تقديم:
“جانا الصباح، لقانا غرقانين موات وذهاب حواس . قال لينا: جيت ليكم صلاح و أخوانه شان تغشاكم الحسرة وتعرفوا الفرقة صاح. وضيعة النفس العزيزة ماها البتفتح من ظلام الغُل براح. وفرقة الجنا من هتاف، فزعة الجنا ما عندو غير روحاً كبيرة وبالمعاني مدّجنة، وكتين صحا على صوت سلاح، هداك جداول دموه ساح. ما استغلى شي على درب الخلاص. والفُرقة، برضو، أريحية أم بتهديكم أمانيها لإبنها البتتضارى بيهو من غدر الزمن وتشوفو دم سكبو الرصاص. يا فرقة الجنا، يا آهة ساكنة وممعنة، لما ينفض المسامرين بالحزن يتلاشى كون من غير غنا. لما الحشا وحرقة نواحيو تبقى منتزه البواح. والقول بدون فعل يبقى صاح. زارنا الصباح.”
ما لم يعرفه الشهداء
إن الطبيعة السودانية أو بتعبير أدق القبلية والعشائرية والطائفية، كل هذه الملامح الكالحة ستعود لرفع شعار (عفا الله عما سلف) بعد سقوط النظام الاسلامي الوشيك.
يؤسفني أن شهداءنا في كل نواحي وأركان الوطن سيطويهم النسيان ما خلا بعض آهات وحسرات هنا وهناك. ما لن يعرفه الشهداء هو أننا لم نتعارف على صيغة للعفو تسقط العقاب، هذا ان كنا أجبنا بشكل عادل على السؤال مَن يعفو عن مَن.
ولست قانونياً لأحدّد الوصف القانوني للمصالحة ولكن دعني أقول ونحن نرقب تململ النظام والتوجه المتوّقع لقوى بعينها نحو مد طوق النجاة له من باب انتماء عريض ومستهجن يقوم على مشترك الدين. أقول هذا الانتماء زائف وتحت عباءته سيتم العفو وخيانة الدماء. وما يقوم به النظام ومشايعوه من بلبلة واشاعات وتجميع للقوى على أساس الاتفاق في الدين والعقيدة. كل ذلك لا يتم فقط لإطالة عمر النظام ولكن أيضاً لتشكيك العامة في صحة مطالبهم وبالتالي لعودة ظافرة للشعار المعادي للجماهير وللديمقراطية: عفا الله عما سلف. وحتى لو تواضعنا على الصلح فكيف سيكون الإعتذار وبأي آلية ديمقراطية؟
علينا أولاً أن نمحو أي قداسة أو ورع أمام هذا الشعار نفسه. والافصاح عن عدم الاعتداد به. نحن أمام قتلة حقيقيين دونهم ليس القصاص الأكيد لأن هناك شبح العفو المجاني السوداني الذي اعتدنا عليه منذ الدكتاتورية الأولى. إن عفواً لا يستصحب توبة لا يؤهل أهل هذا النظام للحياة بين الناس. والتوبة التي أتحدث عنها ليست هي ممارسة أو شعيرة دينية. بل هي آلية سأساهم في تصميمها ليعمّدها أهل القانون فيما بعد. يجب أن نعمل منذ الآن على انشاء مفوضية الحقيقة والمصالحة على غرار ما تم في جنوب أفريقيا. وج أفريقيا مثال تاريخي في هذا الشأن. أمام هذه المفوضية يقف، بأمر قانوني، كل الذين أمروا وفعلوا وقتلوا. وأمامها يحكوا ما فعلوه.
إننا في مقابل اذلالهم بهكذا اجراء نقدم التنازلات التي تجعل العفو سلوكاً موضوعياً فنحن نتنازل عن حق الثأر، ونعيد اعتبارهم بشراً رهن التخلص من جرائمهم، ونصدق في ذلك.
قبل أسابيع قليلة قام عدد كبير من الذين أصدروا أمر اطلاق النار والذين نفذوه في أوكرانيا بالتعبير عن أسفهم على ذلك وتم تصوير حشدهم وهم في حالة ركوع واعتذار.
اعتذار شرطة أوكرانيا عن قتل المتظاهرين <http://youtu.be/AQQvKpKUvG8>
ولا يظنن أحد أن هذا عمل ساذج بل فيه ما يخفف على أهل الشهداء ويطّهر المعتذرين أنفسهم. علينا، ان لم نوفق في الضغط لمحاكمة القتلة ومن نفذوا القتل أن نطرح وبحدة اعتراضنا على أن يعيشوا بيننا كمواطنين عادين. والاعتذار أعلاه وأشكال أخرى شبيهة وشعبية يمكن أن تنشأ. علينا أن نحدّد معاني الأشياء. فما هو العفو وماهو الصلح وماهو المعنى المدني المعاصر للقصاص. ولا أتحدث عن المعاني بإطلاق ولكن فيما يجود به سياق الأحداث في بلدنا. كيف ومتى يمكن أن نطرح برنامجاً لإعادة تأهيل اجباري وتحت رقابة مشتركة حكومية وشعبية ولتقريب الفهم لفكرة اعادة تأهيل زبانية النظام وتابعيه دعني أستدعي مثالاً عن كيف يتم ضبط الأداء المهني في المجتمعات المستقرة في أمريكا، كندا وغيرهما.
فالطبيب الذي أساء معاملة مريضه وبعد الالمام بالقضية كلها وبغض النظر عن تحويلها للقضاء، هذا الطبيب ملزم بحضور كورسات حول هذا الأمر نفسه ومرور اختبارات في مذكرات تُقرر عليه. شيئ شبيه لهذا يمكن أن نطوّر ملامحه ونطبقه في حالة العجز عن المحاكمات القضائية. وبالطبع هناك أفكار كثيرة ولكن لابد أن ننطلق من مقاومتنا لفكرة طي الماضي وخيانة الدماء وكسر خواطر الأمهات.
مصطفى مدثر
عن حركة أخذ حقوق شباب سبتمبر (أخْذ)
mudathirmustafa@gmail.com
————
* عضوية (أخذ) حتى الآن لم تصل العدد الذي يستدعي انطلاقها بصفحة خاصة بها على الفيسبوك. لماذا لا تنضم لنا؟
mudathirmustafa@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم