أعيدوا إلينا السودان القديم الذي خربتموه يا كيزان .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي
الحقيقة، كيف أطلب ممن خرب ان يصلح؟
هكذا بدأ مشروع تشويه المجتمع السوداني يأخذ منحى خطيرا مرتبطا بالمال وسطوته وفعله وقدرته على تغيير انتماءات الناس بل والاخطر اخلاقهم وسلوكهم في اسرهم، وفي دوائرهم الضيقة في الحي والقرية والمدينة والمحافظة والاقليم، وفي القبيلة وبطونها حتى صار تمثيلها فوق تمثيل الاحزاب الجامعة لكل ذلك والتي كانت مكبوتة وغائبة الا حزب الكيزان الذي كان تقية يعمل دون اسم، فيما الاتحاد الاشتراكي الذي ادوا له القسم، كان بالفعل كرتونيا.. حقا وحقيقة.
وكَرَّت السبحة، سنة بعد سنة منذ ذلك الزمن (1977 مرورا ب 1983)، فتجمعت في الرصيد (الخايب) 33 وصولا الى 39 سنة عجاف كاملة الظلم والظلام وبث الكراهية والشوفينية واعلاء القبلية وبالاخص خلال فترة حكم الانقاذ الذي لا زال مستمرا، وبالفعل ضاع فيها ومعها السودان القديم وانتهى. والخلاصة نعيش في سودان مشوه تماما لا علاقة له من أية ناحية او أي مجال بالسودان القديم.. سودان التسامح والتعايش والتراضي.
دعونا نأمل في مصالحة تقف على مصارحة واعتراف بالحقيقة ليصبح الحاضر في يوم قادم محض ذكريات سيئة لا تنسى بعد ان يجري العفو والغفران على السنة كل الناس، وان يبقى ما مضى تجربة قاسية يجب استخلاص العبر والعظة منها لعدم العودة مرة اخرى الى مربعها. ولحين ذلك يصبح الاهم حاليا، معرفة كيف الخروج من التجربة الماثلة الحاكمة اليوم والانتقال من مربعها لأخر جديد الى الامام لا الى الخلف أو التقهقر لأسفل سافلين باستمرار الوضع الحالي ولو ليوم واحد اضافي.
واسمحوا لي ان اختم مُذَكِرَا، والذكرى والتذكر وعدم النسيان مدرسة قائمة بذاتها يريدنا الكيزان ان لا نستحضرها، بان الطرف الاخر -يُقْرَأ القبائل الافريقية السودانية- لم تضع شروطا تأسيسية للدولة -كما حدث في لبنان مثلا- مقابل التعايش مع مهاجرين وقبول سطوة لغتهم ودينهم، ولم يطلبوا تنازلا من الطرف الاخر وانما حقا وطنيا في وطنهم.. فكان القرار، قرار فتح صدورهم وقلوبهم وعقولهم وبيوتهم للإسلام وللغة العربية، قرارا فرديا.. لا قرار قبيلة ولا قرار بطن منها ولا قرار اقليم ولم يكن ابدا لاحقا قرار دولة في العهود الديمقراطية، وعندما تدخلت الدولة في العهود الديكتاتورية لفرضه، وَلَّعْت النيران وشب حريق نصف القرن. أليس كذلك؟
لا توجد تعليقات
