kamalalhidai@hotmail.com • يحزنني كثيراً حال بعض صحافيي بلدنا. • كثيراً ما سألت نفسي: “متى يصحو الضمير الإنساني لدى هؤلاء”. • فحين تقرأ لبعضهم مقالات مليئة بالتلاعب بالكلمات حول حالة اقتصادنا ومعيشة أهلنا الضنكة تتحسر على الحال الذي بلغته صحافتنا. • فلا يعقل أن يناقشوا مشكلة الاقتصاد من زواياهم الخاصة متجاوزين عن عمد أصل المشكلة وأس البلاء. • يشد بعضهم من أزر حكومة تقرر منع الناس عن أموالهم المودعة لدى البنوك. • ويثني البعض الآخر منهم على قرارات حكومية مجحفة مثل منع الناس عن بيع الأراضي والعربات بالنقد. • يدعون ويكذبون ويتظاهرون بأنهم على فهم راقِ للمسائل الاقتصادية. • ويذهب جزء منهم لأبعد من ذلك، مشيرين إلى أن مثل هذا القرار تأخر كثيراً، وأن الحكومة كان يفترض أن تطبقه من زمن بعيد. • لا أدري ما إذا كانوا ينطلقون في مثل هذه الكتابات من حقد وكره لإنسان بلدهم الذي يكابد ليل نهار، أم أنه النفاق، أم ماذا؟! • إذ كيف يطالب صحافيُ يزعم أن قلمه حر ووطني بأن يبيع المواطن العادي ممتلكاته بالشيكات، في حين أن الحكومة نفسها لا تطبق أنظمة الدفع الإلكتروني. • مساء الأمس حدثني أحد أقاربي بأنه عانى الأمرين عند ترخيص عربته. • فقد كان المطلوب منه مبلغ 600 جنيه، ظن أنه يستطيع أن يدفعها ببطاقة البنك. • لكنه تفاجأ بأن الجهة الحكومية المعنية بترخيص المركبات لا تستلم أموالها إلا نقداً. • حاول معهم كثيراً، لكنهم أكدوا له أن كثرة النقاش لن تجدي وما لم يدفع الـ 600 جنيه عداً نقداً، لن يستطيعوا مساعدته. • فتخيلوا ماذا فعل هذا المواطن المغلوب على أمره كسائر أهل السودان؟! • توجه إلى صيدلية بالشركة التي يعمل بها لعلمه بأنها تتعامل مع موظفي الشركة بالبطاقة. • وانتظر هناك لساعات، وكل ما دخل أحد زملائه من الشركة لشراء دواء من الصيدلية كان يدفع له ببطاقته ويستلم منه النقد. • وبعد أن اكتمل مبلغ الـ 600 جنيه طار فرحاً إلى سلطات الترخيص وأنجز مهمته. • فكيف بالله عليكم مع مثل هذا الوضع يتجرأ صحافي ليحدث الناس عن سلامة قرار منع بيع الأراضي والعربات بالنقد؟ ! • ألا يستحي هؤلاء من أنفسهم وهم يحاولون إيهام الناس بأن التطورات الإقتصادية الحاصلة في العالم تفرض علينا أن نتعامل إلكترونياً عند الدفع؟! • معلوم أن كل بلدان العالم التي طبقت أنظمة الدفع الإلكتروني بدأت بالحكومات، إلا في سودان الأكاذيب والضلال والفساد. • ليس منطقياً أن تطالب بعض المؤسسات الحكومية بأموالها نقداً، وفي ذات الوقت يكتب بعضنا مشيداً بمثل هذه القرارات التعسفية المجحفة التي تمنع الناس عن أموالهم وحقوقهم المشروعة. • لكن هؤلاء النفر من أهل المهنة – التي يتفرض أن تصطف مع المواطنين لا أن تكون عليهم – لا يهمهم فيما يبدو سوى إرضاء أولياء النعمة. • فمن يثري فجأة هكذا ويطل علينا مثل النبت الشيطاني، لا يمكن أن يشعر بذرة حياء أو وخزة ضمير. • صار الكذب والنفاق جزءاً أصيلاً من حياة هذه الفئة من صحافيي هذا الزمن الأغبر، لدرجة يظنون معها أن دار الفناء التي نعيشها دائمة. • ألا يتذكر هؤلاء ولو للحظة أن الموت قادم لا محالة؟! • ألا يخافون من ذلك اليوم المشهود الذي سيلاقون فيه ربهم؟! • ألا يحمل الواحد منهم بين ضلوعه قلباً ينبض وضميراً يصحو ولو لدقائق معدودة كل يوم لكي يشعروا بالكم الهائل من المآسي التي يعيشها أهلهم في هذا السودان؟! • يحدثوننا عن إجراءات تعسفية، زاعمين انها ستساهم في حل المشكلة الاقتصادية المستفحلة.. • ويكثرون من التنظير حول الحلول والتفكير الخلاق لرئيس الوزاء الجديد.. • ويناشدون الحكومة بأن تغري المغتربين لكي يحولوا مدخراتهم عبر المؤسسات المصرفية الرسمية في البلد، حتى يزيد الدخل القومي. • يتناولون مثل هذه الحلول التي تأتي على حساب مواطنين مغلوب على أمرهم، مع التغاضي المتعمد عن الأموال المنهوبة والمؤسسات الوطنية المباعة والثروات المعدنية التي يتم تهريبها ليل نهار. • بدلاً من التنظير الفارغ والكذب الصريح كان عليهم أن يتناولوا أمر البنوك التي أفلست بفعل فاعل. • حدثونا عن (مستر) فادي وقصة بنك الخرطوم. • أكتبوا لنا عن الأسباب التي تمنع مطاراً يتوسط قارتنا السمراء من أن يكون معبراً لآلاف الطائرات وملايين المسافرين. • بالأمس حدثني أحد الاقتصاديين ذوي الخبرة في المجال بأن مطار الخرطوم كان مهياً لأن يحقق 30% من الدخل القومي للبلد. • فما الذي حوله إلى أسوأ مطار في المنطقة بدلاً من أن يكون وجهة جاذبة؟! • تحلوا بالشجاعة اللازمة للكتابة حول الثروات غير المستغلة في البلد من قطن وصمغ عربي وخضروات وفاكهة. • تكلموا عن أسباب تصدير الماشية الحية بدلاً من ذبحها محلياً وتحقيق الفوائد التي يجنيها بدلاً عنا من يستوردون ماشيتنا حية. • أسمعونا أصواتكم حول الفساد الذي أفقر البلد وإنسانه. • وإن لم تملكوا الشجاعة والجرأة لقول كلمة الحق، فليس أقل من أن ( تنقطونا بسكاتكم) لأن ما تكتبونه لا يمت للصحافة بصلة والله، بل هو….