د. محمد عبدالله
قبل سبعة وخمسين عاماً، وتحديداً في مثل هذا اليوم من يوليو 1969، حبس العالم أنفاسه. كانت الصور التي نقلتها شاشات التلفزة آنذاك كافية لتجعل ملايين البشر يحدقون في السماء وهم يشهدون حدثاً لم يكن يخطر إلا في روايات الخيال العلمي. يومها أصبح نيل آرمسترونج أول إنسان تطأ قدماه سطح القمر، لتدخل البشرية مرحلة جديدة من تاريخها، وتثبت أن ما كان يُعد مستحيلاً يمكن أن يصبح حقيقة.
وفي اللحظة نفسها التي كانت فيها عدسات العالم مشدودة إلى كاب كانافيرال، كان رجل في مدينة بعيدة عن مراكز القرار العلمي يراقب الحدث بعين مختلفة. في أم درمان، المدينة التي أنجبت شعراء الحقيبة الكبار، لم ير إبراهيم العبادي في الوصول إلى القمر مناسبة للاحتفاء العلمي وحده، بل وجد فيها فرصة لطرح أسئلة عن الإنسان الذي حملته المركبة إلى هناك.
لم يكن العبادي خصماً للعلم، ولا مستنكراً لهذا الإنجاز الفريد. لكنه، بوصفه شاعراً، كان يرى أن كل انتصار يحققه العقل يستحق أن يرافقه سؤال عن الضمير. فما قيمة أن يبلغ الإنسان القمر إذا ظل عاجزاً عن إصلاح الأرض؟
لذلك لم يسأل عن تضاريس القمر، ولا عن صخوره، ولا عن جاذبيته، وإنما تخيل أنه يخاطب رائد الفضاء قائلاً: إذا وصلت إلى هناك، فانظر أولاً إن كانت عللنا قد سبقتنا.
قال:
يا الرحت القمر وافينا بالاخبار
هل لاقيت هناك سينما و لكونده و بار
و هل استقبلوك سكانه بى إكبار
و هل جَالسْ هناك نُساكه و الاحبار
و هل فيه آلات لى هلاك و دمار
و هل فيه طيار و اخوه ده الحَمَّار
و واحد باكى و واحد يضرب المزمار
هل فيه الطقوس تتوالى بارد و حار
و هل فى الجو نفوذ و اسيادا فى الابحار
و الغواص يغوص من صبحه للأسحار
يفتش فى الهلاك لا صَدَفة لا محار
هل الذرة اكتُشفت هناك أسرار
اعدت للرجم تحمل جحيم و شرار
و هل فى كل خرق عملت يد الاسرار
و هل ضاقت سماك محيطة بالأحرار
هناك الكلمة برضها للحديد و النار؟
و إعلام الضلال مرفوعة ليها منار؟
و مضطربى العقائد عبدة الدينار، برضه هناك لى سفن الرزيلة فنار؟
أما نحن رغم تقاصر الاعمار، نكب و نسوط و عاملين ليها توم و شمار.
إنها، في حقيقتها، ليست قصيدة عن القمر، وإنما عن الأرض.
فالعبادي لم يكن معنياً بما قد يجده آرمسترونج هناك، بقدر ما كان معنياً بما نحمله نحن إلى أي مكان نصل إليه. لذلك جاءت أسئلته كلها عن الحروب، والطمع، والنفاق، والدعاية، وعبادة المال، وكأن الشاعر يقول إن الإنسان لا يغيّر طبيعته بمجرد أن يغيّر عنوانه في الكون.
ولعل أكثر ما يثير الإعجاب أن هذه الأبيات قيلت قبل أكثر من نصف قرن، لكنها ما تزال تقرأ وكأنها كُتبت هذا الصباح. فما زالت أدوات القتل تتطور أسرع من تطور الضمير، وما زالت الكلمة في أماكن كثيرة خاضعة للقوة أكثر من خضوع القوة للكلمة، وما زال الإنسان يحقق انتصارات مذهلة في المختبرات، بينما يخفق في أبسط امتحانات العدالة والرحمة.
وليس من قبيل المصادفة أن تصدر هذه الرؤية من شاعر عاش في أم درمان، لا من فيلسوف في جامعة غربية أو باحث في مركز للدراسات الاستراتيجية. فالشعر، حين يكون شعراً حقيقياً، لا ينافس العلم في اكتشاف العالم، بل في اكتشاف الإنسان.
عاد آرمسترونج من رحلته محملاً بعينات من صخور القمر، أما العبادي فترك لنا ما هو أبقى: مجموعة من الأسئلة التي لم ينجح الزمن في إبطالها.
فالأحداث الكبرى، مهما بلغت عظمتها، تتحول مع مرور الأيام إلى مادة في كتب التاريخ، أما الأسئلة الكبيرة فتظل حية، لأنها لا تتعلق بزمن بعينه، بل بالطبيعة البشرية نفسها.
واليوم، بعد سبعة وخمسين عاماً على تلك الخطوة التي دوّت في العالم كله، تبدو المسافة بين الأرض والقمر أقصر كثيراً من المسافة التي ما زالت تفصل الإنسان عن إنسانيته.
وربما لهذا بقيت قصيدة العبادي حاضرة في الذاكرة، لا لأنها تحدثت عن القمر، بل لأنها تحدثت عنا نحن.
muhammedbabiker@aol.co.uk
