المهندس / حسن عثمان البحر .. بقلم: عبدالله الشقليني
{ كما أن النخلة القائمة في فناء دارنا ، نبتت في دارنا ولم تنبت في دارٍ غيرها . وكونهم جاءوا إلى ديارنا ، لا أدري لماذا ، فهل معنى ذلك أننا نسمّم حاضرنا ومستقبلنا ؟ إنهم سيخرجون من بلادنا إن عاجلاً أو آجلاً ، كما خرج قوم كثيرون عبر التاريخ من بلاد كثيرة . سكك الحديد ، والبواخر ، والمستشفيات والمصانع ، والمدارس ، ستكون لنا ، وسنتحدث لغتهم ، دون إحساس بالذنب ولا إحساس بالجميل . سنكون كما نحن قوماً عاديين ، وإذا كنا أكاذيب فنحن أكاذيب من صنع أنفسنا .}
نعود لصاحب الأقصوصة .لن تمر ذكرى الذين قدموا عملاً للوطن مرور الكرام ، فنحن في زمان تذوب الذاكرة فيه من وهن الذين يُشغلوننا بأنفسنا ويستأثرون باهتمامنا ولا يستحقون ذلك ! . جاء ميعاد التذكير ببعض ملامح طواها الدهر ، تُعطي لمحة عن أخلاقيات ومُثل الزمن الغابر ، فقد قبرنا نحن دون تروٍ كل الخير ، الذي ورثنا ! .
{كان إحساسي بالرضى يغمرني وأنا أكاد اختفي داخل الكرسي الوثير، الذي كنتُ أجلس عليه بمكتب السيد” حسن البحر” المهندس المقيم لجامعة الخرطوم . وكنت على ثقة من أن السيد “حسن “لابد أن يكون قد ضغط على الزر الكهربائي الخفي واستدعى الساعي ذا الجلباب الأبيض الناصع ليُحضر لنا أكواب الليمون المثلج الممتع وأقداح الشاي و ” كنكات ” القهوة على ” الصينية ” الفضية الأنيقة .وأثناء انتظاري لهذه المنعشات كنتُ أستمع في سعادة إلى شقشقة أعداد لا حصر لها من العصافير التي ترسل أنغامها الموسيقية الحلوة فتختلط في الهواء الساكن مع الأزيز الرتيب الذي كانت تصدره مروحة السقف فوق رأسي .حقيقة لقد كانت تلك من اللحظات التي كما تقول أحد التراتيل : ( كل مشهد فيها يسُر ويُبهج ) . كان إحساساً مُريحاً ينبع من أعماق بعيدة في نفسي ، إذ وجدت أنني بعد أسابيع قليلة من وصولي للسودان أُمارس المعمار عملياً إلى جانب تدريسه بالجامعة ، فقد كُلفت بتحويل “مبنى اتحاد الطلاب “القديم الذي يواجه شارع الجامعة من الجهة الجنوبية ، إلى” متحف للتاريخ الطبيعي” . ولا يدري سوى الله، ماذا كان يشغل ذلك المبنى من قبل . ومن حسن الطالع أن التعديل المطلوب كان ضئيلاً جداً وكان مما يبعث على الارتياح أنه لم يكن مطلوباً إزالة المبنى من الوجود فالمبنى كان طرازاً فريداً في نوعه }
كان “مُتحف السودان الطبيعي” الماثل في مبناه بشارع الجامعة هو مثار حديث البروفيسور” أليك بوتر ” في أواخر الخمسينات من القرن الماضي ، وكان الراحل المهندس “حسن عثمان البحر “مهندساً مقيماً للجامعة ، جاءها من ” وزارة الأشغال ” .من يذكر ” متحف السودان الطبيعي ” سيمر بخاطره أياماً قضاها البروفيسور ” محمد عبد الله الريح ” حين كان علماً يرِّف على سارية ذلك المبنى.
*
نفذ المهندس ” حسن عثمان البحر” المشروع بكفاءة واقتدار ، وبالسعر الذي حدده رغم الخسارة . كنا نرقب كمهندسي إشراف إنابة عن الجهة المالكة بعين الرفق الخسارة الفادحة ، والتي تمنعنا الأعراف وأخلاقيات المهنة إلا أن ننفذ الإشراف المهني مهما تكلّف . كان هو ينظر للأمر بمنظار غير منظارنا ، ولا منظار أهل زمانه ، رغم أنه اضطر لبيع أحد بيوته العامرة بالخرطوم (3) لسداد بقية كلفة التنفيذ ، بكامل رضاه! .
منذ متى يا تُرى رحلت عنا مثل تلك القيم ! .
عبد الله الشقليني
لا توجد تعليقات
