بسم الله الرحمن الرحيم
ما أفرزته تلك الأيام والتي عاشتها المستشفيات بدون خدمات نواب الإختصاصيون ، وما تم بعد ذلك من مطالب تحققت ومن ثم رفع الإضراب من داخل ميز الخرطوم ، له دلالات كبيرة ودروس وعظات وعبر.
إن وحدة الأطباء هي صمام الأمان من أجل تطور وتنمية والنهوض بالخدمات الطبية في جميع مجالاتها ، وليست من أجل مكاسب مالية لشخوصهم ، فبيئة ومناخ العمل هي المحور الأساسي لتطور وتقدم الخدمات الطبية ، والتخطيط السليم منذ أول السلم بدأً بالتعليم الطبي ومن ثم الخارطة الصحية والحوجة الفعلية للكم والنوع التخصصي هو أساس نهضة البلدان في مجال الخدمات الصحية، ولكن ما نعيشه اليوم هو ربما كان رزق اليوم باليوم ، ليس في الخدمات الطبية وحدها ولكن في جميع مناحي الخدمات.
ما أفرزته تلك الأيام أن وحدة الأطباء وتماسكهم لها ما بعدها ، و قبيلة الأطباء اليوم في منعطف تاريخي خطير، تبقي وتظل وحدة واحدة متماسكة تحت غطاء البالطو الأبيض فقط، بياض السيرة والسريرة ،صفاء القلوب مثل اللبن أو أشد بياضا ، أو نتفرق أيدي سبأ فتنهشنا صقور الإنس وهي لنا بالمرصاد، وليس ببعيد أحداث أيام عصيبات عشناها كالحنظل ، ورأت فيها قبيلة الأطباء(طبيبات وأطباء) ، صنوفا من العنت والمسغبة والمشقة ، وبأيدي زملاء رسالة الإنسانية بطريقة مباشرة أو من وراء الكواليس، زملاء وإن إحتدم الوغي نخاطبهم بكل أدب وإحترام وتقدير (ديير كولييج).
تأبي الرماح إذا إجتمعن تفرقا وإذا إفترقن تكسرن آحادا
علي قادة قبيلة الأطباء إعمال العقل بالبحث وإجهاد الذهن بالإجتهاد ، وأن لانقف مكتوفي الأيدي دفاعا عن حقوقنا الشرعية ونحن قبيلة لها ماض تليد سجله التاريخ القريب والبعيد,، وللأسف جزء من قبيلتنا هذه لا يثنيهم سعيهم وتمسكهم بمناصب ومقاعد السلطان عن الخوض في دماء أخوانهم أو أن يكون معبرهم فوق أشلاء زميلاتهم ، فهم يلبسون رداءهم الحزبي تحت البالطوا الأبيض ، مما يجعلهم متنازعين في تلك الظروف ، ولكن لو إستدركوا أن حقوق زمالة الرسالة الإنسانية باقية أبد الدهر ، وأن الإنتماء الحزبي ربما يتغير بين ليلة وضحاها لإسباب عدة والتاريخ هو الفيصل حتي داخل الوطن، ومع ذلك لا نقول لإخوتنا غير سامحكم الله ، فتبسمك في وجه أخيك صدقة ، ونحن سنحتسب ذلك لأن مسئوليتنا تجاه القبيلة تفرض علينا أن لا نلتفت لمثل هذه السفاسف ، بل إن النضال والكفاح من أجل نيل الحقوق مهما كانت عادلة ستجد أن طُرقها محفوفة بالمخاطر والمهالك ،ولكن قوة العزيمة والإيمان بمبدأ التضحية من أجلها سيكسبها الشرعية ومن ثم تحقيقها وإن كان علي فترات ودرجات.
إن الهوي حين يتسلط ، والغرض حين يشتد ، والمنطق حين يهرب والعقل حين تغشاه العاطفة والكلام حين يحتوي خبئا ، نجد أننا أمام موقف لا نحسد عليه، أن نكون أو لا نكون، ليس كأفراد ولكن كقبيلة أطباء متماسكة متراصة بنيان لا يسهل إختراقه ، ووحدة لايمكن أن تؤحذ إلا بالحق ووفق منطق العدل والحقوق والواجبات(أعدلوا هو أقرب للتقوي) وليس منطق القوة والسلطان. قبيلة تؤمن بحقوقها زمانا ومكانا وقيمة، حقوق لايمكن المساومة عليها و بها، حقوق تنتزع ولا تعطي(آتوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه)، وواجب لا يمكن النكوص عنه طالما كانت الرسالة إنسانية لا تختلط بزيف ولا نفاق ولا مداهنة للسلطان(من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل) ، وواجب يجب الوفاء به للمواطن وهو في أضعف حالاته يقف أمامنا لنخدمه بكل ما أوتينا من معرفة وعلم وإمكانيات ، مواطن إقتطع من لحمه ودمه ليوصلنا إلي ما نحن فيه من درجات نفاخر بها رصفائنا في العالم. تاريخيا حلمنا وتحقق حلمنا الدكاترة ولادة الهنا ، ولكن الآن بناتنا وأبنائنا يحلمون ، ولكن هل الدكاترة ولادة الهنا؟؟ كلا وألف كلا ، يصطدمون بواقع مرير وغريب ، تأسرهم الدهشة ، وتأخذهم الحيرة ، التعليم الطبي اليوم ليس كالأمس ،وبعد التخرج والحفلات، شهور ربما تمتد لعام يلهثون وهم إمتياز ، ويعطون بعد التعيين المؤقت دراهم معدودة لاتفي بأبسط متطلبات الحياة ، ثم ما بين الوطنية السخرة والرقم الوظيفي تمتد سنون ربما عدة ، ويحصدون نهاية المطاف السراب، ولكن فوق ذلك تعقد لسانهم الدهشة أكثر: هل يعقل أن يمنع طبيب من دخول المستشفي؟ هل يمكن أن يؤلب طبيب الشرطة ضد طبيب؟ هل يعتقل طبيب لأنه أضرب مطالبا بحقوقه ؟ هل يمنع الطبيب من مزاولة رسالته الإنسانية وهو يضع شارة الإضراب؟هل يعقل أن يعلن الجهاد ضد الطبيب وفي ميدان الميز؟ إن ظلم ذوي القربي لأشد مضاضة من الحسام المهند.
ما قلناه هو حقيقة وليس أحلام ، ما قلناه كانت بالأمس مسارحه موزعة علي مستشفيات العاصمة ومساجدها ، بل وحتي ميز الأطباء قلعة النضال ومنبر الصمود لم يكن إستثناءاً.
نعم كانت مطالبة عادية بحقوق مشروعة فأراد لها آخرون أن تكون مأساة كادت لتعصف بالمهنة والرسالة والوطن، ولكن قيض الله لها نفر كريم أزاحوا عنها تصلب الرأي وقادوا سفينتها إلي شاطيء آمن ولو مؤقتا.
اليوم نجتمع هنا من أجل الحديث والنقاش في صراحة كاملة وشفافية لا تنقصها الحقيقة والواقع المؤلم للرسالة والطبيب والمريض وباقي الكوادر.
إخوتنا نواب الإختصاصيون وعلي رأس لجنتهم أخونا د. الأبوابي حادي المسيرة ،حملوا عبئا ثقيلا علي كاهلهم لإسابيع رأوا فيها صنوفا من القطيعة وكل ماهو غير إنساني وغير أخلاقي وغير سوداني ، ولكنهم تحلوا بروح القيادة وإحتساب كل تلك الصنوف من العذاب من أجل خدمة قبيلة الأطباء والوطن والمهنة والمواطن ، نعم هم سهروا وتعبوا وتحاوروا وجادلوا(وجادلهم بالتي هي أحسن) ( إذهبا إلي فرعون إنه طغي فقولا له قولا لينا)وتحققت نهاية المطاف بعض المطالب تحت ضغوط الوحدة وقوة العزيمة وعدالة القضية وبمساعدة من أهل الفكر السودانيين الخُلص. تحققت تلك المطالب وفي مثل هذه الحالات الخير الذي أتي به د.الأبوابي ولجانهم بيعم ،حتي إنه سيشمل من وقفوا ضد المطالبة بالحقوق ، ليس وقوفا ضدها بتحاور ولكن وقوفا بمنطق قوة السلطة والكبت والإرهاب والتسلط ، ومع ذلك لن يغيبوا عن صفوف الصرف ، بل ربما يتقدمون الصفوف للصرف.
نختم فنقول إن هدفنا من هذا الجمع الكريم هو أن نوءسس ونوءطر لوحدة قبيلة الأطباء وفق أسس واضحة ومعايير قانونية منطلقين من ماض تليد خطته أجيال سبقتنا لم نجد منها إلا كل الفخر والإعتزاز والسيرة الطيبة .
علينا أن لاننسي دور الإعلام في ما مضي من أيام ، فالسلطة الرابعة كان لها دور بارز في إظهار قضية الأطباء ، وصحافتنا الحرة النزيهة وكتاب الأعمدة والقنوات الفضائية الأجنبية كانت قد أسهبت في نقل الحدث ، وفي هذه السانحة علينا أن نقف إجلالا وتقديرا للأستاذة نجلاء سيد أحمد والتي نقلت تلك القضية إلي آفاق الإعلام المقروء والمرئي بكل حيادية ومهنية ، فكانت ردود الفعل إيجابية من جانب المواطن نحو قضية الأطباء ، ولا ننسي الإعلامية والنطاسية البارعة د.ناهد محمد الحسن ، فإنها كانت تملك الموهبة في تصوير ما حدث حروفا حتي ليخيل إليك أنك تعايشها بأم عينيك ، ولكن للأسف كانت هنالك أجهزة إعلام كانت أخبارها مُضللة ولم تتوخ الصدق في ما تنقله من أخبار ,سامحمه الله.
أخيرا إن وحدة الأطباء لا بد لها أن تكون واقعا معاشا ، وهي صمام الأمان لمستقبل الرسالة والطبيب والمهنة والمريض والوطن ، وما يقف حجر عثرة أمامنا هو قانون نقابة المنشأ ، فعلينا أن نجتهد بكل ما نملك من أجل تغيير هذا القانون الظالم والذي لم يضر بقضية الأطباء ورسالة المهنة فقط ، ولكن صار سيفا مسلطا من أجل سيطرة السلطة علي كل مقاليد العمل الطبي. وفي الجانب الآخر نجد أن إتحاد أطباء السودان وبحسب قانونه لا يملك أن يتكلم عن مشاكل الأطباء المطلبية والمهنية والحقوق ، بل هو لا يتعدي أن يكون تجمع أكاديمي بحت تنضوي تحته الجمعيات الأكاديمة بغطاء الجمعية الطبية السودانية، وحتي نصل إلي كلمة سواء بين هذه التناقضات فإن مبدأ الحوار هو الفيصل والذي يقود قبيلة الأطباء إلي توحيد كلمتهم وجهودهم ، حتي تعود نقابة أطباء السودان إلي ماضيها التليد ، فتباين عضويتها كانت هي صمام الأمان لوحدة قبيلة الأطباء ، وعلينا أن ننظر إلي تكوين المكتب التنفيذي لنقابة الأطباء لسنون خلت ، فستصاب بالدهشة لأن المكتب يشمل كل الوان الطيف السياسي ، ولكنهم يعملون في إنسجام تام وتناسق وتعاون وتعاضد من أجل قبيلة الأطباء ، وعلينا أن نعمل لتبقي دارنقابة أطباء السودان رمزا للعزة والشموخ والوطنية.
يديكم دوام الصحة والبعافية
sayed gannat [sayedgannat7@hotmail.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم