أساس الفوضى (27) .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
بسم الله الرحمن الرحيم
فهذه ليست من “قوانين المرور”، ولا يحتاجها إنسان ليستطيع تعلُّم القيادة وقيادة السيَّارة، أو اجتياز الامتحان، أو الحصول على مهارة وخبرة كافية، ولكن هل يمكن أن تنتظم حركة المرور فعلاً بغيرها؟
ولهذا يمكن أن نتحدَّث عن بداية المفهوم وعن نهايته، رأسيَّاً وأُفقيِّاً، حيث يمكن أن تتقاطع المفاهيم مع بعضها البعض، بدلاً عن الحديث عن الأهمِّية، ويجب أن التَّنبيه إلى أنَّ هذه البداية لا تنتهي بالوصول للنِّهاية، بل هي دورة لا تقف أبداً إذ ما إن تنتهي إلا وتبدأ من جديد: “هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ”، وفي الحديث الشريف: “أنت الأوَّلُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظَّاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء”.
وحين دخول الجنَّة كلَّ الأسباب التي قد تقود إلى اختلال نظام الحياة تنعدم، فلا فوضى بعدها وإنَّما غاية النِّظام وهو السلام النَّفسي، لأنَّ أصحاب الجنَّة قاوموا فوضى نفوسهم في الحياة الدُّنيا وصفُّوها من أدرانها ووصلوا للسلام النَّفسي وكثيراً ما نسمع أنَّ هذا الشخص متصالح مع نفسه: ” وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى”.
ودليل أنَّ القانون والأخلاق وجهان لعملة واحدة لا يقوم واحد بدون الآخر قول المولي عزَّ وجلَّ في مسألة خلاف الزَّوجين:
فالقانون هو مبدأ التَّحكيم، والأخلاق هو مبدأ النِّيَّة فلا يُمكن أن يتم حل للشقاق إلا إذا كانت نيَّة الأطراف هي الإصلاح، فقد يتَّخذ الزوج فرصة التَّحكيم لإثبات خطأ زوجته، أو ليفضحها أمام النَّاس حتى يُثبت أنَّه أفضل منها، ويكون هذا هو غرضه الأساس من طلب أو قبول التَّحكيم.
وانظر إلى تمازج القانون بالأخلاق في مسألة الطلاق:
فالقانون هو توخِّي العدل، ولكنَّ العدل نفسه هو قيمة أخلاقيَّة، والأخلاق هي توخِّي الفضل وهو أسمي، ولذلك يعاقبنا الله عدلاً، ويثيبنا فضلاً، وفي ذلك يقول المصطفي صلي الله عليه وسلَّم في الحديث القُدسيِّ في حساب العابد الذي عبد الله خمسمائة عام وطلب أن يُدخل الجنَّة بعمله:
والإنسان الطَّيِّب لا يرتكب جريمة أصلاً وإن فعل فليس إصراراً ولا إضراراً، ولذلك القانون هو سيف مسلَّط على رقاب البشر لا يُفعَّل إلا إذا خُرق.
إذن نستطيع أن نستخلص من هذا التَّأمُّل أنَّ الإنسان يحتاج إلى معرفة ومهارة وخبرة ليعيش، ولكنَّه يحتاج أكثر للسلوك أو الأخلاق الطّيبة ليحيا حياة طيِّبة فيها سلام، أي توازن نفسي مع التوازن الكوني، فالأخلاق مثل الشحم الذي يمنع الاحتكاك في إطار السيَّارات ويمنع الحريق.
وهذا يختلف عن الإنسان الصالح الذي لا يسعي لحمد وشكر النَّاس ولكنَّه يأتيه تلقائيَّاً ففي الحديث الشريف:
تخيَّل أنَّك تملك كلَّ مقوِّمات المعيشة من مأكلٍ وملبسٍ ومأوي ومركبٍ ولكن لا أحد يكلِّمك بلطفٍ، أو يُخفِّف من وحدتك، أو يعودك إن كنت مريضاً أو يواسيك إن أصابتك مصيبة فَقْدٍ فكيف تكون الحياة؟
إذن القانون لا يكفل لك أيٍّ من هذه الأشياء ولا يعاقبك إن لم تقم بها أو يكافئك إن قمت بها.
فلينظر الإنسان إلى خاصَّة نفسه فإن رأي فيها تزكية وقيمة تزيد عن بقيَّة الخلق مهما يكن مرجعه، فليعلم أنَّه امتطي ظهر الطغيان.
لا توجد تعليقات
