محمد صالح محمد
في عوالم الحب ثمة مسافات لا تُقاس بالكيلومترات بل بمدى الشرخ الذي يتركه الغياب في جدار الروح. وحين يكون المبتدأ وطناً والخبر امرأة تمثل ذلك الوطن بكل تفاصيله يصبح العشق حالة من الاستشهاد اليومي على أرصفة الحنين.
شتات المسافة.. ووحدة الشعور
ليس أصعب على المرء من أن يجد نفسه عالقاً في برزخٍ بين ذاكرة ممتلئة وواقعٍ فارغ.
الهجران ليس دائماً خياراً أحياناً تسرقنا الظروف وتنفيني المنافي بعيداً عن ملامحك التي كانت خارطتي الوحيدة.
لكن، هل يمحو الغياب أثراً حُفر بالقلب؟ الإجابة تكمن في تلك الغصة التي تخنق الحلق كلما مرّ طيفك في زحام الغرباء.
أنا ما بحبك.. أنا بعشقك
الحب كلمة استُهلكت كثيراً باتت باهتة لا تليق بحجم الثورة التي تشعلينها في داخلي. لذلك أقولها بملء الانكسار واليقين “أنا ما بحبك”. الحب قد يضعف وقد يمل وقد يشيخ. أما العشق فهو الانصهار التام، هو الغرق الذي لا نجاة منه وهو التمسك بالسراب لأن فيه رائحة منكِ.
عشقي لكِ يا زولة يتجاوز منطق العقل؛ فهو عشقٌ حزين لأنه يتغذى على الأمل المستحيل ورومانسي لأنه يقتات على فتات الذكريات.
أعشق فيكِ تلك القوة وذلك الصمت الذي يخبرني بالكثير رغم الصدود. أعشق فيكِ ملامح “البلد” التي أراها في عينيكِ كلما أغمضت عينيّ لأهرب من واقعي المرير.
أنين الهجران.. وكبرياء الحنين
رغم أن الهجران قد مزّق أشرعة اللقاء ورغم أن البعد قد بنى أسواراً من الصمت إلا أن جذوركِ في أعماقي تزداد عمقاً. يقولون إن البعيد عن العين بعيد عن القلب لكنهم لم يدركوا أنكِ سكنتِ “العين” حتى غدوتِ الرؤية ذاتها.
كل رسالة لم تصل وكل كلمة حُب وُئدت في مهدها هي دليل على أن هذا العشق أكبر من أن تحتويه السطور. يا زولة في غيابكِ يصبح الوقت ثقيلاً وتصبح الأماكن باهتة لكن يظل يقيني واحداً أنني رغم الوجع ورغم النوى، ورغم مرارة الهجر لا أملك إلا أن أستمر في هذا العشق المجنون.
إن كتابة الحزن بمداد العشق هي محاولة بائسة لترميم روحٍ انكسرت خلف رحيلك. سأبقى هنا في محطة الانتظار التي هجرها الجميع أحمل لكِ في قلبي عهداً لن يخلفه الزمان أنني ما أحببتكِ يوماً كعابر سبيل بل عشقتكِ كوطنٍ لا بديل له وكمصيرٍ لا مفر منه.
فجرٌ يلوح من بين شقوق الغياب ..
لكن، وبالرغم من كثافة هذا الحزن الذي يغلف أيامي يظل في أعماق الروح بصيص من ضوء لا ينطفئ؛ ضوء يُخبرني بأن الأقدار التي كتبت علينا الفراق هي ذاتها التي تملك سرّ اللقاء.
فالعشق الذي يسري في دمي يا “زولة” ليس موتاً بطيئاً بل هو طاقة حياة تتجدد مع كل نبضة، وأملٌ ينمو كزهرة برية شقت طريقها من بين صخور الهجران القاسية.
أؤمن يقيناً أن المسافات مهما تطاولت ما هي إلا اختبار لصدق اليقين. سأظل أراقب الأفق بعينين ملؤهما الشوق وفي قلبي نبضٌ لا يعرف الاستسلام بانتظار اللحظة التي تذوب فيها أسوار البعد ونلتقي كما يلتقي المطر بالأرض العطشى. فمن يعشق مثلي لا يعرف لليأس طريقاً ومن تكون “الزولة” هي ملهمته يظل قلبه أخضراً بالحب و عامراً بالأمل ومستعداً لاحتضان الفرح في أي لحظة.
أنا لا أنتظر نهاية حزينة بل أنتظر بداية جديدة تليق بعشقٍ تحدى المستحيل وانتصر.
binsalihandpartners@gmail.com
