استاذنا حسن وراق ما اوسع الحزن واضيق الاحتمال! .. بقلم: عبدالله مكاوي
2 فبراير, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
138 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
abdullahaliabdullah1424@gmail.com
عندما بلغني خبر رحيل استاذ الاجيال حسن وراق، شعرت بصدمة فقدان الاخ والقدوة ومن تُشيَّد له في النفوس قصور من الحب وقلاع من الاحترام. وابلغ ما في التقدير للحسن ود وراق، انه ليس هنالك سابق معرفة، كم ان الحظ لم يسعدني بلقاءه. ولكن ان يرحل بصورة مفاجئة، وتخذلنا الظروف عن وداعه الاخير، شأن كثير من رموزنا الذين قادرونا علي حين غفلة. فتلك وجعة ليس لها دواء.
قليلون من تمتد حياتهم في المجال العام، ويزدادون القا مع مرور الايام. ولو ان حسَنا لم تمتد حياته كما نشتهي، إلا اننا نزعم انه كان من طينة اولئك الرائعين. فحسن من الذين اختصاهم الله بمحبته وحبب الآخرين فيه. وهي محبة لم تكن مجانية، ولكنها ذات اسس موضوعية، وهو ما منحها التجذُّر في النفوس. اي هي محبة واحترام بمثابة رد الجميل، لمن اوقف حياته للبحث عن الحقيقة ورفع المعاناة عن كاهل البسطاء المستغلين. خاصة وان الانحياز للحقيقة والتزام مطالب وحقوق البسطاء، كانت دائما كلفته باهظة، في دول موبوءة بالاستبداد. وذلك سواء علي مستوي السجون والتشرد وتضييق اسباب العيش، او علي مستوي التصدي لتراث متمكن، من التضليل والتغبيش واستغلال جهد وعرق الكادحين، او علي مستوي تشويه السمعة والتشكيك في النوايا وتسفيه التضحيات.
وما يحسب لحسن انه التزم هذا الخيار المكلف عن قناعة، وقبلها استجابة لروح حرة شفافة شقية برهافة حسها. الشئ الذي حرضها علي كره الظلم ورفض عذابات الآخرين، والسعي لدفع اضرارهما، بالتوازي مع شغف حد الثمالة، للحرية والديمقراطية والعدالة، والتنمية الشاملة المستدامة.
اي كان حسن ابنا بارا للتنوير، ومن الذين لا يقنعون بفهم العالم، ولكن السعي من اجل تغييره للافضل، ليكون اهلا للحياة الكريمة لكل البشر. وهي قناعه وهبها عمره وجهده، فربح البيعة علي مستوي الاستنارة، وكان نعم المستنير. وكل ما سبق يضع حسن في قلب الثورة السودانية، من خلال تراكم جهده في التصدي لنظام الطغيان الانقاذي، وكذلك من خلال ايمانه الراسخ بقدرة هذا الشعب علي الثورة ضد الطغيان الانقاذي.
ويضاف لسيرة حسن الناضرة، انه لا يعرف المجاملة في حق قناعاته، عندما تتطلب المواقف ذلك، حتي لاقرب الاقربين. وهذا لوحده كاف للتعرف علي مواقفه، ضد من يصادرون حتي حق الاختلاف من الاساس. وقد يعزي ذلك للتربية المستقيمة، او تدريب النفس علي الوضوح والصراحة، كاقصر طرق لقول الحق او العمل بمقتضاه.
وبرحيل السنبلة حسن وراق، يرحل رحيق لطالما عطر كل الامكنة، بدأً من عالم الصحافة ومرور بعوالم السياسة وليس انتهاءً بالانشطة الاجتماعية. وما يُمضَّ القلب ان عطر حسن، كان قادرا علي رد نتانة روائح الاستبداد، التي طاب لها المقام علي هذه الارض اليباب.
رحل اخيرا من كان حضوره يعزِّي في مصاب الوطن، ومن كانت كلماته تنحت في صخر الامل المنشود، بوطن تزدان سهوله بالخضرة وسواعد بنيه بالبناء والاعمار، وعقولهم بالابداع والابتكار، وينتظم التنسيق والجمال شوارعه ومبانيه، وينعم انسانه الكريم بالراحة والرخاء.
رحل من واجه الابتلاءات بصمود. بترت ساقه فودعها كصديق. اجتاحه مرض السكري، فتعامل معه كدخيل يمكن ترويضه، ولكن ليس بمستطاعه هزيمة الجسد العنيد. هذا الجسد الذي نذر لقضايا الوطن، وكان دوما في الميعاد.
رحل وفي نفسه شئ من حتي الثورة، وهو يري شياطين الانس (قوي التغيير) وشياطين الجن (مكون عسكري وحركات مسلحة) تنتهش جسد الثورة كالذئاب الجائعة ليلا، وتتبسم ضاحكة صبحا في وجه الثوار! وكأن الترابي رحل واورثنا ضحكته الصدئة! رحل وهو يحلم ان يفارق الزيف الحياة السياسية والسياسيين، والغدر والتغول طبع العسكر السودانيين، وسوء الحظ والتفريط قدر الدولة السودانية. رحل وهو يداري الاسف علي مصير الثورة السودانية، وكيف تحولت آمالها وتطلعاتها الي رماد في لمح البصر؟
رحل حسن بعد ان عاصر جيل من الحياة السياسية والسياسيين، اجدر وبما لا يقاس من (الخبوب) الذي ينشط الآن علي الساحة السياسية، ويملأ الارض ضجيجا وصراعا مكشوفا ومقززا علي المناصب، تراق فيه كل ماء الاوجه، وهذا اذا تبقي فيها ماء اصلا، وهم في غفلة من امرهم، والموطن يئن من شدة المعاناة وشظف العيش وانعدام الامن والأمان!
رحل حسن والغبطة تختلج في صدره، وهو يشاهد ترمب يغادر البيت الابيض ملوما حسور. ولكن راعه وغمه حال بلاده، وهو يري بام عينه، ما وصلته قيادتها من درجة انحطاط، لتسلم قيادها لشخصيات مثل حميدتي والبرهان وثالثهم حمدوك! فان لم تكن هذه خيبة الامل في آخر المشوار، بل التعاسة بعينها فما هي التعاسة اذن؟
رحل حسن بعد ان جاهد جور الانقاذ وخطلها وفسادها، وتفنن في كشف زيفها وعوراتها. الشئ الذي ساعد في سحب الشرعية السياسية والاخلاقية من ذلك النظام المأفون. رحل حسن وهو يمني النفس ان يعقب بؤس الانقاذ (قمحا ووعدا وتمني) كما حلم شاعر الشعب محجوب شريف، وعمل من اجله كل الشرفاء.
رحل حسن بعد ان وطن الكلمة الصادقة وجودة الصياغة ونفاذ البصيرة في مهنة الصحافة. وبعد ان ادي فروض الولاء للوطن، حبا وعملا خيرا وامنيات طيبات.
رحل حسن، بعد ما ظل ثابتا علي مبادئه كجبل البركل، وقدم كل ما عنده لبلاده، كعطاء نخيل الشمال. وعاش حسن متحضرا، ليدفن في ارض الحضارة، جوار اجداده العظماء، ممن تحتويهم اهرامات البركل.
فالترقد بسلام حبيبنا وضي عيوننا وشعلة استنارتنا، حسن ود وراق، وإنَّا لفراقك لمحزونون، ورافقتك السلامة يا كل الحزن في الحشي الممكون. ولكن عزاءنا ما تركته فينا من اثر طيب وسيرة حسنة وسمعة طيبة ومسيرة مكللة بالفخار. وليس في وسعنا امام الموت إلا سؤال الله ان يلتقيك لقاء عاشقين عزَّ بينهما اللقاء، وان يكرم مسواك، ويجزلك العطاء بما يليق بعطاءه غير المحدود، وان يجعلك في رفقة ممن قدموار ارواحهم فداءً لاوطانهم ونبل قضاياهم، وصحبة ممن تحب وتشبه من الصادقين والمخلصين والصالحين في اعلي عليين. انا لله وانا اليه راجعون. ودمتم في رعاية الله ومعية دعاء الرحمة لاخونا جميعا حسن وراق.