بقلم: إبراهيم الدلاّل الشنقيطي / أم درمان
برقٌ تلألأَ فاستطارَ أطارا أمْ هاجَ شوقُكَ فادّكرتَ دكارا:
المختار الحامد الديماني
إلى صديقي الدكتور خالد محمد فرح ، سفير السودان إلى السنغال:
والمالكيُّ أبو نصرٍ أتى سفراً بلادنا فحمدنا النأيَ والسفرا
إذا تكلّمَ أحيا مالكاً جدلاً ويُخمِلُ الملكَ الضلِّيلَ إنْ شَعَرا:
المعرِّي
طريق الحج المقدس هو الحبل السري الذي ربط بين السودان وغرب إفريقيا.وحجاج غرب إفريقيا من شناقطة وتكارين وغيرهم ، يعوِّلون كثيراً على السودان والسودانيين. فإذا هبطوا السودان فقد هبطوا ” تبالة ” الخصب والإمراع. فأول المحطات “الجنينة ” حاضرة بحر الدين. فالسلطان العارف محمد بحر الدين كان يشهِّلْ الحجاج ، ويكتب لهم خطابات الضّمان ، فإذا وصلوا ” ام درمان ” ، قابلوا خصيب السودان ، السيد الإمام عبد الرحمن المهدي ، متمثلين قول النّواسي:
ذريني أكثِّرُحاسديكِ بزورةٍ إلى بلدٍ فيه الخصيبُ أميرُ
وقد كان شيخ حمد ود أبو سن بالقضارف يبالغ في إكرام الحجاج ،وصار على هذا المهْيَعْ ابنه محمد ود أحمد. ومحمد هذا كان يحفظ مختصر خليل. وأخبرني الوالد أنه وجد بحضرته المُمعمَّر والعالم الجليل الشريف الخليل ،من أشراف ” باقرمي “. ومحمد هذا هو المقصود بقول الشاعر:
عرضو وفرضو نامنْ أوفى ما فكّالنْ
مواعين الكرم تمتمْ عُبارنْ وكالنْ
خلاويهو المتِلْ سوط الجراد عَكَّالنْ
يكفِّيهنْ صوانيّاً بُداع أشكالِنْ
وسوط الجراد هو المعروف عند العرب برجل الجراد. وعكَلَ: ازدحم إلى درجة الالتفاف. يقال عكل الدخان ،وعكل الطير على الماء. وتلك سكك في المعاني أدرى بشعابها الدكتور عمر شاع الدين. ولا يمكن أن نذكر طريق الحج وإرفاد الحجيج دون أن نذكر ذلك المحبَّب حيَّاه الغمام ( البربري ). ذلك الذي تكفّل بأن يسفِّرْ أي منقطع من الحجاج ، خاصة الحجيج من الشناقطة. وقد أوفى البربري بما نذر.
ومن محطات الحج ، ومحجاته ، خاصة حجاج بلاد التكرور ، موسى ود جلي الحامدابي الكباشي. وبعد موته انقطع جادول حاملي البقج من التكارير يجرّون “وادي الملك” ميممين “أم
قرين” حيث يقيم موسى. ثم يواصلون رحلة الحج رجالاًً ، مجتازين بلاد النيل الأوسط و الشمالي. وأمثال هؤلاء هم الذين عناهم حاج الماحي بقوله:
حُبّكْ في قلوب الأمّة حرّاقو جاب تكرور مدرمسْ يمشي ساساقو
حازمين البطون ولباسا دلاّقو كلْ زولاً قريعة وفي ايدو مزراقو
وقال الآخر:
وما كان بيني أنْ رأيتك سالماً وبين الغنى إلاّ ليالٍ قلائلُ
ومن أعيان السنغاليين بالسودان ، الشيخ الشريف محمد الأمين الكوري بالنهود. ويعدّ من مشايخ الطريقة التجانية بالسودان. أخذها من السيد محمد الغالي بوطالب الفاسي من أكابر تلامذة سيدي أحمد التجاني. ومن سيدي محمد الغالي هذا ، أخذها سلطان الدولة التجانية بغرب إفريقيا ،الحاج عمر بن سعيد الفوتي.وكذلك أخذها منه الشريف عبد المنعم ، رجل ” أم سعدون ” شمال الأبيِّض. وقد تلاقيا: أي الشريف عبد المنعم ،والشيخ عمر بن سعيد صاحب “رماح حزب الرحيم في نحور حزب الرجيم” ، في حضرة سيدي محمد الغالي بمدينة الحبيب المصطفى على مشرفها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.ومن سيدي محمد الغالي أخذها الشريف ” مولي ” دفين بانت بكسلا ، وقيل أخذها منه أيضاً الشريف محمد أحمد المعمّر دفين كوستي.
ومن أفاضل السنغاليين بالسودان ، الشريف أحمد معاذ. كان يسكن ” عديد الراحة” بوادي الملك وله بها عقب. وكان يترجم لسيدي ابن عمر بغرب إفريقيا في رحلته التاريخية التي جاب فيها مجموعة من الأقطار الإفريقية. ومن السنغاليين العالم الجليل العابد مبشّر بن المجاهد عمر الفوتي بسنار التقاطع ، وقد ذكرتُهُ في منظومتي عن رجال الطريقة التجانية بالسودان:
صار بها في رفعةِ الأقمارِ مبشّر الفوتي في سنارِ
وحتى تصل إلى ” داكار ” يا خالد ، ستلاقي روح شاعر السنغال الضخم ،ليوبولد سنغور.ولا شك أن سنغور من رجال الصف الأول من شعراء إفريقيا الأفذاذ ، إلاّ أنه كان ينحو منحىً فكرياً مرذولاً تتبّعه الأديب الفذ عبد الله بولا العبّادي ، فكاد يحيل ليوبولد إلى رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. وعبد الله بولا بعد ذلك ، شديد العارضة ، قوي الأسلوب. سنغور كان دائماً يؤكدعلى المقولة العنصرية التي أطلقها رينان الزاعمة بتفوق الأوروبيين تفوقاً عقلياً جبليّاً ، والتي شايعه فيها غيره من أراذل علماء الأجناس العنصريين.
ومن السنغال كان العبيد يصدّرون إلى الدنيا الجديدة. ولا شك انك سوف تشاهد يا خالد ، جزيرة ” غوري ” بالمحيط الأطلنطي على مقربة من سواحل السنغال ، التي كانت تكدس فيها شحن الآدميين الأفارقة قبل ترحيلهم إلى مصيرهم المظلم في ظروف بالغة السوء والقسوة. وقد أورد كاتبنا المجيد الطيب صالح ما قاله الدكتور شلنجتون: ” أول فوج من الأسرى الإفريقيين ينقل عبر المحيط الأطلسي كان عام 1532 م ، ثم اتسعت التجارة في السلع البشرية. ومنذ 1630 دخل الهولنديون هذا الميدان، ثم لحق بهم الفرنسيون ، ثم الإنجليز. وقد زاد الطلب على الرقيق زيادة قصوى نتيجة للتوسع في زراعة قصب السكر في البرازيل وجزرالبحر الكاريبي حتى وصل حجم التجارة من الساحل الغربي لإفريقيا حداً مذهلا. وعلى مدى القرنيين التاليين حدث أعظم نزوح قسري لشعوب مغلوبة على أمرها عرفته البشرية في تاريخها كله .. ” أ.هـ.
فإذا سيروا قوافل العبيد من سواحل السنغال ، وألقوهم مقرنين في الأصفاد في بواخرهم التي تمخر عباب المحيط ، فإنّ الكثير منهم كان ينفق مثل الحيوانات في تلك الرحلة القاسية ،ويصبحون وجبات شهية لأسماك القرش الضارية.اما البقية التعيسة المحظوظة ، فقد كانت تصل إلى سواحل الدنيا الجديدة لتعمل سخرةً في الحقول.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم