“مناجم الملك سليمان” لرايدر هقارد: الأسطورة كمرجعيَّة تأريخيَّة ودينيَّة للاستعمار (1/3) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
وإذ نحن في مرحلة الصبا ومقتبل العمر في قرية سلارا في ديار قبيل الأما (النيمانج) في جبال النُّوبة. وها نحن إذ كنا نتعلَّم اللغة الإنكليزيَّة والمواد الدِّراسيَّة الأخرى على أيدي أساتيذ أفذاذ، ومنهم على سبيل المثال حمودة خليفة، وأندل النُّوبي كنقر سالمون، والضي الإمام، ومحمد عبد القادر، ومحمد عثمان ميرغني، وحسين أبو منقة، والسمَّاني وغيرهم، أمدَّ الله في أعمارهم وأسعدهم الرَّب بكل خير أينما كانوا؛ وإذ نتذكَّر – ما نتذكَّر – أنَّ أستاذنا الجليل أندل النُّوبي كان مصارعاً فذاً لا يشق له غبار. ونتذكَّر أيضاً أنَّ ما تعلَّمناه منه، وأخذناه على لسانه، أو من الأساتذة الأجلاء الآخرين، هو ما تسلَّحنا به علماً لا مالاً في حياتنا التي نحيياها اليوم. وبعدئذٍ تفرَّقنا أيدي سبأ، فمنا من انخرط في السلطة الغشوم، ومنا من شغل نفسه بكسب المزيد من العلم زاهداً عن طلب الغنى، ومنا من شغل نفسه عن مطالب العلم بالوفر، حتى دان للبعض حظٌ من الجاه والثراء، وبات للبعض الآخر حظٌ من العلم والفقر. ولله در الشَّاعر العاملي – نسبة إلى قبيل “عاملة”، وهو قبيل يماني من العرب العاربة، الذي نزح من اليمن في القرن الخَّامس عشر الميلادي، واستوطن في منطقة “بنت جُبيل” في جنوب لبنان – حين قال:
مهما يكن من أمر، فها نحن يومذاك نتتلمذ في المدرسة الثانوية العامة (المتوسَّطة) في السنة الأخيرة من العام الدِّراسي 1974-1975م، حيث كان من ضمن مقرَّرات الأدب الإنكليزي كتاب “مناجم الملك سليمان” (King Solomon’s Mines) للرُّوائي الإنكليزي هنري رايدر هاقارد، والمنشور العام 1885م. ثمَّ كان عقبال الكتاب لنفس الكاتب هو “ألان كواترمين (1887م)” (Alan Quatermain)، ثمَّ رواية ثالثة هي “جين أير (1847م)” (Jane Eyre) للرَّاوية الإنكليزيَّة شارلوت برونتي، وهي من أسرة ريفيَّة في مقاطعة يوركشير الغربيَّة الإنكليزيَّة، التي أنتجت إخواتاً كواتباً. وفي صيف العام 2017م عدنا إلى قراءة ثانية لرواية “مناجم الملك سليمان” لنختبر فهمنا، ولنعتبر درسنا بعد هذا العمر المديد، أي بعد أكثر من أربع حقب، وبعد أن مكثنا في بلد الإسكوتلنديين والإنكليز ما يقارب ثلاث حقب حسوماً، وذلك كذلك بعد أن خبرنا طرائقهم، وعرفنا سلوكهم، وألمَّينا بشيء من لغتهم وثقافتهم وأسلوب حيواتهم، ونظرتهم للآخر، وبخاصة في القرن التَّاسع عشر حين نُشِرت هذه الرِّوايات في أول الأمر وتمَّت إذاعتها في النَّاس، وحين شرع الأوربيُّون يتسابقون إلى استعمار إفريقيا، والاستحواز على مواردها وثرواتها. إذاً، ما هي قصة رواية “مناجم الملك سليمان” أو بأسلوب آخر عمَّ تتحدَّث هذه الرِّواية، وإلام كانت تهدف، ثمَّ علام ابتنى الكاتب روايته تلك؟
على أيِّة حال، فقد كان منظراً بهيجاً أن ترى هذه الكتائب الباسلة يأتين حيناً بعد حين فوق موانع موتاهم، وفي بعض الأحايين يرفعون جثامينهم لاستخدامها كدروع جسديَّة ضد طعنات حراب جيوش إقنوسي، ولكن سرعان ما تقع جثامينهم لتزداد تعداد أرتال الجثامين الملقاه على الأرض قبلئذٍ. وكان الشيء الشهير أن تسمع إنفادوس، ذلكم المحارب العجوز الذي لا يعرف الاستسلام أو لا يجد الاستسلام إليه سبيلاً، وبشيء من البرود شديد وكأنَّه في عرض عسكري، يصرخ آمراً حيناً، وموبِّخاً حيناً آخر، ومتفكِّهاً في بعض الأحايين، وذلك كله لرفع الرُّوح المعنويَّة لرجالة القلائل المتبقين؛ وكان كلَّما اندفع المندفعون إلى الأمام، تجدنَّه قد قفز إلى حيث يكتظ القتال ليساهم بشراكته في صد الأعداء الغائرين. ثمَّ كان حين يرى القوم أقبل جمعهم يصرخون استدار وكرَّ ولم يفر، وشرع يرميهم بالحراب ويقطِّعهم بالحسام، حتى وجد نفسه مولجاً بخوض شتى أنواع المعارك.
لا توجد تعليقات
