إرث علي محمود حسنين..! .. بقلم: مجاهد بشير
26 مايو, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
27 زيارة
لم يكن علي محمود حسنين، رئيس الجبهة الوطنية العريضة، ونائب رئيس الحزب الإتحادي الديمقراطي سابقا، سياسياُ نفعياً يمتطي صهوة الشعارات والمواقف يبحث عن ملء حساباته المصرفية ، والتقلب في المناصب والوزارات، واستغلال العمل السياسي كنشاط تجاري لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الشخصية والعائلية، بل ظل يدفع ثمن مواقفه المستقلة المعارضة للسلطات الفاسدة منذ فصله عبود من وظيفته العمومية كقاض في العام 1962م لإصداره أوامر بالقبض على مسؤولين ووزراء في قضايا ذات طابع أخلاقي.
ولم يكن علي حسنين سياسياً في جوقة الشموليين، بل بقي طوال مسيرته يصادم الديكتاتوريات السودانية المتعاقبة بالموقف والكلمة والمشاركة التنسيقية في الهبات الثورية المسلحة، ودفع الثمن سجناً وحكماً عليه بالإعدام من المحكمة العسكرية عام ١٩٧٦م.
فوجئت حين التقيته للمرة الأولى والأخيرة بمكتبه للمحاماة في الخرطوم خلال سنوات ما بعد اتفاقية نيفاشا للسلام، بخطابه السياسي الحماسي الذي يركز على افتقاد النظام للشرعية السياسية والقانونية، والطابع الإجرامي لسلوكه، رغم أنه حينها كان في مرحلة متقدمة من عمره، يميل فيها المرء للمسايرة والبراغماتية وقبول الواقع ولو كان فاسداً كارثياً.
لقد تداول الثوار من الأجيال الجديدة في مواقع التواصل الاجتماعي صورة حسنين وهو يسجد على رمضاء مطار الخرطوم فرحاً لحظة عودته للبلاد بعد سقوط رأس النظام السابق، كما تداول الناس صورته محمولاً على أعناق الثوار وهو يلوح بقبضته في صورة تعكس الروح الثورية لهذا الرجل، التي لا تخبو.
إذا، قال علي محمود حسنين كلمته في مواجهة العبث والاستبداد ومضى، كما مضى جون قرنق، ومحمد إبراهيم نقد، ومحمود محمد طه، وكثير من الزعماء والسياسيين والمفكرين من أهل هذه البلاد، لكن الذي يعنينا هنا، هو ما كان يصادم لتحقيقه الرجل، التعددية والحرية ودولة القانون والمواطنة.
لا نتحدث عن حسنين كشخص، فالناس يولدون ويعيشون ويرحلون تلك سنة الحياة الدنيا، لكننا نتحدث عن مشروع يرحل الرجال الذين رفعوا رايته واجتهدوا وسع طاقتهم للدعوة إليه وتطبيقه، ويبقى المشروع الوطني التوافقي التعددي حيا لا يموت، لإنجاز النهضة والتنمية والكرامة الإنسانية والخروج من حالة التأخر الحضاري.
أهمية هذا الرجل، أنه قدم نموذجاً للسياسي صاحب المشروع والموقف الثابت، في زمن كثر فيه الانتهازيون والإمعات، فتمسك طوال مسيرته في الحياة السياسية بسيادة حكم القانون ومصادمة السلطات الانقلابية غير الشرعية، دون كلل أو تخاذل.
لقد أشاع النظام السابق وجماعته ثقافة عامة فاسدة، منها السخرية من أهل المبادئ والفكر والمواقف، والطعن على كل رجل مستقل نزيه شريف صاحب عقل وهمة، يرفض الإنحدار إلى العوالم السفلية لرجال العصابات والجريمة الذين تسلطوا على البلاد والعباد.
إن الحد الأدنى من النزاهة الفكرية والمهنية والسياسية والشخصية، ليس ترف “مواهيم” و”حالمين” كما يروج الظلاميون، لكنه شرط موضوعي لنهضة الشعوب والأمم وتقدمها وتمتعها بالحياة الكريمة، فعزة الأمة ومنعتها تكون بتمكين أهل الكفاءة والنزاهة، لا قتل نصف الشعب برصاص المليشيات وآليات الإفقار والتجهيل، ليعيش البقية في عزة زائفة على حد زعم الرئيس السابق.
لقد قاد حسنين نخبة من القانونيين البارزين لتولي مهمة الملاحقة القضائية لمجرمي العهد السابق، ولا نظن أن الرجل حركته روح انتقام او تشف، لكنه قاض سابق وقانوني ومحام وزعيم يدرك تماماً أهمية المحاسبة وتحقيق العدالة في بناء المستقبل.
لا يعرف بعض الثوار والشباب من هو علي محمود حسنين، لكنهم حملوه على الأعناق وأنزلوه مقاما يليق به في منصات المتحدثين بميدان الإعتصام، فالشفرة السرية التي حملت هذا الشيخ على الأكتاف إنما هي نزاهة الموقف، ونظافة اليد من أموال الناس ودمائهم.
علي محمود حسنين، رجل، ليس بمعزل عن ما يلم بالرجال من كبوات وهفوات وأخطاء في النظر أو التقدير، فما الغاية هنا شخص عاش أم وافته المنية، بل التنويه بموقف ومشروع وإرث..وذلك قول الشاعر الفيتوري:
مضى، وأبقى للملايين وللأحرار
أثمن ما يبقيه من بعدهم الثوار
الرمز والشعار
وحلم الانتصار
mugahid4891@hotmail.com
/////////////////