إبراهيم برسي

حين يصبح الجسد عقيدة: وشوم وزير الدفاع الأمريكي وسؤال الأيديولوجيا

في قلب المؤسسة العسكرية الأقوى في العالم، يقف رجل لا يكتفي بفرض رؤيته عبر الخطابات والتصريحات، بل يكتبها على جلده، كأن جسده صار بيانًا عقائديًا مفتوحًا على التأويل. بيت هيغسيث، وزير الدفاع الأمريكي، ظهر في صور حديثة وهو يؤدي تمارين رياضية، لكن الجدل لم يكن حول لياقته، بل حول الرموز التي اختار أن ينقشها على جسده: كلمة “كافر”، الصليب القدسي، …

أكمل القراءة »

من الطاعة إلى الهيمنة: كيف تُستخدم المصطلحات السياسية والدينية لإخضاع الشعوب

لم يكن الاستبداد يومًا مجرد سلطة خشنة تُمارَس بالحديد والنار، بل هو هندسة متقنة للوعي، معماريّة للذهن تُشيَّد بالمفاهيم قبل السجون، وباللغة قبل البنادق. فالكلمات ليست محايدة، إنها دواليب الزمن، وقاطرات التاريخ، وأحيانًا، قيود لا تُرى. ومنذ أن أدرك الطغاة أن العنف العاري يخلق المقاومة، لجأوا إلى ما هو أكثر مضاءً: تفخيخ المصطلحات، وإعادة تعريفها بحيث تبدو كما هي، لكنها …

أكمل القراءة »

نهاية وهم السلطان: تركيا بين إرادة الشعب ومأزق الطاغية

في زمنٍ تتكاثف فيه مظاهر التشظي والهشاشة تحت وطأة أنظمةٍ تتقن فنون السيطرة، يبرز رجب طيب أردوغان ليس كحاكمٍ مستبدٍّ فحسب، بل كظاهرةٍ تُجسد انزياحات السلطة الحديثة، التي لم تعد ترتكز على القمع المباشر، بل على هندسة الطاعة وإنتاج الولاء عبر آلياتٍ مُركّبة. هذا الواقع المأزوم الذي تعيشه تركيا اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو امتدادٌ لعقودٍ من التحولات البنيوية …

أكمل القراءة »

هل تحكم العالم اليوم أسوأ نخبة سياسية في تاريخه الحديث؟

في البدء، لا بد من الإقرار بأن التاريخ ليس خطًّا مستقيمًا، بل هو موجات متكسرة، تتلاطم فيها القوى، وتتصارع فيها الأوهام والحقائق. لقد ظن العالم، بعد سقوط جدار برلين عام 1989، أن عجلة التاريخ قد توقفت، وأن “نهاية التاريخ” التي بشّر بها فوكوياما قد حلت، حيث لم يعد هناك صراع، بل سيادة مطلقة لقيم الليبرالية الغربية. لكن السنوات التي تلت …

أكمل القراءة »

“من الثورية إلى المعارضة: هل لا يزال الحزب الشيوعي السوداني عضوياً في الحراك السياسي؟”

حين يتأمل المرء مسار الحزب الشيوعي السوداني، تتبدى أمامه ثنائية مثقلة بالاحتمالات: بين لحظة التكوين ولحظة التيه، بين عضوية متخيلة وتاريخ متراكم من العزلة، بين الارتباط المزعوم بالطبقة العاملة والتكلس في أبراج النظرية، بين الإرث الثوري والجمود العقائدي. السؤال، إذن، ليس ما إذا كان الحزب قد فقد عضويته العضوية، بل ما إذا كان قد امتلكها أصلًا. وإن امتلكها، فهل كانت …

أكمل القراءة »

من الذكورة السامة إلى التحرش: تأملات في فلسفة السلطة والجسد

في عالم ما بعد الحداثة، حيث تتفكك الهويات الثابتة وتنسف الرؤى التقليدية للمعرفة، يصبح التحرش ليس مجرد فعل مادي يحدث في الشارع أو مكان عام، بل هو أيضًا بنية معرفية تخلق التفرقة بين “الذات” و”الآخر”. هو ثمرة لحقب تاريخية حملت في طياتها اختلالات فكرية جعلت من الجسد الأنثوي ساحة للصراع الرمزي، بين ما هو مقدس وما هو مدنس، وبين ما …

أكمل القراءة »

المنابر السودانية الإسفيرية: بين ضرورة التطوير ومعضلة الإعلانات المزعجة

إنَّ الفضاءات الإسفيرية السودانية، على محدوديتها، قد شكلت عبر العقود الأخيرة ملاذًا معرفيًا ووطنيًا، ومساحة نادرة لتمثُّل التنوع الفكري والثقافي والسياسي بعيدًا عن قبضة السلطة. فهذه المنابر كانت، ولا تزال، تعبِّر عن ديناميكية المجتمع السوداني في مقاومته المستمرة لمحاولات تدجينه، وتقدّم بديلًا للمؤسسات الإعلامية التقليدية التي طالما فُرِضت عليها الوصاية السياسية والإيديولوجية. لكن، بالرغم من هذا الدور الجليل، فإنها تعاني …

أكمل القراءة »

الوقوف مع أحد طرفي الحرب: مساهمة في الحل أم إطالة لعمر الصراع؟

حين تتشظى الحقيقة بين ركام الخطابات المتضاربة، يصبح اتخاذ موقف في الحرب أشبه بالمشي على حافة الهاوية، حيث كل خطوة تحمل احتمالية السقوط في هاوية أخلاقية أو سياسية. في النزاعات، لا يُطلب منك فقط أن تختار بين قاتل وآخر، بل يُفرض عليك أن تصبح جزءًا من ماكينة الحرب نفسها، متورطًا في إعادة إنتاج سرديتها، مساهماً في ترسيخ منطقها. لكن، ماذا …

أكمل القراءة »

مليشيا الدعم السريع ومليشيا جيش الكيزان: وجهان لعملة واحدة لا رصيد لها في قلوبنا

في السودان، حيث يتهاوى الحلم كل صباح تحت ثقل البارود، وحيث تنقلب المفاهيم رأسًا على عقب بين جلاد يرتدي ثياب الضحية، وضحية تتورط في صناعة جلادها، نشهد تجليًا مأساويًا لسردية العنف كأفق وحيد للسلطة. الحرب الدائرة الآن بين مليشيا الدعم السريع ومليشيا الحركة الإسلامية، متمثلة في المؤسسة العسكرية، ليست صراعًا بين نقيضين، بل هو انشطار داخلي لمفهوم السلطة القمعية ذاتها، …

أكمل القراءة »

المثقف السوداني وأسئلة الوعي: بين نقد السلطة وإعادة تفكيك الأساطير السياسية والثقافية

في خضم الصراع السوداني المستمر منذ 15 أبريل 2023، بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني المستلب من الجبهة الإسلامية، يجد المثقف السوداني نفسه في مأزق تاريخي يكشف عن عمق أزمته، لا بوصفها أزمة موقف فحسب، بل بوصفها جزءًا من البنية الكلية التي أنتجت هذا الصراع. لقد أصبح المثقف، الذي كان يُنتظر منه أن يكون مرشدًا للوعي، جزءًا من معارك فكرية …

أكمل القراءة »

ماركيز ونفي المطلق: هل يعيد السرد إنتاج المقدس؟

في كل عمل أدبي عظيم، تتقاطع الفلسفة مع السرد، والميتافيزيقا مع اليومي، والحياة مع الأسطورة. وفي عوالم غابرييل غارثيا ماركيز، كان الدين حاضرًا دائمًا، لكنه لم يكن إيمانًا خالصًا ولا إلحادًا مطلقًا، بل كان جزءًا من نسيج الحكاية الكبرى التي ينسجها الكاتب، حيث تتداخل المعتقدات والخرافات مع السلطة والقمع، واللاهوت مع المجاز، والطقوس مع السحر. لكن يبقى السؤال الفلسفي مفتوحًا: …

أكمل القراءة »

تفكيك سطوة المعنى: من الدال إلى ما بعد المدلول

في البدء، حين أراد فرديناند دي سوسير أن يشيّد تصورًا بنيويًا للغة، كان يدرك أنه يؤسس لمفهوم جوهري: الدال لا يرتبط بالمدلول إلا عبر اعتباطية متفق عليها داخل النسق الاجتماعي. غير أن هذا الاتفاق، الذي بدا وكأنه حقيقة بديهية، لم يكن سوى بناء هش، قابلاً للتشظي تحت وطأة التحليل النقدي الذي جاء لاحقًا ليخلخل سطوة المركزيات اللغوية. إن العلاقة بين …

أكمل القراءة »

حين يصبح الماضي سلاحًا: تفكيك التراث بين السلطة والذاكرة

ليس التراث مجرد بقايا محفوظة في الكتب والمتاحف، ولا هو الامتداد الرمزي الذي يربط الأجيال ببعضها البعض، بل هو بناء ثقافي متحوّل، يتم تشكيله وإعادة تشكيله وفقًا لحاجات السلطة وأطر المعرفة السائدة. في كل مرة ننظر فيها إلى التراث، فإننا لا ننظر إلى “الماضي” كما كان، بل إلى صورة تمت إعادة إنتاجها وترتيبها وفقًا لرغبات الحاضر. بهذا المعنى، لا ينبغي …

أكمل القراءة »

الموت بالوكالة: كيف صار الشعب السوداني رهينةً لسلطتين قاتلتين؟

في البدء، كان الحلم هشًّا، يتنازعه الواقع والممكن، بين دولة لا يحكمها العقل وجيوش يحكمها الرعب. لم يكن السودان يومًا استثناءً في سياق التراجيديا التاريخية التي صنعتها الجيوشُ العربية منذ أن تحولت من مؤسساتٍ وظيفية إلى كياناتٍ فوق الدولة، تمارس السلطة دون مساءلة، وتحكم دون أن تُحاكم. لكن في هذا البلد، كان للعسكر وجوهٌ كثيرة، كلٌّ منها أكثر فتكًا من …

أكمل القراءة »

سرديات الخراب: كيف تعيد الحرب إنتاج نفسها في السودان؟

إنه الارتطام الأخير في سلسلة الارتطامات التي لم تكن سوى استكمالٍ لسردية الطغاة الذين يقتاتون على هشاشة البنية التاريخية لهذا المكان. منذ اللحظة التي استُبيحت فيها الخرطوم ومدن الجزيرة والنيل الأزرق وغرب السودان تحت وطأة البنادق التي جيفت خطاها في شوارع صنعها المقهورون بعرقهم ودمائهم، بدا واضحًا أن المأساة ليست سوى إعادة إنتاج لحتميةٍ لم يتبقَّ منها إلا أنيابها المنغرزة …

أكمل القراءة »

المؤسسة النسوية في المخيلة الذكورية العربية: بين التشويه والاستيعاب القسري

في عمق البنية الثقافية العربية، حيث تتشابك أنساق السلطة مع ميراث طويل من الأبويّة، تتجلى المؤسسة النسوية كإشكالية معقدة، لا باعتبارها صيرورة تحررية فحسب، بل بوصفها موضعًا للصراع بين خطابين متنافرين: خطاب الهيمنة الذكورية، الذي يسعى إلى نفيها أو استيعابها المشروط، وخطاب التحرر النسوي، الذي يواجه وطأة الإقصاء والتشويه. هذه الثنائية ليست مجرد تجلٍّ عابر لسلطة تستميت في الدفاع عن …

أكمل القراءة »

المؤسسة النسوية في المخيلة الذكورية العربية: بين التشويه والاستيعاب القسري

في عمق البنية الثقافية العربية، حيث تتشابك أنساق السلطة مع ميراث طويل من الأبويّة، تتجلى المؤسسة النسوية كإشكالية معقدة، لا باعتبارها صيرورة تحررية فحسب، بل بوصفها موضعًا للصراع بين خطابين متنافرين: خطاب الهيمنة الذكورية، الذي يسعى إلى نفيها أو استيعابها المشروط، وخطاب التحرر النسوي، الذي يواجه وطأة الإقصاء والتشويه. هذه الثنائية ليست مجرد تجلٍّ عابر لسلطة تستميت في الدفاع عن …

أكمل القراءة »

إعادة إنتاج الانحدار: ما بين خطاب شوقي بدري والوليد مادبو

عندما تصل النخبة إلى مرحلة لا تجد فيها غير التهجم والسخرية المتبادلة وسيلةً للتعبير، فذلك مؤشر واضح على المأزق الذي وصلت إليه. المقال الأخير للأستاذ شوقي بدري، والرد الذي قدمه الدكتور الوليد مادبو، ليسا سوى فصل جديد من فصول الانحدار في الخطاب العام، حيث لم يعد النقاش يدور حول الأفكار، بل تحول إلى تصفية حسابات شخصية، تفتقر إلى العمق النقدي، …

أكمل القراءة »

يوم المرأة العالمي: إعادة التفكير في الحرية التي لم تكتمل

في يوم المرأة العالمي، نحتفي بها، لكن بأي امرأة؟ تلك التي رسمها الخيال الجماعي في صورة انتصارٍ رمزي؟ أم المرأة التي ما زالت تقف عند حافة التاريخ، تنظر إلى حريتها كضوء بعيد لا يكتمل؟ التاريخ ليس مجرد خط صاعد نحو التقدم، بل شبكة معقدة من الصراعات. والمرأة، رغم كل ما تحقق، لم تخرج تمامًا من ظل الأنظمة التي صاغت وجودها. …

أكمل القراءة »

الوهم التراكمي: هل الوعي الجمعي محض تكرار بأدوات أكثر تعقيدًا؟

إذا كان التطور، في جوهره، آلية صماء تحكمها المصادفة والضرورة كما قال جاك مونو، فهل يمكننا أن نقول الشيء ذاته عن تطور الوعي الجمعي؟ هل تصاحبه ذات الحتميات التي تسوق الكائن البيولوجي نحو أشكال أكثر تعقيدًا؟ أم أن الوعي يسبح في مدار مستقل، متحررًا من تلك الآليات؟ إن كان هناك ارتباط بين التطور البيولوجي والتطور الفكري، فلماذا نجد أنماطًا فكرية …

أكمل القراءة »

كمال الجزولي بين التحليل الفلسفي والتشريح السياسي: الرزنامة بوصفها وثيقة نقدية

كتاب الرزنامة لكمال الجزولي ليس مجرد مجموعة مقالات سياسية وأدبية، بل هو تأريخ فكري واجتماعي لحالة السودان، حيث يتقاطع فيه السياسي مع الثقافي، والتاريخي مع الأدبي. الجزولي، كأحد أبرز المثقفين الماركسيين في السودان، يُمارس هنا ما يمكن تسميته بـ”الاشتباك النقدي” مع الواقع، مستعينًا بمنهج تحليلي يُبرز الطبيعة الجدلية للصراعات في البلاد. ومن خلال هذا التداخل بين الحقول المعرفية المختلفة، يقدم …

أكمل القراءة »

الجيش السوداني: صناعة الفشل والاستبداد أم مشروع للإصلاح المستحيل؟

هل كان الجيش السوداني يومًا مؤسسة وطنية تعمل لصالح الشعب، أم أنه ظل منذ الاستقلال أداة في يد النخب الحاكمة، يُستخدم لقمع الثورات وإعادة إنتاج الاستبداد؟ على امتداد التاريخ السوداني الحديث، لم يكن الجيش مجرد قوة نظامية تحمي حدود الدولة، بل كان لاعبًا سياسيًا رئيسيًا يقود الانقلابات، ويصنع الأنظمة، ويفرض سلطته عبر العنف، متحولًا من مؤسسة يُفترض أن تحمي الوطن …

أكمل القراءة »

الثائر الجيد هو الثائر الميت: التصفيات الجسدية كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة في السودان

في قلب المشهد السياسي السوداني، حيث تتناسل الأزمات كأفاعٍ تتبدل جلودها دون أن تغيّر طبيعتها السامة، لا تزال الجبهة الإسلامية، بروافدها العميقة في الدولة، تمارس طقسها المقدّس في وأد الثورات. لم يكن إسقاط البشير في أبريل 2019 إلا لحظةً في سيرورة طويلة من الصراع بين إرادة التحرر وبين قوى الهيمنة، التي أعادت تشكيل نفسها داخل أجهزة الدولة، متخفيةً خلف قناع …

أكمل القراءة »

بين الدين والرأسمالية: كيف تَصنع الأنظمة القمعية “المَاعِز الأليف”؟

في عالم تُمارَس فيه الهيمنة ليس فقط عبر العنف المباشر، بل من خلال تشكيل الوعي ذاته، يصبح السؤال الأساسي: كيف تُنتج الأنظمة القمعية الطاعة، ليس فقط كحالة مفروضة بالقوة، بل كشيء يُستبطن في النفوس؟ إن الطاغية لا يُولد، بل يُصنع، كما أن الجماهير لا تُقمع، بل تُروّض. في فضاء الهيمنة، لا تُفرض السيطرة بالحديد والنار فحسب، بل عبر منظومة سرديات …

أكمل القراءة »

رجال دين أم رجال أعمال: كيف تحوّلت الروحانية إلى سلعة رأسمالية؟

قراءة نقدية في تداعي المقدس تحت وطأة السوق في عصرٍ باتت فيه كل الأشكال الرمزية والثقافية خاضعة لمنطق السوق، لم يَعُد الدين بمنأى عن عمليات التسليع وإعادة الإنتاج الرأسمالي. فالمقدّس، الذي لطالما كان مجالًا يُعرّف نفسه بوصفه خارج الزمن والاقتصاد، وجد نفسه تدريجيًا ضمن آليات العولمة النيوليبرالية، حيث لم يَعُد التدين تجربة ذاتية أو بحثًا عن المعنى، بل صار شكلاً …

أكمل القراءة »

الرأسمالية الثقافية: كيف يُعاد تشكيل وعينا الجمعي؟

لم يعد الزمن الذي نعيشه محايدًا، بل هو مرحلة أُعيد تشكيلها بعناية، وفق منطق الهيمنة الثقافية والاستهلاكية. تحوّلت المعرفة من أداة للتحرر والوعي إلى منتج استهلاكي سريع الزوال، تُصاغ سردياته وفق متطلبات السوق، لا وفق أسس التفكير النقدي العميق. لم يعد السؤال الوجودي للمثقف: “ماذا نقرأ؟” بل تحوّل إلى: “كيف نقرأ وسط هذا الركام الهش من النصوص المختزلة؟”. إنها مرحلة …

أكمل القراءة »

المثقف في زمن الاختزال: بين هيمنة السرديات وإمكانات الفعل

في عصرٍ تتسارع فيه الوقائع لتتحول إلى تغريدات، وتُختزل المعاني في شعارات، يُصبح المثقف عالقًا بين ماضٍ يقدّس العمق، وحاضرٍ يستعجل السطحية. فكيف يمكن له أن يمارس دوره وسط سطوة الاختزال؟ وكيف يتعامل مع الطغيان الرمزي للسرديات المُهيمِنة، التي تسعى إلى ضبط الوعي الجماعي وفق أنساق محددة سلفًا؟ كل عصرٍ تحكمه سردياته الكبرى، وهي ليست مجرد “قصص تُروى”، بل أنساق …

أكمل القراءة »

انهيار المسافة الحرجة: كيف تم ترويض المثقف؟

إبراهيم برسي هناك لحظةٌ يتوقف فيها المثقف، لا لأنه وجد الإجابة، بل لأنه أدرك أن الأسئلة ذاتها قد تغيرت. لم يَعُد السؤال: “ماذا يجب أن نفعل؟” بل صار: “أين يمكن أن نفعل؟ وفي أي مساحة؟” في زمنٍ تتضاءل فيه المساحات أمام الفكر المستقل، ويصبح فيه التأثير مقيدًا بشروط السوق أو السلطة، يجد المثقف نفسه في مأزق جديد: هل هو صانعُ …

أكمل القراءة »

الدولة ليست نبيًا، والحاكم ليس قديسًا: عن هشاشة السلطة وسرمدية الوهم

ليس من مهمة الدولة إدخالك الجنة. ليست وظيفتها أن تقودك إلى المطلق، ولا أن تُلقنك شكلًا واحدًا للخلاص، ولا أن ترسم لك طريقًا سرمديًا نحو النجاة. الدولة، في جوهرها، كيان مادي، هش، مؤقت، قائم على التفاوض بين المصالح، خاضع لقوانين التاريخ والتقلبات الاجتماعية. لا يمكنها أن تدّعي امتلاك مفاتيح الأبدية. ومع ذلك، ما زالت السرديات السلطوية تصرّ، بإلحاحٍ وضاعة، على …

أكمل القراءة »

المثقف بين الفاعلية والتنظير: مأزق الفعل المؤجل

إبراهيم برسي هناك لحظةٌ فارقة في مسيرة المثقف، لحظةٌ لا تأتي دفعةً واحدة، بل تتسلل عبر الزمن، عبر الهزائم الصغيرة والانتصارات المؤجلة، عبر الصمت الذي يتراكم حوله، حتى يجد نفسه أمام سؤالٍ لا فكاك منه: هل أنا جزءٌ من الفعل، أم مجرد شاهدٍ على أطلاله؟ هل أنا منتجٌ للمعرفة، أم مُجرّد مستهلكٍ لسردياتٍ لا تغيّر من مواضع السلطة شيئًا؟ إن …

أكمل القراءة »

المثقف في عصر ما بعد السرديات: بين إرادة التأمل وسلطة الضرورة

إبراهيم برسي في ظلّ هذا العالم المُبتلى بالاستلاب، حيث تتحلّل السرديات الكبرى أمام يقينها المُتهافت، ينهض المثقف بوصفه كائنًا يتأرجح بين وطأة التاريخ وعبثيّة الحاضر. ليست المسألة في كينونة المثقف، بقدر ما هي في هشاشة تموضعه؛ فهل هو قارئ للخراب، أم محلّل لأبعاده؟ وهل يُعيد تدوير الجيف الأيديولوجي السائد، أم يرصده بوعي المُتفرّج دون أن يُغادر حافّة التأمّل؟ في أفق …

أكمل القراءة »

المذبحة كخطاب متكرر والمُشاهد قارئ بلا ذاكرة ولا اعتراض

إبراهيم برسي 30 يناير 2025 في المشهد الإنساني الأكثر قتامة، حيث تنطفئ الأنفس قبل أن يُزهق الجسد، تتجلى ثلاثة كيانات تتشابك في رقصة مروعة: القاتل، الضحية، والمشاهد. إن ما يحدث الآن في السودان ليس مجرد دمٍ يُسفك، بل هو إعادة إنتاج مأساوية لسردية قديمة، حيث يصبح الموت بيانًا، ويُختزل الإنسان إلى مادة مرنة في أيدي سادة العنف. هنا، لا يعود …

أكمل القراءة »

“اللجنة” لصنع الله إبراهيم: كيف تسائل الرواية أنظمة القهر؟

إبراهيم برسي تُعد رواية “اللجنة” لصنع الله إبراهيم أحد أهم الأعمال التي كسرت القوالب التقليدية للسرد العربي الحديث. فمن خلال بنيتها التجريبية، وتحليلها العميق للسلطة والاستلاب، تقدم الرواية قراءة نقدية لأنظمة القهر السياسي والاقتصادي، مما يجعلها وثيقة أدبية تحمل بعدًا فلسفيًا يتجاوز زمنها. حيث تجاوزت القوالب التقليدية للسرد لتقدم نصًا عميقًا ومتعدد الأبعاد. استطاع صنع الله إبراهيم أن يمزج بين …

أكمل القراءة »

الإماء في الإسلام: مرآة الصراع بين الحرية والتقاليد وموروث الجاهلية الذي يثقل كاهل الإسلام

إبراهيم برسي – 26 ديسمبر 2024 عندما نتأمل تاريخ الإماء في الإسلام، نواجه تناقضًا عميقًا بين المبادئ الداعية إلى العدالة والحرية، وبين واقع اجتماعي يقنن العبودية. الإماء، وهن جمع “أمَة”، لم يكنّ مجرد نساء مستعبدات تحت وطأة الحاجة والقهر، بل كُنّ انعكاسًا لأنظمة فكرية واقتصادية تُشرعن السيطرة والهيمنة، محوّلات الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى. الإسلام، وفق النصوص الدينية، لم يبتكر …

أكمل القراءة »

المثقف التائب: هشاشة الفكر المهزوم

إبراهيم برسي ٢٧ يناير ٢٠٢٥ “في كل تساؤل يكشف هشاشة الوجود، وكل فكرة تكسر أفق المألوف في سردياته، تنبثق الثقافة ككومضة ضوء في فضاء غارق في الظلام. ليست الثقافة مجرد مسعى إنساني للبحث عن المعرفة، بل هي الوجيف الخفي الذي يرافق خطواتنا في هذا العالم الهش، الذي لا يطيق الثبات. هي القوة التي تهز البنية، تهدم التصورات القديمة وتعيد صياغة …

أكمل القراءة »

الوجود والهويات في عاصفة الرياح: قراءة في سردية «حديث الرياح» لسعاد محمود الأمين

إبراهيم برسي ٢٦ يناير ٢٠٢٥ تدعونا مجموعة «حديث الرياح» لسعاد محمود الأمين إلى رحلة وجودية تأخذنا إلى أعماق المعاناة الإنسانية في زمن الحروب. وتدفعنا إلى الدخول في قلب العاصفة، حيث تتلاطم الذات بين أوجاع الحرب وغموض الهوية، وتصبح الرياح أكثر من مجرد عنصر طبيعي؛ بل هي شخصية رمزية تشهد على هشاشة الإنسان وصراعاته المستمرة. في هذه المجموعة، تُستخدم الرياح كرمز …

أكمل القراءة »

“نظام التفاهة” : عندما تصبح الرداءة نظامًا وجوديًا

في عالم يموج بالتغيرات ويتسابق فيه البشر نحو الحداثة ، يبرز كتاب (نظام التفاهة) للدكتور آلان دونو (Alain Deneault) كصرخة تحذير فلسفية تنبئنا بمأساة كونية : أن الرداءة لم تعد استثناءً ، بل أصبحت هي النظام. الكتاب يضعنا أمام مرآة شجاعة تعكس وجوهنا المعاصرة ، حيث تغدو التفاهة معيارًا والمبدعون استثناءً شاحبًا. بأسلوب يمزج بين الفلسفة الأدب ، والتحليل ، …

أكمل القراءة »

لستُ مدافعًا عن النور حمد… بل عن الحق في الاختلاف

إبراهيم برسي 22 يناير 2025 إنني هنا لست مدافعًا عن د. النور حمد، فلا تربطني بالرجل علاقة شخصية، ولم ألتقِ به من قبل، ولا يجمعني به أي انتماء حزبي أو عمل سياسي مشترك، سوى التزامنا المشترك بإرادة العبور بالسودان نحو وطن أكثر عدلًا وإنصافًا، وطن يتسع للجميع ويحترم اختلافاتهم. إن معرفتي بالدكتور لا تتجاوز قراءتي لكتابه “العقل الرعوي”، وهو الكتاب …

أكمل القراءة »

بين هسهسة القبح وهمسات الجمال

إبراهيم برسي 20 يناير 2025 القبح ليس نقيضًا للجمال، بل هو وجهه الآخر الذي يختبئ في هسيس الظلال، حيث يولد الضوء من شقوقه المجهولة. هو شقيقه الذي نسج من ذات الطينة، لكنه اختار أن يترك الخضرة جانبًا ليروي حكاية أخرى. هو سردية لا تصفق لها الأغصان الغضة، ولا تحتفي بها الزهور المشرقة، لكنها سردية تهمس بما لا يُقال. هناك، بين …

أكمل القراءة »

العقل الرعوي للنور حمد: جدلية البداوة والتمدن في سرديات الحداثة

إبراهيم برسي ١٢ يوليو ٢٠٢٤ يقف كتاب “العقل الرعوي” للدكتور النور حمد شامخًا في قلب النقاش الفكري السوداني الحديث، كصرح فلسفي وأدبي يغوص في أعماق الهوية الثقافية والجماعية للسودانيين. يقدم الكتاب تأملًا في بنية العقل السوداني كمرآة تعكس تناقضاته التاريخية والحضارية، حيث تتصارع قيم البداوة مع التمدن، وتتجاذب قوى الرعوية والحداثة في تشكيل الوجود الجمعي للأمة. هذه الأطروحة ليست فقط …

أكمل القراءة »