shurkiano@yahoo.co.uk
في تذكار الموسيقار محمد وردي (5 من 6) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
كذلك في تعريفه للأغنية السياسيَّة يقول الكاتب الصحافي معاوية يس: “هي نص غنائي ومضمون سياسي قد لا يرتبط بحدث سياسي معيَّن، أو واقعة وطنيَّة محدَّدة مثل النشيد، لكنه ينمُّ عن وجهة نظر ذات مضمون سياسي محدَّد”. فلا ريب في أنَّ السُّودان قد مرَّ بحوادث كالحات سبَّبت في عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي معاً، مما حدت ببعضهم أن يتوجَّهوا إلى الله تعالى بالضراعات والابتهالات عسى أن يفرج كربتهم، ويجعل لهم من أمرهم مخرجاً، وأخذ الآخرون الأمور بأيديهم وامتشقوا السِّلاح في سبيل التغيير، واكتفت طائفة ثالثة بالتباكي، وشرعت طائفة رابعة في المقاومة السلميَّة شعراً وفناً وتظاهرة وهتافاً. ومع هؤلاء، كان وردي من أولئك الطائفة الفنيَّة التي تصادمت مع الأنظمة العسكريَّة الشموليَّة التي حكمت السُّودان.
بيد أنَّ من أكثر الأعمال التي خلَّدت نضال الشَّعب الإفريقي ضد الإمبرياليَّة وحبَّه للحريَّة، هو ذلكم النَّشيد الذي أنجزه وردي بمناسبة اغتيال الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا (1925-1961م)، والذي لقي تعاطفاً كبيراً من الشعب السُّوداني. وقد سرت ثمة معلومات وباتت متداولة وسط الشَّعب السُّوداني بأنَّ الرئيس المصري جمال عبد النَّاصر قد وضع خطة لتهريب لومومبا إلى مصر، ولكن الحكومة السُّودانيَّة رفضت التعاون بفتح الأجواء السُّودانيَّة. وكان النَّشيد، الذي كتبه الشاعر إسماعيل حسن، قد بات يخلق متاعباً سياسيَّة لوردي مع حكومة العسكر يومئذٍ حتى تنكَّر له شاعره وتخلَّى عنه، مما دعا الأمر أن يتبنَّاه وردي. إذ يقول مطلعه:
وبوسعنا هنا في هذا المجال أن نقول قد أصاب الشاعر الهندي طاغور الحكيم حين نطق قولاً: “ثقيلة هي قيودي والحريَّة هي مناي، ولكنني لا استطيع أن أحبو إليها، فمن استعبدني رفعوا لافتات الفضيلة وجعلوها حائطاً بيني وبين حريَّتي.”
فبرغم من أنَّ وردي كان قد تعرَّض في حياته السياسيَّة والفنيَّة لصنوف من الاعتقالات والمصائب إلا أنَّه لم يملك كآبة الطالب التي ليست سوى منفسة، ولا كآبة الموسيقار التي ليست سوى تخيُّلاً، ولا كآبة رجل البلاط التي لا تعدو كونها حباً للظهور أمام الجمهور. فالحياة مليئة بالكلاب النابحة التي قد لا تعضي، لكنها يمكن أن تغرس مخالبها في كل مخلوق عابر وتنشر رعباً. كما أنَّ الحيوانات المفترسة لا تتحكم في حيوات أمثالها بالقتل فحسب، بل إنَّها لتخلف مساحة للخوف. ومع ذلك، كان وردي صنديداً في مواجهة العسكر الطغاة، وكان لا يهاون ولا يهادن في سبيل الحريَّة لنفسه ولسواه. وكان يقدم على المخاطر برغم من علمه أنَّ تحدِّيه للسلطات وتصدِّيه لها قد يجلب له المتاعب. إذ كان يؤمن ولسان حاله يردِّد ما قاله الرئيس المصري الرَّاحل جمال عبد النَّاصر بأنَّ الخائفين لا يصنعون الحريَّة.. والمتردِّدين لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء. أفلم يقل الفيلسوف الألماني الكبير عمانوئيل كانط (1724-1804م): “إنَّ الكسل والجبن هما علة بقاء البعض من الناس عاجزين وقاصرين طوال حياتهم، بعد أن خلصتهم الطبيعة من كل وصاية غريبة عليهم، وفي الوقت ذاته، فإنَّ الكسل والجبن هما سبب تطوُّع الآخرين في أن يفرضوا وصاياهم عليهم؟” أجل! وقد أحسَّ وردي بلسع الظلم وسياطه بعدما غرقت حلفا وتمَّ تهجير أهلها عنوة وقسراً إلى حلفا الجديدة، حيث تعرَّض وردي – مع من تعرضوا – للاعتقال والاستجواب بواسطة شرطة النِّظام، وكان ذلك بعد مشاركته لأهله الحلفاويين في الذَّب عن أراضيهم والحفاظ على ممتلكاتهم. إذ امتاز وردي بعاطفة إنسانيَّة نبيلة هي التي أسعدته حيناً، وجنت عليه من الصِّراع مع السلطة بسبب مواقفه الشجاعة حيناً آخر.
لا توجد تعليقات
