حروف من ذاكرة الحنين: في ربوع الطيب صالح: عبقرية المكان .. بقلم: د. عبدالرحيم عبد الحليم
بالنسبة الى تلاميذ السنة الرابعة بمدرسة كورتي الأولية في ذلك اليوم من أيام الستينات، كان ذلك اليوم من أيام الجمعة يوماً خاصاً بالنسبة اليهم. لقد بدا عليهم فرح طاغ فوعد أستاذ عبد الله القادم من بلدة قنتي سيتحول بعد سويعات الى حلم بأخذهم في رحلة مدرسية طويلة الى «الدبة». انهم طلاب العام الرابع ومن حقهم على المدرسة التي تعود الناس منها انجاح جميع الطلبة في رحلتهم الى المرحلة الوسطى، أن تتيح لهم من الرفاء ولو كان عنتاً على ظهر لوري «الهوستن» الذي سيقوده سائق قدير من قرية الغريبة القريبة من كورتي اسمه «علي أحمودي». ثم أن يوم الجمعة ليس عادياً في أدبياتهم فهو يوم الراحة من عنت الحساب الأملائي وسياط الناظر عثمان أبو شوك المحرقة، وتلك سياط كانت أشجار النيم الضخمة بالمدرسة وفية في انتاجها مثلما كان النسيم القادم من صحراء بيوضة وفياً في حمل شذاها المعطر بالخوف والرهبة في نفوس التلاميذ الى الأثير. ويوم الجمعة بالنسبة للتلاميذ يوم يشوبه حنين غامض وآسر الى أزمنة السفر الى المدن البعيدة، فالباخرتان «الجلاء وكربكان» تمخران عباب النهر ما بين كريمة ودنقلا وتمخران بذلك عباب الطنابير الحنونة للعاشقين، اذ هي تتخطف رموش الحبيبة بعيداً الى البنادر:
لا توجد تعليقات
