في قصيدته الجديدة: (حيث) .. محمد المكي إبراهيم يرثي الوطن! .. بقلم: فضيلي جمّاع
العمل الإبداعي الراقي إذن لا يخضع لقوانين الحظر التي تحاصر القلم والحنجرة في أي مكان وزمان. فقد استطاعت لوحة “مذبحة غرونيكا” لبابلو بيكاسو أن تتحدى فاشية دكتاتور إسبانيا وتبقى شاهداً على المذبحة التي قامت بها طائرات هتلر وموسوليني معاضدة لفرانكو بقصد إطفاء ثورة وتمرد شعب الباسك. ومن هناك جاءت للعالم تلك اللوحة التاريخية. ومن هناك جاءتنا قصائد شاعر الغجر فيديريكو غارسيا لوركا مخترقة كل الموانع والزنازين، حيث يقول:
أعجبتني القصيدة كمنحى جمالي وكعطاء فني شديد الجودة من حيث القاموس الشعري واستخدام الرمز بتقنية وحرفية عالية. فالقصيدة – وهي مرثية لناشط حقوق الإنسان والقضايا المدنية الدكتور أمين مكي مدني الذي رحل بنهاية الأسبوع المنصرم إلى الدار التي لا ترقى إليها الأباطيل – تكاد تكون مرثية
باعتقادي أن الشاعر قد اختار هذا الظرف المبهم خصيصاً ليسكب على جسد قصيدته معنىً ينسجم مع طقس الرثاء ضمن الغضب العام والحزن واليأس الذي قد يودي بوطن وشعب إلى الكارثة:
وتتكرر المفردة الظرف “حيث” من بداية القصيدة حتى قرب نهايتها، لنقف على ما تفصح عنه القصيدة في حالتين : (حيث لا ينبت العشب) و(حيث لا يصهل النهر) فذاك يعني الخواء والعدمية والموت. وهو يعني وقوع الحاضر أسيراً للفوضى المدمرة وحصار إنسانية الفرد وإهانتها:
لكن في المقابل فإنّ “حيث الظرفية” ترثي زمناً كان غير هذا الزمان القحط. ترثي زمناً كان أنضر وأجمل. ولإيضاح هذه المقابلة فإن الشاعر يستخدم للمعنى المبهم الفعل الماضي “كان”. فبدلا من جفاف الأرض حيث لا يجري النهر ويعربد فلا ينبت العشب في الحاضر فتكون النتيجة موت الحب (لا تتصابى الصبايا) وموت الحكمة ومعاني الجمال (ولا يستيبين الكلام)- بدلاً من هذه العدمية والموت في الحاضر حيث يستخدم المضارع في (لا تتصابى…) و (لا يستبين….) نجده في المعنى المقابل لمغزى القصيدة يشير إلى جمال الدنيا والحياة حين كان كل شيء له طعم الحياة:
فضيلي جمّاع
fjamma16@yahoo.com
لا توجد تعليقات
