بقلم: هشام الحلو
يطل علينا اليوم المخرج السينمائي السوداني الكبير وجدي كامل، بصوته البصري العذب ورؤيته الإخراجية النافذة التي طالما أغنت المشهد الثقافي والسينمائي، ليقدم لنا نصاً سردياً مدهشاً يغوص فيه في زوايا الذاكرة الأولى، وحكايات الطفولة، ووجع الوطن.
تُعد قصة “أربع أرجل للزمن” للكاتب والسينمائي وجدي كامل، التي نُشرت في صحيفة “الأهرام المصرية” وأعيد نشرها في صحيفة “مداميك”، نصاً سردياً ذاتياً محملاً بالشجن الإنساني والعمق الوجودي؛ فلا تقف القصة عند حدود حكاية طفل وكلبه، بل تتجاوزها لتصبح مرآة تعكس تحولات الوطن، وقسوة الفقد، وتأثير النزوح والشتات في الوعي الإنساني المتقدم في العمر. لقد كُتب النص بأسلوب يمزج بين الواقعية الحزينة والشفافية الشعرية، مستعيضاً عن الحدث الضخم بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الذاكرة.
يحمل العنوان “أربع أرجل للزمن” دلالة مركبة وموحيّة؛ فالزمن مجرد، عابر ولا يرى، لكن الكاتب يمنحه “أربع أرجل” ليتحول إلى كائن حي، أو بالأحرى إلى كلب يرافق الإنسان في رحلته، يركض معه أو يطارده. يرمز الرقم أربعة هنا إلى الثبات والحركة معاً، وإلى مرحلة الطفولة التي تبدأ غالباً بالحبو على أربع، أو إلى رفيق الدرب الحيواني. ويربط الكاتب نصه بتوثيق زمني في الحادي والثلاثين من يوليو لعام ألفان وستةوعشرون، مما يربط النص بلحظة راهنة وموجعة تمثلها ظلال الحرب والشتات التي أخرجت السودانيين من ديارهم لتعيد صياغة علاقتهم بالأمكنة والذكريات.
تمر القصة بثلاث محطات أساسية تشكل قوس النجاة والانكسار في حياة الراوي وجدي كامل؛ تبدأ المحطة الأولى في حي صغار الموظفين بالخرطوم، حيث تنكسر علاقة الراوي المضطربة مع الكلاب بفضل هدية الجار سليمان النعروتي. يمثل الجرو الأرقط نقطة مضيئة في حياة طفل يتيم ووحيد، بينما تمثل تحذيرات الأم رؤية الكبار الواقعية بأن الكلاب تشب على الطوق حين تكبر، وتصبح لها قلوب كالحجارة وأسنان من معدن، وهي نبوءة مبكرة بأن الجمال المفرط يحمل في طياته بذور نهايته المؤلمة. وتتشابك تفاصيل الحياة اليومية للحي مع الكلب، بدءاً من تعليقات الجار قسم السيد وصولاً إلى أغنية حليمة المغنية، ليصبح الكلب جزءاً من الهوية والظل.
أما المحطة الثانية فتمثل الصدمة وموت المعنى مع اختفاء الكلب المفاجئ الذي يعبر عن الخسارة الأولى في حياة الراوي. إن السر الذي تبوح به الأم بعد سنوات عن موته دهساً وإلقائه في بئر البيت يمثل نهاية قاسية للبراءة، ليقول الكاتب بليغاً إن الحزن صار له منذ ذلك اليوم شكل، وصوت، ونهاية، ولتحولت البئر القديمة إلى مقبرة للطفولة والسر الجميل. وتأتي المحطة الثالثة في المنفى بالمدينة الأوروبية، حيث تضع النقلة الزمنية الواسعة بعد نصف قرن بسبب حرب الخرطوم الراوي العجوز في مشهد متناقض؛ فهو في أوروبا حيث الكلاب رفاق مقربون للبشر، وهو ما يثير دهشته وحيرته مقارنة بثقافة بيئته الأصلية. ويقوم حوار الجارة الأوروبية جيني بإعادة إشعال الجمرة القديمة، في حين يعكس التردد الأخير في شراء جرو جديد عمق الصدمة النفسية؛ فاليد الخفية غير المرئية التي تمنعه هي يد التاريخ والذاكرة والفقد السوداني الذي لا يزال ينزف.
تتجلى الخصائص الفنية والجمالية في النص عبر اللغة الشفيفة والمجازات العميقة التي استخدم فيها الكاتب لغة غنية بالصور البصرية والسمعية، مثل السحب الخضراء، وصوت حليمة المعلق في الأزقة، وعيون الجرو المبتسمة. وتبرز ثيمة الموت والغياب بوصفها استعارة لفقد الوطن والأمان والطفولة، حيث يُعد الكلب معادلاً موضوعياً لكل ما فُقد في رحلة الحياة والحروب، إلى جانب المفارقة المكانية والوجدانية التي تنتقل بالراوي من فضاء الخرطوم الشعبي الحميم إلى فضاء المنفى الأوروبي البارد، ليظل رغم ذلك محبوساً في بئر الطفولة القديمة.
تنجح قصة “أربع أرجل للزمن” في النهاية في تحويل حكاية عابرة مع حيوان أليف ملتصق بالذاكرة إلى ملحمة إنسانية صغيرة تتحدث عن الخذلان، والنزوح، وقوة الذاكرة التي تقاوم النسيان، لتؤكد أن النصوص المكتوبة بمداد الروح تثبت أن الجراح القديمة لا تموت، بل تظل تنبض تحت جلد الزمن.
hishamissa.issa50@gmail.com
