آن لنا أن نمد أرجلنا .. بقلم: د. هشام مكي حنفي
25 أغسطس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
27 زيارة
منتصف التسعينات كنا في معسكر للخدمة الإلزامية و قد كنا مجموعة من خريجي الجامعات من تخصصات مختلفة، تعرفنا عن قرب على مجتمع مغلق له طرق مختلفة في الحياة سمعنا عنها من قبل بكل تأكيد، لكن تجربة معايشتها كانت أمر آخر. من الأشياء التي لا أنساها و لا ينساها من مر بتجربة التجنيد العسكري ما يعرف عند الجيش ب (كلام الجيش الفارغ)، هكذا يسمونه، و رغم غرابة التوصيف إلا أنه في الواقع أكثر فراغاً مما قد يعتقد المرء. كثيراً ما تعرضنا لطابور (الكلام الفارغ) و الذي يُعقد على سبيل التأديب للمجندين، و يكون بإيقافهم في طابور لمدة طويلة و إسماعهم لغواً لا طائل منه سوى إثبات أن الأعلى منك رتبة له حق أن يسمعك ما يشاء و ليس لك سوى السمع و الانصات، كما أنه وسيلة لكسر الأنفة الشخصية و إلغاء رفاهية الاختيار بين ما تود سماعه و ما لا تود، فكل ما يصدر عن من هو أعلى منك رتبة يعتبر كلاماً واجب السماع و إن كان كلاماً فارغاً، و من الممكن أن يقوم على هذا الأمر ضابط عظيم أو مجرد وكيل عريف لكن المدهش أنهما يفعلانه بنفس الكفاءة و بذات المعايير مما يجعلك تتساءل، لماذا يحمل ذاك شارات معدنية على كتفيه و هذا لا؟ و طابور الكلام الفارغ هو أن يشرع هذا الذي مصيرك بين يديه في قول أي شيء عن أي شيء بلا تردد و بثقة تهز ثقتك في كل معارفك المتواضع منها و الرفيع. هذا الطابور يمثل كابوس للمجندين في أول أمره، لا سيما من تلقى شيء من العلم و لديه عقل يحلل و يقارن، لكنه يتحول لحسن الحظ بعد فترة لمادة ثرَّة للتندر و لأنس الأيام القادمة، إلى أن ينعم علينا أحد التعلمجية بطابور آخر مشابه فيما يظنه عقاب لا يعرف أنه تنفيسٌ لنا، فهذا الشخص الذي يسومك عسفاً و رهقاً يتهاوى بين ناظريك بينما يظن أنه يتعالى و هكذا ينهزم و تنتصر نفسياً بلا كبير مشقة منتظراً أن يحل يوم خلاصك قريباً.
عندما يتولى خصمك هزم نَفْسَه بِنَفْسِه فإنه يريحك و يكفيك شر المهمة البائسة. لذا فعلى السودانيين اليوم أن يشكروا من أهداهم مادة للتداول المرح و أبان لهم أن ذاك الذي كانوا يحسبون له حساب لم يزد عن أن يكون منسأة مهترئة تداعت بمجرد أن خرج رئيس الوزراء مخاطباً الناس تلميحاً، فماذا لو كان أبان و أفصح، إذاً لتهاوت بيع و صوامع يُذْكر فيها اسم الجيش كثيراً.
kutubi2001@yahoo.com