي كل مرة الى البيت الكبير في حي الملازمين صباح يوم الأول من يناير لأمتع ناظري وأقف بتأدب و إجلال أمام صورة جدي بدوي مصطفى الشيخ عضو مؤتمر الخريجين وهو يقف ويداه ملتحمتان برفاق دربه الأزهري و زروق و صحبه ؟
هل أمتلك الجرأة لذلك ؟
ماذا أقول لهم ؟ وماذا أفعل ؟
هل أبكيهم كما تبكي النساء ، وطنا وضعوه هم في حدقات العيون و لم نحافظ عليه نحن كالرجال ؟
هل أذهب لأزور نهارا كما أعتاد الأشقاء قبر الزعيم إسماعيل الأزهري في مقابر البكري بأم درمان ، ثم أنتقل للضفة الشرقية من النيل نحو مسجد السيد علي الميرغني لأزور قبرهما لقراءة الفاتحة على روحهما ؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم