إعَادَةُ تَشْكيلِ مُعَادَلَةِ حَرْبِ السُوْدَانِ: الدَاخِلُ المُتَحَرِّكٌ والخَارِجُ المُتَرَدِّدُ

إعَادَةُ تَشْكيلِ مُعَادَلَةِ حَرْبِ السُوْدَانِ: الدَاخِلُ المُتَحَرِّكٌ والخَارِجُ المُتَرَدِّدُ

Reshaping Sudan’s War Equation: Internal Dynamics and External Hesitancy

بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي – مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

تمهيد

تشير التحركات الأخيرة للفريق أول عبد الفتاح البرهان، بما في ذلك إعادة هيكلة القيادة العسكرية، وضبط الحركات المسلحة الحليفة، واستيعاب منشقين عن الدعم السريع، إلى جانب حراك دبلوماسي شمل السعودية وسلطنة عُمان، إلى مرحلة إعادة تشكيل عميقة لمعادلة الحرب في السودان.

ورغم غياب دليل علني قاطع على تنفيذ خطة الرباعية المتكاملة، فإن تزامن هذه التحركات مع ضغوط إقليمية ودولية، وتصاعد الخطاب المرتبط بوحدة السودان، يعكس تلاقي اتجاهات قد يشكّل نافذة فرصة نادرة لوقف الحرب، إذا ما أُحسن استثمارها.

أولاً: إعادة تموضع الجيش – مركزية القرار وتفكيك التعدد المسلح

تمثل قرارات البرهان الأخيرة خطوة استراتيجية نحو:

  • إعادة مركزية القيادة العسكرية.
  • إنهاء تعدد مراكز القرار داخل المعسكر المناهض للدعم السريع.
  • منع تكرار نموذج ” القوة الموازية“.

هذا التحول يعيد تعريف العلاقة مع الحركات المسلحة من شراكة ميدانية إلى خضوع تنظيمي ضمن هيكل الدولة، بما يشمل قوى رئيسية مثل تلك المرتبطة بمسار جوبا.

ثانياً: تحجيم الحلفاء واستيعاب المنشقين – إعادة هندسة المشهد العسكري

إلى جانب ضبط الحلفاء، يعمل البرهان على:

  • استقطاب منشقين عن الدعم السريع (مثل النور القبة).
  • تفكيك الخصم من الداخل.
  • تقديم الجيش كمرجعية وطنية جامعة.

هذه الاستراتيجية تعكس انتقالاً من إدارة تحالفات مرنة إلى بناء هرم عسكري أكثر انضباطاً ومركزية.

ثالثاً: الحراك الإقليمي – من الرياض إلى مسقط

1. زيارة السعودية: مركز الثقل الإقليمي

زيارة البرهان إلى المملكة العربية السعودية قبل زيارته إلى سلطنة عُمان تحمل دلالات مهمة:

  • السعودية تمثل أحد أعمدة ”الرباعية “.
  • الرياض لعبت دوراً محورياً في مسار جدة.
  • الزيارة تشير إلى محاولة إعادة تنشيط الدور السعودي في صياغة مخرج سياسي.

كما تعكس الزيارة احتمال وجود تنسيق غير معلن حول خارطة تنفيذية، خاصة في ظل الحاجة إلى إعادة إطلاق مسار التفاوض.

2. زيارة سلطنة عُمان: دبلوماسية التهدئة

تأتي زيارة عُمان في سياق مكمِّل:

  • دور تقليدي كوسيط هادئ.
  • دعم مسارات الحوار غير الصدامية.
  • توفير قنوات اتصال مرنة بعيداً عن الاستقطاب.

رابعاً: مصر وخطوطها الحمراء – وحدة السودان كأولوية استراتيجية

تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة بأن:” تقسيم السودان خط أحمر للأمن القومي المصري“. تعكس تحوّلاً مهماً في الخطاب المصري من إدارة الأزمة إلى تحديد سقف استراتيجي للحل. وهذا يحمل دلالتين:

  • رفض أي سيناريو يؤدي إلى تفكك الدولة السودانية.
  • دعم ضمني لإعادة بناء مركزية الدولة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية.

كما يتقاطع هذا الموقف مع مخاوف إقليمية أوسع من:

  • انتقال عدوى التفكك.
  • تصاعد التهديدات الحدودية.
  • إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة.

خامساً: مجلس الأمن – الإمكانية المؤجلة

رغم توفر الأساس القانوني للتحرك تحت الفصل السابع، فإن:

  • الانقسام الدولي.
  • خطر استخدام الفيتو.

لا يزالان يحدّان من إمكانية إصدار قرار حاسم. لكن في حال التوصل إلى اتفاق رباعي/إقليمي أولي، قد يصبح: رفع الاتفاق إلى مجلس الأمن خياراً لتعزيز الإلزام والتنفيذ.

سادساً: التحدي المركزي –” الفيتو العكسي “

تكشف هذه التطورات عن استمرار ظاهرة:” الفيتوالعكسي. “
أي تردد الأطراف الدولية والإقليمية في استخدام نفوذها الكامل خوفاً من تعارض المصالح.

وهذا ما يفسر:

  • تردد مكونات الرباعية رغم امتلاكها أدوات الضغط.
  • عجز الخماسية رغم شرعيتها الواسعة.

سابعاً: توحيد القوى المدنية – شرط الاستدامة وليس تفصيلاً مكملاً

رغم أهمية الدور الذي تلعبه الأطراف الإقليمية والدولية في دفع مسار وقف الحرب، فإن السلام المستدام في السودان يظل رهيناً بقدرة القوى المدنية على إعادة بناء نفسها كفاعل موحد وفاعل مؤثر.

لقد أظهرت تجربة ما بعد ثورة ديسمبر أن الانقسام المدني لا يضعف فقط القدرة على التفاوض مع المؤسسة العسكرية، بل يفتح المجال أيضاً أمام الفاعلين المسلحين، داخلياً وخارجياً، لملء الفراغ السياسي.

وعليه، فإن أي مقاربة لوقف الحرب يجب أن تتضمن، بالتوازي مع المسار العسكري، مساراً مدنياً مستقلاً يهدف إلى:

  • إعادة بناء الكتلة المدنية على أسس أهداف ثورة ديسمبر (الحرية، السلام، العدالة).
  • تجاوز الانقسامات التنظيمية لصالح برنامج وطني مشترك.
  • إعداد رؤية متكاملة لإدارة الفترة الانتقالية تشمل التوافق على الميثاق الوطني والعقد الاجتماعي.

إن إشراك المدنيين داخل المسار التفاوضي العسكري في المرحلة الأولى قد يربك الجهود، لكن غياب مسار مدني موازٍ سيقود حتماً إلى فراغ سياسي بعد وقف الحرب، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج الأزمة في شكل جديد. فالسلام يمكن فرضه من الخارج، لكن لا يمكن استدامته إلا من الداخل.

التوصيات: نحو مقاربة متكاملة للرباعية والخماسية

أولاً: للرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات)

1. توحيد الموقف الاستراتيجي

  • حسم الخلافات حول دور الجيش في المرحلة الانتقالية.
  • الاتفاق على ”خط نهاية“ واضح للعملية السياسية.

2. استخدام أدوات الضغط بفعالية

  • ربط الدعم المالي والسياسي بالامتثال لوقف إطلاق النار.
  • فرض قيود منسقة على الأطراف غير الممتثلة.

3. دعم مركزية السلاح

  • تشجيع دمج أو تفكيك القوى المسلحة الموازية.
  • دعم إعادة هيكلة القطاع الأمني.

ثانياً: للخماسية (الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، الإيقاد، الجامعة العربية)

1. تطوير آليات تنفيذ حقيقية

  • الانتقال من البيانات (خاصة من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي) إلى آليات مراقبة ميدانية.
  • إنشاء نظام تحقق وتقييم مستمر.

2. توفير غطاء شرعي متكامل

  • دعم أي اتفاق يتم التوصل إليه عبر الرباعية.
  • التحضير لرفعه إلى مجلس الأمن.

3. دعم المسار المدني الموازي

  • رعاية حوار مدني مستقل.
  • منع اختلاط المسارات العسكرية والمدنية في المرحلة الأولى.

ثالثاً: توصيات مشتركة (للرباعية والخماسية)

1. اعتماد نهج وآليات مرحلية واضحة

المرحلة الأولى: وقف إطلاق النار (عسكري صرف).
المرحلة الثانية: إعادة ترتيب الفاعلين.
المرحلة الثالثة: إطلاق العملية السياسية.

2. منع ”تعدد المسارات“

  • توحيد المنصات التفاوضية.
  • تجنب الرسائل المتضاربة.

3. كسر ”الفيتو العكسي“

  • الانتقال من إدارة التوازنات إلى فرض الحلول.
  • تقديم السلام كأولوية غير قابلة للتأجيل.

رابعاً: للقوى المدنية السودانية

  • الإسراع في بناء جبهة مدنية موحدة قائمة على أهداف ثورة ديسمبر.
  • الفصل المرحلي بين العمل السياسي المدني والمسار العسكري التفاوضي.
  • إعداد تصور واضح لإدارة الفترة الانتقالية (حوكمة، اقتصاد، أمن في إطار الميثاق الوطني والعقد الاجتماعي).
  • الانخراط كفاعل تفاوضي منظم بعد تثبيت وقف إطلاق النار

الخلاصة

ما نشهده اليوم على المستويات المحلية والإقليمية والدولية ليس خطة مكتملة، بل نافذة تاريخية تتشكل ببطء.

نجاح هذه اللحظة يعتمد على:

  • تحويل تلاقي الاتجاهات إلى استراتيجية متكاملة.
  • الانتقال من تردد الرباعية إلى القرار الحاسم.
  • قدرة القوى المدنية على إعادة بناء نفسها ككيان موحد وفاعل مؤثر.

وإلا فإن السودان سيظل: ساحة تُدار فيها الحرب … لا ساحة يُفرض فيها السلام.

melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

إعَادَةُ تَمَوْضُعِ الجَيْشِ: بَيْنَ اسْتِعَادَةِ احْتِكَارِ العُنْفِ واسْتِمْرَارِ انْفْرَاطِ الأزْمَةِ

إعَادَةُ تَمَوْضُعِ الجَيْشِ: بَيْنَ اسْتِعَادَةِ احْتِكَارِ العُنْفِ واسْتِمْرَارِ انْفْرَاطِ الأزْمَةِ Repositioning the Army: Between Reclaiming …