قالت سعاد إبراهيم أحمد لوردي إنت لا فنان الشعب ولا الله قال .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
كنا نعرف في النصف الأول من ستينات القرن الماضي أن الشاعر محمد مفتاح الفيتوري بين ظهرانينا. وكان قد عاد إلى السودان بعد إكمال تعليمه في مصر. ولم نعلق في الجيل اليساري على وجوده أهمية ما إذ كنا نعد وجوده زي عدمه. بل كنا متى ذكرناه نسبناه إلى زوجه آسيا عبد الماجد وكانت ممثلة حسنة الأداء. ما أسقمنا منه أنه كان يحرر مجلة ”هنا أم درمان” الحكومية في عهد اللواء طلعت فريد. ولم تكن مجلة ”هنا أم درمان” ولا حكومة طلعت فريد عندنا بكبير شيء. وأذكر أنه كان يكتب افتتاحيتها بعنوان ”أفكار لها سيقان”. وأعجبني العنوان سراً وأخذني مني. ولم تبق في ذاكرتي من نصوص افتتاحياته شيء ولا أعرف إن كان نوه فيها بحكم ”عصابة 17 نوفمبر” أو أشاد به.
وكنت ألقى المحمدين سراً ويحسنان إليّ بطيب الطعام والشراب. وكنت أجدهما كما عهدتهما مثلاً في النبل وحب السودان. ولم يكن بمقدورهما بالطبع النأي من لطعات النظام الأخرق خلال تأديتهما لخدمتهما للوطن في ملابسات استشرى الاستبداد حتى “عيّن”للناس أحزابهم. بل وكنت أنا سراً وعلناً مع اتفاقية سلام الجنوب. بل كان رأيي أنها لم تمنح الجنوبيين استحقاقهم الثقافي كما ينبغي. والأدهى أن الجنوبيين، الذين أثاروا ثائرة الحرب الأهلية في الستينات باسم ثقافتهم الأفريقية، قبلوا بمطل القوميين الشماليين وكفوا عن الحديث عن ثقافتهم متى اقتسموا السلطة (كراسيها) والثروة. وقد كتبت عن هذا في كتابي ”الماركسية ومسألة اللغة في السودان” الذي صدر في 1976 وجددت طبعه منذ سنوات.
و”وقع لي”بسيرة الفيتوري مع نظام عبود المعني العربي القديم عن أن أكذب الشعر أعذبه. فقد عاش الفيتوري خلال نظام عبود بغير نأمة نضال ضده. بل كان يترأس تحرير مجلة تصدر عن وزارة الاستعلامات والعمل بهمتها المعروفة في ترويج النظام. ثم لما ذهب النظام كان ما كتبه هذا الشاعر خامل الذكر في مضابط النضال وأنواطه هو ما جَيش العاطفة السودانية السياسية على صعيد واحد. ربما لم يكن الفيتوري من صناع أكتوبر ولكنه صنع ما بقي وسيبقي من ثورة أكتوبر وهو توقيعها الأشم في وجدان شعبنا إلي يوم الدين.
لا توجد تعليقات
