الشِّيوعِيُّونَ السُّودَانِيُّونَ وقَضِيَّةُ الدِّين! .. بقلم/ كمال الجزولي
جاء هذا الطرح “التَّحويلي” الباكر من فوق “مراكمة” فكريَّة دؤوب في هذا الشَّأن، أسهمت فيها، على مدى سنوات طوال، رموز شيوعيَّة بارزة كحسن الطاهر زرُّوق، والرَّشيد نايل، وفاطمة أحمد إبراهيم، وغيرهم، كما انطوى على أمرين فى غاية الأهمية: أولهما الاستخدام المنتبه لمصطلح “العلمانيَّة”، لا بمدلولاته التى استقرَّت فى الفكر الغربي منذ حقبة التَّنوير، إحدى الحقب الثَّلاث لعصر الحداثة التَّالي للعصور الوسطى الأوربيَّة، وإنما كمرادف لمفهوم “العقلانيَّة” في الفكر الإسلامي. أمَّا الأمر الثانى فسداد تلك الانتباهة الذى يتجلى فى كونها سعت إلى ملامسة عصب فائق الحساسيَّة في القوام الفكري والسِّياسي للجَّماعة المستعربة المسلمة في بلادنا، وهو العصب الذي قلما يبرز بوضوح كافٍ من بين وقائع تدافعها السِّياسوي، وفحواه أن الصِّراع حول “قضيَّة الدِّين” لا يدور، فحسب، بين “الأنا” المسلم و”الآخر” غير المسلم، وإنَّما داخل “الأنا” المسلم نفسه بين تيارين رئيسين:
هكذا حدَّد الحزب أن المشكلة ليست فى “الدِّين” نفسه، بل في “التَّديُّن” المتنوِّع، القائم على تفسير البشر، وتأويلهم، وفهمهم المتباين للنُّصوص، والمقاصد الكليَّة، خصوصاً على صعيد ما يطلق عليه “التَّديُّن بالسِّياسة” فى أدبيَّات “التَّيَّار السُّلطوي” فى بلادنا، مِمَّا يستوجب إصلاح تصوُّر الوعي الاجتماعي للصِّراع، باعتباره قائماً، ليس فقط حول قضيَّة “التَّساكن” بين المسلمين وغير المسلمين، كما لو أن مجرَّد إبرام أيِّ اتفاق سلام بين الجَّانبين سوف يحقِّق، ضربة لازب، حلاً نهائيَّاً لهذه المشكلة، وطنيَّاً واجتماعيَّاً، وإنَّما باعتباره قائماً، بالأساس، داخل قوام الجَّماعة المستعربة المسلمة نفسها، بين تياريها المتمايزين: “العقلاني المنفتح”، من جهة، والذي ينبغي أن يواصل إعمال النَّظر المستنير في حركة الواقع، ومتغيِّراته، ومستجدَّاته، بمنهج يستوعب مقاصد “الدِّين” الكليَّة المتجذِّرة فى مصالح الفرد والجَّماعة، كمحفِّز روحى، بخاصَّة، للفقراءِ، والكادحين، والمهمَّشين، رجالاً ونساءً، باتِّجاه تغيير واقعهم البائس بأنفسهم على قاعدة الحديث الشَّريف: “ما أمرتكم بشئ من دينكم فخذوه، أما ما كان من أمر دنياكم فأنتم أدرى به”، ومن جهة أخرى التَّيَّار “السُّلطوي المنكفئ” الذي يرمى إلى فرض نمط “تديُّنه السِّياسي” الخاص على مجمل الوعي الاجتماعي، مستخدماً “الدِّين” مطيَّة للتَّسلط والقهر، ومتوسِّلاً به للكسب الدُّنيوي، وخداع الكادحين بحملهم على التَّسليم بواقع الاستغلال، قبل أن يكون هذا الصِّراع قائماً بين “الدِّين” و”العلمانيَّة” وفق الإرث الأوربِّي التَّاريخي.
لا توجد تعليقات
