أوّل غرام .. بقلم: عادل سيدأحمد

 

أظن إن إسمها (سوسن)، كانت تدرس في المرحلة المتوسطة بالمساء، كانت فاتنة في هيئتها و مشيتها و ضحكتها، و كان اللون البني الرسمي يليق ببشرتها القمحية المائلة إلى سمار… و يبدو أنها أحست أو عرفت، فقد كنت أنتظر قدومها من محطة المواصلات في إتجاه الغرب حيث تدرس، مروراً ببيتنا، حيث أنتظر، منذ وقتٍ طويل مجيئها… و معها رفيقاتها يتقافزن كالصيد البري…
كنت في تلك الفترة من حياتي (مرحلة الثانوي) أخاف من جنس النساء و أخجل من البنات… و لكن، يبدو أن حبي لسوسن قد كساني جرأة و إقدام، فكنت لا أتورع عن التحديق فيها و التملي في قسماتها وفي هيئتها الفتانة…. و كانت هي تبذل المزيد من الغنج حالما تصل قُبالتي… و مع ذلك لم أتحدَّث إليها إلا مرّة واحدة، و كانت تلك السانحة بموجب صدفة وجود (أحمد) الذي تربط أسرته بأسرتها علاقة نسب… كان واقفاً بجواري عندما قدمت سوسن و رفيقاتها… فبادرها، قاطعاً عليها الطريق، بالسلام… و بجاه الملوك، صافحتها بيد ظلت مرتعشة لزمن، أنا أيضاً…
و في الحقيقة، فأنني لا أزال أذكر طعم ذلك السلام، و ما زالت كلمات الترحيب الباشة ترن على مسامعي بالصوت السماوي المتسق مع البهاء و الألق الذي كان يفيض من سوسن.
و جربت، بعد تردد، أن ألقي التحية عليها و على صويحباتها… في اليوم التالي، رغم غياب أحمد، و لكنها أشاحت بوجهها عني، لينقطع حبل الوصل الوليد، و نعود غرباء، كأننا لم نتصافح بالأمس و نتعارف عن طريق (أحمد) على مستوى الأسماء… و نتبادل إبتسام المراهقين…
و قد إلتقيتها بعد سنوات، كانت تدرس الجامعة في كلية الآداب و كنت على مشارف التخرج من الهندسة، و شاءت الأقدار أن نجتمع في جو فرايحي و ودي، بوجود عدد من الأصدقاء المشتركين، و سلمت عليها، كمن يعرفها لسنوات، بإسمها، فأندهشت، و لكنها ابتلعت دهشتها على الفور… و رسمت ابتسامة ترحيب رسميّة و هي ترد السلام بعادية متوقعة…
و أقتربت منها، بالتدريج، محاولاً مخاطبتها، و ما أن جادت علي بأول كلمات، حتى أمطرتها بسيل الذكريات… و حكيت لها عن حبي لها من بعيد، و أنا أخفي إرتباكي بضحكات قصيرة … و غاصت سوسن في أضابير ذاكرتها، و رويداً رويداً افصحت عن تذكرها لتلك الأيّام، و لكنها خذلت ذكريات حبي بأن قالت لي:
– ما أنا، كانت معجبة بيك صفاء صاحبتي… و كنّا بنجاملها مخصوص و نمر بي قدام بيتكم!
– صفاء؟
– الأقصر مني، و سمينة شوية، اتذكرتها؟
و تذكرت صفاء صاحبتها، و أجبتها كطفلٍ ضاعت منه دمية العيد:
– آي … اتذكرتها…
و شعرت، لحظتها، أن سوسن خانتني، بأثر رجعي، و ندمت على ذكريات عزيزة، احتضنتها لسنوات، و شعرت بتوهان، فاعتذرت عن مواصلة الجلسة…
و من بعيد ظللت أرقبها، نفس الألق، و نفس بريق العينين، و ذات الإبتسامة الساحرة… و أسررت في نفسي غضباً و حنق على صفاء:
– الله لا يكسبك يا صفاء… ما لقيتي إلا أنا!؟

amsidahmed@outlook.com
///////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً