أبكر آدم إسماعيل (3-3): من لم يذاكروا من ورائنا .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
فلو كانوا تعاقدوا على فصل الدين من الدولة بما تخطى المفردة البرنامجية (أ أو ب أو ج فصل الدين عن الدولة) إلى أغواره الفكرية لوقفوا عند المراجعات التي جرت في ساحة العلمانية في العقود الأخيرة. وهي مراجعات واشجت بين العلمانية والدين في حين اعتقدنا طويلاً ألا تلقيا. وأحكي لكم من تجربة شخصية في أمريكا. حين بدأت التدريس فيها كانت العلمانية، كمنطقة محررة من الدين، في أوجها. وكنت قرأت في التايمز وأنا في السودان مقالة تهزأ بعبارات في كتب مدرسية مقررة هبشت الدين هبشاً صيغت بعض معانيه بعلمانية كزة بل مضحكة. وكنت درست أول قدومي لأمريكا مقرراً عن تاريخ أفريقيا تطرقت فيه لدخول الإسلام وتأثيره على قيام ممالك مثل غانا ومالي. وفوجئت بطالبة “كُبارية” تشتكيني على الشعبة لما رأته إفراطاً في القول عن الدين. ويمر عقد وآخر فإذا بي أدرس مقرراً بالجامعة موضوعه الإسلام والغرب بعد 11 سبتمبر 2001.
فالعلمانية مشربة بتاريخ الأمة الديني. فنشأت صورة العلمانية الفرنسية الجذرية المعروفة في مثل موقفها الحاد من الحجاب الإسلامي (على خلاف من سماح أمريكا) من ترعرعها في عداء مستحكم للكهنوتية الدينية (anti-clericalism). فناصب رواد العلمانية الفرنسيون دوائر الكاثوليكية المحافظة الخصومة حين عادت يداً بيد مع الملكية المستعادة لصدارة المسرح السياسي والثقافي بعد إزاحتها بثورة 1789. ولما عادت الجمهورية ثانية بعد إزالة الملكية جعلت من العلمانية لا مجرد سياسة للدولة بل رؤية لهوية فرنسا. ولذا قال أحدهم في خلاف علمانيتي فرنسا وأمريكا أن الأولى أردت صون الدولة من الدين بينما كان مطلب العلمانية في أمريكا صون الدين من الدولة. فقد عانى المهاجرون الأوربيون إلى أمريكا من اضطهاد الدولة الديني في مرابعهم الأول وخشوا أن يتكرر عليهم في مهاجرهم.
لا توجد تعليقات
