د. الهادي عبدالله أبوضفائر الحرب لا تُسقط الأبنية فحسب، إنها تكشف ما كان متصدعاً في العمق. تعرّي هشاشة الأنظمة حين تُختبر، وتُسائل البنى التي بدت راسخة حتى لحظة الانفجار. وحين ينقشع غبار المعارك، لا يكون السؤال الحقيقي. كم جسراً تهدّم؟ بل، لماذا كان قابلاً للانهيار أصلاً؟. من هنا، لا يُعتبر إعادة الإعمار مجرد مشروع هندسي تقني، بل هو امتحان أخلاقي …
أكمل القراءة »تنمية السلام وإعادة الإعمار: بين صياغة الدولة وصناعة المستقبل
د. الهادي عبدالله أبوضفائر الحرب لا تُسقط الأبنية فحسب، إنها تكشف ما كان متصدعاً في العمق. تعرّي هشاشة الأنظمة حين تُختبر، وتُسائل البنى التي بدت راسخة حتى لحظة الانفجار. وحين ينقشع غبار المعارك، لا يكون السؤال الحقيقي. كم جسراً تهدّم؟ بل، لماذا كان قابلاً للانهيار أصلاً؟. من هنا، لا يُعتبر إعادة الإعمار مجرد مشروع هندسي تقني، بل هو امتحان أخلاقي …
أكمل القراءة »ما وراء الهدوء: استكشاف نقاء السلام وسط تقلبات الصراع
د. الهادي عبدالله ابوضفائر السلام، تلك الكلمة التي تلوكها ألسنة البشر منذ فجر التاريخ، تبدو في ظاهره بسيطة، لكن جوهره عميق، وحقيقته تتجاوز الحدود التقليدية للمفهوم الشائع. قد يظن البعض أن السلام يعني وقف الحرب أو نهاية النزاع، لكن في الحقيقة، السلام ليس حالة من السكون أو الاسترخاء في مواجهة القهر. بل هو منهج فكري، و رؤية إنسانية تتجسد في …
أكمل القراءة »تأملات في مصير الحروب: كيف تنتهي المعارك وتبدأ أزمة الدول
23 يناير ٢٠٢٦د. الهادي عبدالله أبوضفائر الحروب، حين تُجرَّد من قرع طبولها ومن أناشيدها الحماسية، لا تكشف إلا عن مواجهةٍ عارية بين تصوّرين. الحسم الخاطف، ووعد السلام الميسور. وبين هذين الإغراءين لا يُصاغ التاريخ كما تحبّ الأمم أن تتغنّى به، بل كما اضطُرّت أن تنوء بثقله وتدفع كلفته. ولعل أخطر ما مارسه العقل السياسي عبر الأزمنة أنه اختزل خاتمة الحرب …
أكمل القراءة »العدل المؤجَّل: فشل المنظومات السياسية وحلم الدولة المنصفة
١٣ يناير ٢٠٢٦د. الهادي عبدالله أبوضفائر ليست الدولة كائناً وافداً من فراغ، ولا وحشاً معزولاً عن نسيج المجتمع، بل هي مرآته المكبَّرة، تعكس ما نمارسه في دوائرنا الصغيرة. في المدرسة، والحزب، والحركة، والنقابة، والحي، وحتى في أبسط طرق تعاملنا مع اختلافاتنا اليومية. نحن لا نصنع الدولة بقدر ما نعيد إنتاج أنفسنا فيها، ممارساتٍ وعلاقاتٍ وقوانينَ تتسع رقعتها فحسب. ومن هذا …
أكمل القراءة »الوجدان الأصيل والعقل السليم: معادلة النهضة المؤجَّلة
١ يناير ٢٠٢٦ كل عام والكل بألف خيرد. الهادي عبدالله أبوضفائر في لحظةٍ من صمتٍ كثيف، كأنّ الزمن انكفأ على ذاته، يطلّ التاريخ شاهداً يستحضر فجر الاستقلال. ذلك الفجر الذي أشرقت فيه الشمس على أرضٍ تتنفّس الحرية زفراتٍ متقطّعة، وتخفق القلوب شوقاً لكرامة وطنٍ دُفعت فواتير ميلاده من دم أبنائه. غير أنّ الاستقلال، رغم بهائه الرمزي، لم يكن خاتمة الجرح …
أكمل القراءة »بين الضمير والخراب: هل ضاع الوطن أم نحن الذين فقدنا الاتجاه؟
١٢ ديسمبر ٢٠٢٥د. الهادي عبدالله أبوضفائرabudafair@hotmail.com في قريةٍ أتعبها النسيان أكثر مما أرهقها الفقر، سقط رجلٌ تحت وطأة المرض فحمله أبناؤه من طبيبٍ إلى آخر، ومن مستشفى إلى مستشفى، حتى بلغوا الخرطوم، غير أن الوجع ظلّ صامداً. وحين أثقل التعب جسده، وضاق الأبناء بالإنفاق أكثر من وجع أبيهم، قالوا له بيأس: «خلاص يا أبونا، بعد ده نخلوك لي الله». فابتسم …
أكمل القراءة »الجودية حديث الحكماء: رحلة بين وجع الإنسان وحكمة العقل
٥ ديسمبر ٢٠٢٥د. الهادي عبدالله أبوضفائر في الرحلة التي بلغ فيها الوطن تخوم الانهيار، لم يعد العنف مجرد حدثٍ نقرأه في نشرات الأخبار أو نراه في الصور العابرة التي توثّق الخراب، بل صار كأنه روح تتجوّل بين البيوت، تمرّ على الأنفاس قبل الأمكنة، وتستقرّ في الوجدان بوصفها قدراً يحاول الناس الهروب منه دون جدوى. صار العنف لغةً صامتة تُقرأ بين …
أكمل القراءة »من يترك مقعده خالياً: يرتدّ إليه صدى الغياب من عمق الفراغ.
١٢ نوفمبر ٢٠٢٥د. الهادي عبدالله أبوضفائر ربما لا يدرك الإنسان هشاشته كما يدركها عند حافة قبر، هناك، حيث يختلط صمت التراب بصخب الذكريات، تنكشف الحقيقة عارية. أننا لا نعرف قيمة من نحبّ إلا حين نحمل نعوشهم بأيدينا المرتجفة، فيكون الحمل الأخير هو أوّل اعتراف بثِقل غيابهم. وتلك الدموع التي تنهمر في الوداع، مهما تخفّت خلف الوقار، ليست حزناً خالصاً، بل …
أكمل القراءة »حين يتلكأ الزمن في وطنٍ متعب: تأملات في جذر العطب ومسارات الخروج
٨ نوفمبر ٢٠٢٥د. الهادي عبدالله أبوضفائر كل مرة نحدّق في ملامح الوطن، نشعر كأننا نقف أمام جسدٍ منهكٍ يبحث عن نفسٍ ضائع، وروحٍ تلوّح لنا من بعيد، لا لتعاتبنا، بل لتذكّرنا بما أسقطناه عمداً من ذاكرتنا، وطن مُثْقَل لا يملك التقاط أنفاسه، وكأن الزمن ذلك الكائن الخفي الذي نُسيء فهمه دائماً، تعمّد أن يبطئ خُطاه عند حدودنا، لا رأفةً بنا، …
أكمل القراءة »الحرب كقدرٍ أخلاقي: حين يُختطف السلام من رحم الثورة
٤ نوفمبر ٢٠٢٥د. الهادي عبدالله أبوضفائر على عتبات الزمن والمصير، عند الحافة التي تفصل بين ضمير يئنّ وعقل يتردّد، يقف السؤال حائراً في مهبّ الريح: أَنقول (لا للحرب) لأنّ الإنسان، في جوهر فطرته، كائنٌ يكره الفناء ويسعى إلى البقاء؟ أم نُسَلِّم بها كقدرٍ قاسٍ يتربّص بالكرامة حين تُغتال، وبالوجود حين يُهان، وبالقرى حين تُستباح، وكأنّها امتحانٌ أخير لمدى ما تبقّى …
أكمل القراءة »الفاشر مدينة صعدت إلى مقام الشهداء
د. الهادي عبدالله أبوضفائر لم تكن الفاشر مدينةً فقط، كانت روحاً تسكن جسد الوطن. مدينةٌ واجهت الموت لا كقدرٍ محتوم، بل كاختبارٍ للكرامة. عامان من الحصار والجوع والعطش، انقطعت فيها أنفاس المدينة ولم ينقطع صوتها. جفّ الماء، ونفد الزاد، وخيّم الصمت، لكنّ قلوب الناس ظلت تُضيء المكان كأنها مصابيح السماء في ليلٍ بلا نجوم. لم تنهزم الفاشر، بل ارتقت. صعدت …
أكمل القراءة »السودان بين التفرّق والوفاق: السلم كوعي وطني
١٦ اكتوبر ٢٠٢٥د. الهادي عبدالله أبوضفائر في وطنٍ تتنوّع الأرض وتتشعّب الملامح بين البحر والصحراء والجبل والنهر، وكأنّ الخالق أراد له أن يكون لوحةً منسجمة لا ينقصها إلا العدل ليكتمل جمالها. لكن حين غابت الدولة العادلة، اختلّ الميزان، فصار الغنى لعنةً، والتنوّع عبئاً، والاتساع تمزّقاً. لم نفشل في الموارد ولا في الطبيعة، بل في إدارة الإنسان لوفرةٍ لم يُحسن تحويلها …
أكمل القراءة »بين هشاشة الدولة وقتل النفس، مسار الصراع ومسؤولية الإنسان
لم تكن الطلقة الأولى التي دوّت في صباح الخامس عشر من أبريل مجرد صوتٍ لآلة الحرب، بل كانت علامة فارقة على مسار طويل من الفشل، وإعلاناً بانهيار كل الجسور التي كان يمكن أن تُبقي السودان في دائرة السياسة لا في أتون السلاح. تلك الطلقة لم تخرج من فوهة بندقية معزولة، بل خرجت من تاريخ ممتد، ومن هشاشة الدولة، ومن عجز …
أكمل القراءة »محنة الشعب بين التجلي والانكسار: جدلية الفرد والجماعة
٢٠٢٥/٠٩/٢٣ د. الهادي عبدالله أبوضفائرليست محنة الشعوب دائماً انعكاساً للفقر الظاهر أو الحروب الدامية أو الأزمات السياسية المتلاحقة، فكل هذه مجرد أعراض لمرض أعمق يكمن في الداخل. هناك، في أعماق الوعي، يعتريه اضطراب خفي، وتنهار علاقة الجماعة بذاتها في تشظٍّ صامت وانقسام مستتر يُضعف تماسكها ويهزّ بنيانها من الداخل. منذ أن ارتدت الدولة السودانية ثوبها الحديث، ظلت هذه المحنة قائمة …
أكمل القراءة »وداعاً د. محمد الامين ادم عبدالوهاب
بالأمس فارقنا أعز الرفاق، وها نحن اليوم نودّع علماً من أعلام الوطن، الدكتور محمد الأمين من أبرز المجاهدين، لكن الفقد هنا أعمق من مجرد غياب شخص؛ إنه فقد لأشياء كثيرة، لفصلٍ من التاريخ، لقيمٍ عظيمة، لعزيمةٍ كانت تشع في نفوس الأوفياء، وللحظة وطنية صادقة حملت في طياتها الأمل والحرية. الوطن اليوم يئن على فراغاتٍ كثيرة، على الروح التي كانت تسكن …
أكمل القراءة »الدولة لا تُبنى على التشابه: تأمل في مغذيات الصراع وسبل تفكيكها
د. الهادي عبدالله أبوضفائرظلّ مشروع بناء الدولة السودانية يتعثر بين الطموح الوطني والواقع الاجتماعي المركّب، وكأن هذا الكيان الكبير وواسع التنوع، لم يجد بعد الصيغة التي تؤطر تعدده في شكل وحدة سياسية راسخة. لقد ترك الاستعمار السودان على هيئة دولة حديثة في ظاهرها، لكنه في باطنه كان يحمل شروخاً اجتماعية وثقافية لم تُعالَج، بل جرى إنكارها أو التعامل معها من …
أكمل القراءة »السودان: مأزق الزمن بين قيود الماضي ورهانات المستقبل
الدولة التي تسير على طرق لم تعبّدها عقولها، وتستنير بمصابيح لم تشعلها أياديها، وتنتظم حركة مدنها بإشارات مرور لم تصنعها معاملها، والتي تصدر محاصيلها ثم تأكل مما يصنعه غيرها، وتصدر قطنها ثم تلبس مما ينسجه سواها، وتعالج جراحها بدواءٍ تنتجه مصانع الغير، وتحارب بأسلحة يبتكرها خصومها، وتحمي سماءها بدفاعات ليست من صنعها، هي دولة لم تجدد طاقتها الحضارية، ولم تبدع …
أكمل القراءة »الغناء على جراح الوطن، تأملات في وطأة الهزيمة
منذ كرري، ظللنا دوماً نردد الهتاف للمعارك الخاسرة، ونحوّل الدماء المسفوكة إلى أهازيج مجدٍ زائف، أكثر من جعل العقل منارةً، أوالنجاحات القليلة جسوراً للبناء. لم نتوقف لحظةً عند المحاسبة، ولم نسائل أنفسنا. لماذا تُهدر الأرواح بلا حساب أولى ولا تقدير استراتيجي، بينما قدّم لنا التاريخ درساً بليغاً في معركة مؤتة، حين ابتكر خالد بن الوليد خطته الباهرة، فحوّل الهزيمة المحققة …
أكمل القراءة »وداعاً غلام الدين. أثر باقٍ ورحيلٍ لا يُنس
د. الهادي عبدالله أبوضفائرالامين العام للصندوق القومي للأسكان والتعمير (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) بقلوبٍ مكلومة، ودموعٍ محبوسة بين الجفن والقلب، أنعى إلى زملائي في الصندوق القومي للأسكان والتعمير وللشعب السوداني، وإلى كل من يعرف معنى أن يكون الإنسان خادماً لوطنه بإخلاص، رحيل الدكتور غلام الدين عثمان، الرجل الذي عاش عمره في خدمة الآخرين بالكلمة …
أكمل القراءة »أم سعونة: ذاكرة الريف الحيّة حين كانت التربية عملاً جماعياً (الجزء التاسع)
أم سعونة ليست أرضاً فحسب، بل روح تتنفس في كل نسمة، ولوحة أبدية تتناثر فيها ألوان الضوء والظل كإشارات سرية إلى معنى الحياة. وجوه الآباء والأمهات، بتجاعيدها المضيئة وابتساماتها الصافية، تحكي قصص الصبر والحب والرضا، كأنها فصول كتاب لا ينتهي. مع كل فجر، تنبثق الأصوات. عصافير تعلن ميلاد النهار، ضحكات أطفال، وهمسات الناس التي تضفي دفئاً يعمّق صلابة الروابط. وحين …
أكمل القراءة »العقلية السودانية : صراع بين العاطفة والوعي المتأخر
بقلم: د. الهادي عبدالله أبوضفائر لقد تشكّلت العقلية السودانية في منطقة رمادية، حيث امتزجت البراءة الفطرية باندفاع العاطفة، وجاورت الحكمة الموروثة وعياً نقدياً جاء متأخراً. هناك، وجدت الأمة نفسها أمام لحظة لا تحتمل المراوغة، تُلزم الفرد والمجتمع معاً بإعادة تشكيل الوعي وبناء المصير. حين اصطدمت الحماسة المتقدة ببطء التبصّر، تاهت الذهنية بين المثال الممكن والواقع الملموس، بين ما نرجوه وما …
أكمل القراءة »أم سعونة: ذاكرة الريف الحيّة حين كانت التربية عملاً جماعياً (الجزء الثامن)
د. الهادي عبدالله إدريس أبوضفائرأم سعونة لم تكن قريةً فحسب، بل كتاباً مفتوحاً على سرّ الريف، حروفه وجوهٌ تلمع بعرق الكدح، وصوت المطر على الطين، وضحكاتٌ تتردّد تحت الرواكيب. هناك نفهم أن التربية لا تُلقَّن بالكلام، بل تُزرع بالأيادي المتعانقة، وبالقلوب التي تدرك أن الحياة لا تكتمل وحدها. تمتد الحقول بسخاء، تتمايل عليها الخضرة والنسيم، وتتناثر أوراق النيم برفقٍ كرسائل …
أكمل القراءة »أم سعونة: ذاكرة الريف الحيّة حين كانت التربية عملاً جماعياً (الجزء السادس)
د. الهادي عبدالله إدريس أبوضفائرفي عام 1957م، حين كان الخريف يكسو الأرض ببساطه الأخضر، وتفيض رهد حراف وتوكاية الدقيش ورهد فاطنة بت شمو بالمياه العذبة، ويمتد عبير الزهور البرية مع نسيم المساء، وُلد في قلب أم سعونة حدث بدا كأنه انفتاح نافذة على عالم آخر. افتتاح المدرسة الصغرى. لم تكن القرية آنذاك مجرد نقطة على الخريطة، بل ذاكرة حية تمشي …
أكمل القراءة »اللقمة والفكرة، معركة السيادة الخفية
د. الهادي عبدالله أبوضفائرليست كل الهزائم تبدأ بصليل السيوف أو هدير المدافع، فبعضها يتسلل إلينا في صمت، مثل غبارٍ ناعم يتراكم على الأثاث حتى يغطي كل شيء. قد تبدأ الهزيمة من زوايا المطبخ، حين نمد أيدينا إلى طعامٍ لا نعرف أرضه، ومن ورش الخياطة حين نعجز عن إصلاح ثوب دون إبرة مستوردة، ومن الأسواق حين تُملأ رفوفها ببضائع تحمل أسماء …
أكمل القراءة »النخب السودانية بين أوهام الذات وواقع الانكسار
د. الهادي عبدالله أبوضفائرإن أخطر ما يفتك بالأوطان ليس رصاصةً تخترق صدر جندي، ولا دبابةً تجتاح شوارع المدن، بل فكرة مهزومة تستقر في عقول نخبها، فتشل إرادتها قبل أن تلامس يد العدو أسوارها. فخيانة الوطن لا تبدأ عند نزيف الدم في الساحات، بل تبدأ يوم يُفرَّغ الوطن من روحه، وحين يُترك وعيه الجمعي في تيهٍ بلا بوصلة، ويُسلَّم إلى سباتٍ …
أكمل القراءة »أم سعونة: ذاكرة الريف الحيّة، حين كانت التربية عملاً جماعياً (الجزء الثالث)
في تخوم الذاكرة التي لا تعرف النوم، تمتد “أم سعونة” كحلمٍ تأخّر عن موعده، كأنها انتظرتنا على هامش الزمن، هادئةً في ابتعادها، بعيدةً عن ضجيج المدن وضوضاء الخرائط. لم تكن مجرّد قرية، بل كانت تجسيداً للمعنى حين ينبت من الأرض، وكانت خشبة المسرح الأولى التي وقفت عليها أرواحنا لتتعلم الإصغاء للعالم. فيها، لم يكن الجمال درساً نظرياً، بل نسمةً تهبُّ …
أكمل القراءة »حين يتحوّل العنف إلى مشروع، هل نملك الجرأة على تفكيك الموروث الدموي؟
العنف في تاريخنا ليس طارئاً، بل هو ظلّ ثقيل يستوطن الذاكرة، يثقل الوعي ويعكّر البصيرة. ظلٌّ داهم يُربك سعينا نحو وطنٍ يتوق إلى طمأنينة لم تكتمل، وسكينة لم تولد بعد. إنه ليس مجرد حدث سياسي، بل جرحٌ مفتوح لا يُشفى بالتجاهل، بل يقتضي مواجهة تُعيد تشكيل الذات، وتكسر إرث التوحش المتنكر في أثواب البقاء والسلطة. ومع ذلك، فهو ليس قدَراً …
أكمل القراءة »النخب بين عجز التمثيل وجاذبية القبيلة واستدامة البُنى التقليدية
نشأت النخب في رحم المدن، بين جدران المعاهد الكولونيالية ومؤسسات التمدّن الحديثة، حيث تشكّل وعيها في فضاءٍ حضري معزول عن نبض الريف وروح الجماعة الشعبية. ورغم ادّعائها التمثيل والتنوير، إلا أنها عجزت عن نسج قاعدة اجتماعية أصيلة تكون صدىً لصوتها، أو مرآةً لأحلامها. لم تخُض تلك النخبة غمار التفاعل المعرفي الطويل مع المجتمع، ولم تصبر على زرع الفكرة ورعايتها حتى …
أكمل القراءة »أم سعونة: ذاكرة الريف الحيّة، حين كانت التربية عملاً جماعياً (الجزء الثاني)
في أقصى حدود الخريطة، هناك حيث تضيع الجهات في صمت المدى، وتغدو الحدود خيالاتٍ مرتعشة تحت ضوء الذاكرة، تتمدد (أم سعونة) لا كقرية على الأرض، بل كنسمة من فجرٍ باكر تمسّ روحك قبل أن تلامس جلدك. هي لا تُشبه القرى، لأنها لا تُقاس بالمباني ولا تُعرَف بالطرقات، بل تُسكن في القلب، وتنبت في الوجدان. لم تكن مجرّد مكان، بل كانت …
أكمل القراءة »تأملات في محنة الدولة السودانية العلمانية ليست وصفة جاهزة
الأفكار الكبرى لا تولد من فراغ، والمفاهيم الجذرية لا تنبت في أرضٍ عقيمة، بل تنشأ استجابةً لتوترٍ تاريخي، أو معاناةٍ ممتدة، أو من مأزقٍ فكري واجتماعي لم تعد أدوات الماضي قادرة على تفسيره أو تجاوزه. من هذا الباب، نشأت العلمانية في أوروبا لا كترفٍ فلسفي، ولا كتمرد وجودي ضد الدين، بل كضرورة تاريخية فرضتها التحولات العنيفة التي مزقت العلاقة بين …
أكمل القراءة »العقل المُغيَّب، والدين المؤدلج، والاقتصاد المتزّين بالتقوى زيفاً
ثمّة خللٌ عميق في الوعي حين يُنكر الإنسان العلاقة بين السبب والنتيجة. هذا النفي ليس فقط خروجاً عن منطق العلم، بل هو تجاوزٌ حتى لجوهر الدين نفسه، الذي يقوم على سُننٍ كونيةٍ دقيقة لا تحابي أحداً. من يزرع يحصد، ومن يهمل يُهزم، ومن يجهل يضل الطريق. غير أن عقولاً كثيرة في واقعنا السوداني تحديداً ما زالت ترفض هذا الربط الحاسم …
أكمل القراءة »أزمة النخبة السودانية: حين يغيب الوعي الثقافي في فهم الظاهرة الاجتماعية وصناعة الولاء القومي
في بلدٍ كالسودان، حيث تتقاطع الأعراق وتتجاور الثقافات وتتداخل الأديان، لا يكفي توفر الموارد ولا تكفي الشعارات الحماسية لبناء دولة مستقرة. فالمسألة أعقد من إدارة الثروة أو تسيير السلطة، إنها تتطلب نخبة تمتلك وعياً نافذاً بطبيعة التركيبة الاجتماعية، قادرة على قراءة تناقضاتها لا إنكارها، وتعمل على تفكيك الولاءات الضيقة لا إعادة تدويرها. لكن النخبة لم تنبع من هذا الوعي المركّب، …
أكمل القراءة »الهوية المبعثرة والدولة الغائبة، تأملات في جذور الأزمة السودانية
لم يكن السودان يوماً أرضا قاحلة في خارطة التحول السياسي، فقد تعاقبت عليه الحكومات الديمقراطية، والانقلابات العسكرية، والثورات الشعبية، والتحولات الانتقالية. لكن المفارقة المؤلمة أن كل هذه التغيرات لم تنجح في بناء دولة مستقرة. وكأننا نعيد إنتاج الفشل ذاته بأدوات مختلفة. هنا، لا بد من التوقف قليلاً لنتأمل في عمق المشكلة. فالأزمة ليست في السياسة وحدها، ولا في (الحاكم) كما …
أكمل القراءة »حين تصمّ العدالة آذانها، وتقصي عقولها تفتح الدولة صدرها للرصاص
د. الهادي عبدالله أبوضفائر هناك رجلٌ مسكونٌ بالجنون، يضرب بلا سبب، ويدفع بلا وعي، كأن قوة الكون قد تجسدت فيه. اعتاد الناس وجوده كجزءٍ من مشهدٍ يتكرر يومياً. انطفأت نيران جنونه. عُولج، وعاد إلى الشوارع والأزقة، هادئاً، ساكناً كنسمة عابرة. كلما اقترب من الناس فروا منه، ظن أن الأمر مصادفة عابرة، لكنه سرعان ما أدرك أن ذاكرة الناس لا تنسى. …
أكمل القراءة »كيف نصنع للفرح قناعاً ونحن ندفن في الصمت وجوهاً كانت تستحق الحياة
د. الهادي عبدالله أبوضفائر بأيّ عينٍ، يا تُرى، يُبصرُ أولئك القوم؟ أمن ثُقبِ الظلمة يُطلّون على العالم، أم من عماءٍ روحيٍّ طمسَ فيهم ملامح البصر والبصيرة؟ وأيُّ ضميرٍ ذاك الذي نُزعت منه نبضاتُ الرحمة، حتى غدا يرى في الشفشفة شرفاً يحتفى به، وفي السطو فنّاً يُدرَّس، وفي والاغتصاب تلذذاً وفي القتل وساما يُعلّق على صدر الفروسية؟ من هذا الذي يخرج …
أكمل القراءة »هنادي: ضوءٌ لا يطفئه الغياب!!!
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.” تبكي العين، ويحزن القلب، ويعتصر الفؤاد ألماً، لكننا لا نقول إلا ما يرضي الله، فالصبرُ عند الفاجعة الأولى هو مقام الرضا، ونحن راضون بقضائه، مستسلمون لحكمته، واثقون أن من رحل في سبيل الحق، قد نال مقاماً لا يبلغه إلا الخالدون. ارتقت اليوم هنادي شهيدةً، لكنها لم تكن …
أكمل القراءة »بين قيود الأمس وأفق الغد: عقلٌ يتوق إلى التغيير لكنه يرتجف من الجديد
كانت ليلة مشحونة بالتوقعات، ليس لأنها حملت ميلاد طفلٍ فحسب، بل لأنها حملت معها ولادة أمل أيديولوجي جديد. لم يكن مجرد حدثٍ عائلي، بل أشبه بمؤتمر فكري، جلس الأب، اليساري حتى النخاع، بينما الأم، البعثية، كانت تستعد لاستقبال المولود. لم يكن ثمة خلاف بينهما إلا على الاسم, هل سيكون لينين إكراماً لماركسية الأب، أم ميشيل وفاءً لنضال الأم والأسرة الممتدة؟. …
أكمل القراءة »الانتصار: هل يُعيد تشكيل الوعي لمستقبل واعد، أم مجرد فصل جديد في رواية لم يتغير سياقها؟
د. الهادي عبدالله أبوضفائر فرحة الانتصار، التي وقف فيها الجيش والقوات المساندة له صامدين كالجبال، مُقدمين الغالي والنفيس، ليس مجرد واجب، بل كعهدٍ خالدٍ لا ينكسر. لم يكن هذا الفداء إلا انعكاساً لروحٍ، لا تعرف الانحناء، وعزيمةٍ تتحدى المستحيل، حيث امتزجت الدماء بالحلم، والتضحية بالمجد. إنها فرحة لم تكن مجرد نشوةٍ لحظية أوفرحة خاطفة، بل كانت ذروة ملحمة إنسانية، تماهت …
أكمل القراءة »اسكات المدافع، هل هو نصر مؤقت أم تحول حقيقي؟
في زمن تلاشت فيه الحدود بين العقل والجنون، وسقطت فيه المعايير التي تفصل اليقين عن الوهم، كان هناك رجل أنهكته الحمى، يمشي عاري الجسد، عاد إلى لحظة الميلاد الأولى، بلا ثوب يستره ولا جلابية تقيه نظرات العابرين. وبينما هو على حاله تلك، دخل إلى السوق بخطوات واثقة، فتلقفته ضوضاء الحياة المتدفقة من كل زاوية. المكان نابض بالصخب، حيث تعالت أصوات …
أكمل القراءة »
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم