بسم الله الرحمن الرحيم
كثير من الكتاب و الباحثين الذين يشار اليهم بالبنان يعملون على تعمية الحقائق عن قصد تعوذه المهنية و تغلب عليه المواقف المسبقة حتى يظل الحليم حيران هل هي كتابات مدفوعة الثمن ام تغبيش للحقيقة في سياق تنافس حزبي بغيض. المقالات التالية من الارشيف لغرض تبيان الأسباب الحقيقية للإنفصال و تصحيح المفاهيم حتى لا يظن البعض أن سياسة حكومة الوحدة الوطنية كان لها دور في قرار الانفصال و الذي روج له الاعلام الغربي بمافيه البي بي سي و السي إن إن تحت مسمى الاستقلال مزيداً من خلط المفاهيم.
المقال الاول :الطريق الى الوحدة عبر ممارسة الإنفصال لأنه بضدها تعرف الاشياء 26 يونيو 2010
خلُص المرحوم الأستاذ محمد عمر بشير رئيس سكرتارية مؤتمر المائدة المستديرة فى كتابه القيم The Southern Sudan Background to Conflict الصادر فى اكتوبر 1967 الى أن هنالك جهل عام فى الشمال و الجنوب بجذور المشكلة و عزا ذلك الى النظام التعليمى الذى خطه دهاقنة الإستعمار الانجليزى حيث أغفل عن عمد تاريخ و جغرافية وحتى التركيبة القبلية لجنوب السودان و تداخلها التاريخى مع الشمال و زاد الطين بلة أن المتعلمين من ابناء الجنوب و جلهم من خريجى المدارس التبشيرية تم تضليلهم بواسطة المبشرين البيض بتصوير العلاقة بين الجنوب و الشمال بأنها كانت علاقة تجارة رقيق و استغلال و اكراه على الدخول فى الاسلام و طمس الهوية الافريقية لديهم و استبدالها بالهوية العربية الاسلامية. ( راجع الورقة التى قدمها د. ريك مشار فى جامعة بنسلفينيا :
SOUTH SUDAN: A HISTORY OF POLITICAL DOMINATION – A CASE OF -SELF-DETERMINATION
لذلك فان ما يجرى اليوم على الساحة انما هو نتاج طبيعى لتلك السياسة.
هدفت السياسة البريطانية المكتوبة 1920- 1945 و التى كانت الحكومة البريطانية تقوم على تقييمها دورياً الى فصل الجنوب عن الشمال في شكل دولة أو ضمه الى دول شرق افريقيا وفى سبيل تحقيق ذلك قامت بانشاء ما عُرف بالمناطق المقفولة و منعت اهل الشمال من دخول المديريات الجنوبية الا بوثائق سفر يصعب الحصول عليها و طردت الموظفين و التجار الشماليين و تم إسناد مهام التعليم و التدريب للمنظمات التبشيرية وغيرها من الممارسات المفضية الى الانفصال.
أورد الاستاذ محمد عمر بشير بأن مذكرة حكومة السودان الى بعثة ميلر(Milner Mission ) التى أرسلتها الحكومة البرطانية عام 1920للنظر فى وضعية جنوب السودان أوصت بالتالى:
“The policy of Sudan government was to keep out Mohamedan influence from the southern Sudan and suggested that the possibility of southern (black) portion of the Sudan being eventually cut off from the Northern (Arab) area and linked up with central African system should be borne in mind”
وترجمة هذا النص الى العربية تقول:
” ان سياسة حكومة السودان ترمى الى الابقاء على التأثير المحمدى ( أى الاسلامى) بعيدا عن جنوب السودان وتنظر فى امكانية فصل الجزء الجنوبى(الأسود) من السودان عن الشمال (العربى) فى نهاية المطاف كما أن الحاقه بمنظومة وسط افريقيا يجب أن يكون حاضراً فى الذهن.”
ابتداءً من عام 1921 و تطبيقاً لهذه السياسة حيث توقف حكام مديريات الجنوب الثلاث عن حضور الاجتماع السنوى لحكام المديريات الذى يضم حكام مديريات السودان الأخرى و صاروا يعقدون اجتماعاتهم بالجنوب و بالتنسيق مع حكومات يوغندا و كينيا ولم يعد لهم صلة بنظرائهم فى الشمال.
تم تنفيذ هذه السياسة بصرامة و غلظة حيث تم ابعاد كل الموظفين الشمالين من الجنوب و تم التضيق على التجار و ابعادهم و منعوا أى التجار حتى من جلب و خياطة الازياء التى يتزيا بها أهل الشمال و حددت لهم فترة محددة للتخلص مما لديهم من تلك البضاعة و بالمقابل منع ابناء الجنوب من لباس الجلابية و العراقى و الطاقية الخ و امروا بلبس اللباس الاوربى أو التعري كما تم ارسال عدد كبير من التجار الاغاريق و السوريين النصارى ليحلوا محل الشماليين. و فى المناطق التى كان فيها تداخل و تمازج بين القبائل فى جنوب كردفان و دارفور تم خلق مناطق عازلة تمتد لحوالى 10كيلومترات man land” ‘No كما تم التضييق على المسلمين من ابناء الجنوب و ايداعهم السجون (الناظر عيسى فرتاك) عند احتجاجهم على هذه السياسة و فى ذات السياق تم إنشاء قوة دفاع الاستوائية وجُعلت اللغة الانجليزية هى اللغة الرسمية و الحق القساوسة بالوحدات العسكرية ليحلوا محل الائمة وابعدت قوات الجيش السودانى الى الشمال لانهم وجدوا ان كل ابناء الجنوب الذين يلتحقون بالجيش يعتنقون الاسلام و يتسمون بالاسماء العربية و ان هذا النوع من التحول سمة مجتمعية عامة.
بالرغم من أن أهل الشمال لم يكن لهم دور منظم فى معارضة هذه السياسة المكشوفة وكذلك الشريك المصرى الذى كان هو أيضاً مغلوباً على أمره الا ان التواصل الفطرى بين الشمال و الجنوب تجذر من قبل وصول صمويل بيكر الى منطقة البحيرات (1862) و كان الاسلام و الثقافة العربية ينتشران فى أفريقيا برفق ( كما نوه بذلك وينستون تشرشل فى كتابه معركة النهر Winston S. Churchill in his Book The River War 25th Sept. 1899) وكان لهما دوراً بارزاً فى تقدم و ترقية الثقافات و العادات السائدة فى وسط أفريقيا و نشر السلام و الوفاق بين القبائل المتصارعة والى مجهودات رجال مثل أبو السعود و غيره من الدعاة المجهولين يُعزى انتشار الاسلام فى الكنغو و يوغندا و بورندى و راوندا (منطقة البحيرات بها أكثر من 10 مليون مسلم اليوم ) حتى أن كثيراً من الاداريين الانجليز كان رأيهم فى البداية 1902 عدم السماح للبعثات التبشيرية بالعمل بالجنوب و حتى الشمال لأن فى ذلك استفزازاً لمشاعر المسلمين كما ان الاسلام اصلح للانسان الاسود من المسيحية و كان على رأس هؤلاء اللورد كتشنر مما أدى الى ابعاده الى جنوب أفريقيا ولكن المنظمات التبشيرية استطاعت استصدار أمر من البرلمان الانجليزى يفرض على حكومة السودان السماح للبعثات التبشيرية بحرية العمل فى الجنوب فتم تقسيم الجنوب الى ستة مناطق spheres لتعمل كل بعثة فى منطقة محددة حتى لا يحصل تنافس و تصادم بينها.
كتب الكولونيل جاكسون نائب الحاكم العام (السير وينجت باشا الذى خلف اللورد كتشنر) فى سياق معارضته للبعثات التبشيرية بالعمل فى جنوب السودان معضداً حجته بان تحول الإنسان الاسود الى المسيحية يفضى الى إفساده ( انظروا الى هذه النبؤة)
“A black when converted becomes a scamp, loafer, scoundrel and lair whereas they are now happy, contented, honest and vice unknown….”
كما ذكر بعضهم بأن الاسلام أقرب الى مزاج الانسان الاسود المتخلف من المسيحية لبساطته وسهولة ممارسته واتساقه مع الفطرة الانسانية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم