المقاومة الوطنيَّة في الأمصار (4/4) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
أما بعد، فبعد حقب عديدة من تداول السُّلطة في الخرطوم، وصلت البلاد إلى ما حالت إليه الأمور من سوء المنقلب، وبُعد الطلب، وذلك بعد أن جاء أهل النفاق الذين احتكروا السُّلطة، وارتأوا الحق على أهوائهم كأنَّما كانوا ينظرون بأقفائهم، واختالوا جهلاً وبطراً لا يرقبون من الله راقبة، ولا يخافون وبال عاقبة. وكان أشد ما أمسى يؤلمنا النِّفاق الذي أخذ يسيطر على كبار القوم في الدولة “الإنقاذيَّة” في ذلك الردح من الزمان، كما كانت التفاهة تؤلمنا. ومن ثمَّ تفشَّت الحروب الأهليَّة، وقُتِل كثراً من النَّاس في الارتكابات الدمويَّة، واستاء الشعب من حماية المسؤولين للموظَّفين الفسدة والفساد، وقطع أرزاق العباد. ولعلَّ الذي أخذ لا يتأثَّر بغلاء الأسعار وسوء أحوال المعيشة هو كل من فارق الأحباب وتوسَّد التراب، أو أولئك التجار الذين أمسوا على شاكلة مسيلمة الكذَّاب، وكل الوزراء وزعماء أحزاب التوالي السِّياسي. إذ أنَّ الفساد يمثِّل بُعبعاً طارداً للاستثمار، إلا المستثمرين الفاسدين أنفسهم. فقد كان كبير أساقفة كانتبري جستن ويلبي – في زيارته لإقليم قوما الموبوءة بوباء الإيبولا في جمهوريَّة الكونغو الدِّيمقراطيَّة في تشرين الأول (أكتوبر) 2019م لمواساة المرضى – صريحاً مع حاكم الإقليم كارلي نزازو كاسيفيتا الذي طلب منه أن يقدِّمه لرجال الأعمال في لندن لإنعاش فرص الاستثمار في الكونغو. هذا، فما كان من كبير الأساقفة إلا أن ردَّ على سائله ببسمة ساخرة قائلاً له إنَّ المستثمرين لسوف يمتنعوا عن ذلك بسبب سيادة الفساد في الكونغو.
وبدلاً من تحديث المشاريع القديمة التي قام عليها أساس الاقتصاد السُّوداني منذ عهد الحكم الثنائي (البريطاني-المصري) أقدم الإنقاذيُّون على تدميرها بالتخطيط العشوائي، واختلاس القروض، وإيلاء الجهلاء أمرها، بما في ذلك المشاريع الزراعيَّة. ومن هنا يجدر الحديث عن تأريخ نقابة مزارعي السُّودان المحدودة، فلعلَّه حديث ذو شجون. ففي العام 1904م تحصَّل فاعل الخير الأميريكي ليَّه هنت على فرصة استحواذ 11.000 فداناً على ضفاف النيل في منطقة الزيداب، وكانت خطته تقتضي استيطان الزنوج الأميريكيين على هذه الأراضي، إلا أنَّه فشل في الأمر. إذ أخذت شركة إنكليزيَّة هذا الخيار، وهي الشركة التي وقَّعت اتِّفاقاً مع الحكومة الثنائيَّة العام 1907م، وأقدمت على إجراءات طفيفة لتغيير اسمها، ومن ثمَّ شرعت في إدارة أراضي الجزيرة لصالح مشروع الجزيرة.
لا مريَّة في أنَّ الإنسان مخلوق وفي معيَّته غريزة التملُّك، ومتى ما وجد الفرصة في ذلك، أو تحيَّن الفرص لبلوغ هذا المرام، إلا واستعبد غيره وسخَّره لمصالحه الذاتيَّة الآنيَّة والآجلة. إذ قد يستغل الإنسان شتى السُّبل لإقناع الآخر بأنَّه خُلِق لخدمته وإسعاده، مستغلاً النصوص الدِّينيَّة تارة، والطبقة الاجتماعيَّة تارة أخرى، والفوارق العرقيَّة تارة ثالثة، والقوَّة الماديَّة تارة رابعة لتحقيق هذه المصالح الذاتيَّة. هذه الخلفيَّة هي التي منها نبعت مسألة الرِّق وعلاقاتها في المجتمعات القديمة والحديثة معاً، حتى اقتصر على لون البشرة في إنسان إفريقيا في نهاية المطاف.
لا توجد تعليقات
