في تشريح العقل الرعوي (6) .. بقلم: د. النور حمد
تتعلق تلك الملاحظة المركزية بحالتيْ السودان والصومال، بوصفهما أكثر الدول تعثرًا في إفريقيا، بل وفي العالم بأسره، في ما يتعلق بالأخذ بأسباب الحداثة. فالأحوال الداخلية المتردية في هذين القطرين، تدعم زعمي هذا، بما لا مزيد عليه. كما تعضده أكثر، كل التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية، في العقود الأخيرة. وهي تقارير سنوية تصدرها هذه المنظمات تكشف فيها مستوى أداء الدول في جوانب عديدة. ولقد بقيت هذه التقارير تضع كلاً من السودان والصومال، في ذيل القائمة. هناك مشترك ما في بنية الوعي في هذين القطرين. فلو قارنّا السودان والصومال بكل من إثيوبيا، وكينيا، ويوغندا، لاتضح لنا أن سببًا ما قد جعل هذه الأقطار الثلاثة تنعم بمقادير أكبر من الاستقرار النسبي، ومن القدرة على الحفاظ على مكتسبات الحداثة، وتحقيق نمو لا بأس به، في جهود التحديث والتمدين. وفي تقديري أن القبلية، وبنية العقل الرعوي، وتبنّي نسخة فجة من الإسلام، اشتُهِر بها الرعاة في التاريخ الإسلامي، هي التي أقعدت كلا من السودان والصومال عن النهوض. فطبيعة الحياة البدوية، وبنية العقل الرعوي التي تتحكم فيها، تقفان، بطبيعتهما، ضد المؤسسية، وضد المساواة أمام القانون. فكل بدوي يرى أن قبيلته هي خلاصة، خلاصة البشر. وهذه خاصية تاريخية ضرورية حمت بها القبيلة نفسها. فأفراد القبيلة يجري تسلحيهم معنويًا، منذ نعومة أظافرهم، بأنهم الأفضل، والأعلى، والأحق. ولا مجال للمقارنة بينهم وبين غيرهم. فغيرهم لا يستحقون مثلما يستحقون هم. بل إن العشائر التي تنتمي إلى قبيلة واحدة يضع كل قبيل منها نفسه في مرتبة أعلى.
لا توجد تعليقات
