مناظير الإثنين 19 أكتوبر، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- سيحتاج السودانيون إلى سنوات طويلة جدا للتخلص من آثار الحرب النفسية والاجتماعية، خاصة الذين عاشوا القصف والنزوح والجوع، وشاهدوا القتل والدمار وعجزوا عن حماية أنفسهم وذويهم، وفقدوا أفراداً منهم، وستظل التجارب التي مروا بها حاضرة في حياة كثيرين منهم، تؤثر في علاقاتهم الأسرية والإجتماعية وفي شعورهم بالأمان والثقة بالآخرين.
- قد يظل البعض في حالة رعب دائم أو اكتئاب حاد، وقد تفقد أم رغبتها في الحياة او قدرتها على رعاية اطفالها، وقد يكبر طفل حُرم من والديه وهو يعاني الخوف والغضب وعدم الثقة بالآخرين، وقد يتحول الضغط النفسي إلى شجار وعنف وهياج وقتل، وغيرها من العواقب والآثار التي قد تستمر سنوات، وتمتد آثارها إلى أبناء الذين عاشوا المأساة.
- من أخطر إفرازت الحرب الآن في السودان انتشار السرقات تحت تهديد السلاح، وتعرُض الكثيرين للقتل بسبب هاتف أو مبلغ ضئيل من المال، ووقوع العديد من حوادث الإغتصاب والعنف الأسري والسطو المسلح وإطلاق النار لاتفه الاسباب، ولم يعد الخطر محصوراً في مناطق الاشتباكات، بل صار في كل مكان، ويخشى الكثيرون الخروج من منازلهم أو حمل نقودهم او هواتفهم في الخارج !
- تؤكد التجارب في الكثير من الدول أن آثار الحروب لا تنتهي بتوقف القتال. ففي ليبيريا، على سبيل المثال، أثبتت دراسة وجود إرتباط وثيق بين التعرض للعنف خلال الحرب وارتفاع مخاطر العنف بين الزوجين بعد انتهائها بسنوات بنسبة تزيد عن 50 %، وكشفت دراسات في رواندا ارتفاع نسبة الجرائم المسلحة والعنف الأسري والانتحار وحالات الإكتئاب الحادة والمزمنة وعدم الرغبة في الإنفاق على تعليم الأطفال، بسبب الحرب الأهلية. أما في البوسنة والهرسك، فقد ارتفع عدم الثقة بشكل حاد بين المواطنين والمجموعات الإثنية بعد الحرب، وأصبح ترميم العلاقات الاجتماعية أمرا في غاية الصعوبة، تنفق عليه الدولة امولا ضخمة وجهودا جبارة بدون حدوث نتائج ايجابية!
- السودان ليس بمنأى عن هذه العواقب، فقد عاش الناس حرباً شهدوا خلالها القتل والنهب والاغتصاب والنزوح والجوع، وفقد الكثير من الأطفال أسرهم أو انقطعوا عن التعليم، وقد تظهر آثار هذه التجارب لاحقاً في الصحة النفسية والسلوك والعلاقات الأسرية، حتى لدى الذين لم يتعرضوا للعنف المباشر!
- ومن المؤسف أن يدعو بعض السودانيين إلى استمرار الحرب وهم بعيدون عن الحرب والقصف والجوع والنزوح وفقدان الأحبة، لا يتحملون ما يتحمله المواطن داخل السودان، ولا يواجه أبناؤهم ما يواجهه الأطفال الذين يعيشون بين الخوف والحرمان من الاهل، بدون ان يعلموا إن استمرار الحرب تعني المزيد من المعاناة التي يدفع ثمنها السودانيون اليوم وغدا ولأجيال كثيرة قادمة، ومن بين الذين سيدفعون الثمن هم أنفسهم واولادهم واحفادهم !
- إن الدمار الذي تتركه الحرب لا يُقاس بعدد الذين قُتلوا وتشردوا وجاعوا، ولا بالبيوت والمستشفيات والمدارس التي تهدمت فقط ، فهناك أيضاً ما تتركه الحرب في نفوس البشر، وقد يكون علاجه أصعب وأطول زمناً من إعادة بناء البيوت والمدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء!
