استثمارات الحَاج مُضوِّي .. بقلم: عادل سيداحمد
23 يوليو, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
كانت استثمارات الحاج مضوي التي يدخل فيها على إستعجال، ساذجة … وفاشلة، لأنها مُستقاة من المجالسِ التي يرتادها: أفراحاً واتراح، وفي جلسة رجال الحي تحت ضُل العصريّة، وفي أماسي النادي بين المغرب والعشاء…
كان الجميع يتحدثُون عن أعمالهم بمباهاة، على سبيل التسلية وتزجية الوقت، وبطبيعة الحال، فقد كانوا: يبالغُون في تقدير نسب نجاحاتهم ويضخمُون أرقام عائداتهم، طالما الموضُوع: ونسة!
ولكن الحاج مضوي بتفائله الطفولي الطامع، وجهله المركّب، كان يأخذ أكاذيبهم على محمل الجد، ويحتذي، في أقرب فُرصة، حَذو أحدِ أولئك الأدعياء، متى ما راقهُ القَوْل، ولعبت برأسِهِ الأرقامُ… فيشرع، دون تروٍ أو صبر، في تنفيذ المشروع الذي كان (نجْماً!) في هذا المجلس أو ذاك، دون أن يدرس، أو يستشير، أو يستقصى، من: صحة المعلومات التي أدلى بها صاحب المشروع، على سبيل البوبار والفشخرة في أغلب الأحيان.
مع إنَّ رأسماله كان ضعيفاً، إلا أنه يمكن إعتباره كافياً لإيلاجهِ دُنيا الأستثمارات الصغيرة، ولم يكُن هُو مُتردداً أو خاضعاً لجبن رأس المال وسطوته… فكان، إذا ما عزم، يدخل، متوكلاً، في المُشروع الكارثة، التي سيتبينها الحاج، من صباح الغد!
كل هذا، رغم أن هذا الراسمال، كان: حصاد رحلة عمر وملخص للخدمة الطويلة الممتازة التي قضاها الحاج مُضوي في أضابير الخدمة المدنية، صاعداً لأعلى من مهنها الهامشيّة إلى وظائفها المختلفة، من المراتب الدَّنيا…
وزرع الرجل الثوم… محتذياً عم خليفة، الذي ورث حرفة الزراعة من الإجداد، وكانت حساباته، كلها، خائبة، فأنتج له رُبع الفدان المزروع، نصف ما أعلنه مقهقهاً حاج خليفة ذات جلسة، وتلف جزء كبير منه في الحصاد: لعطل بالماكينة الحاصدة.
وعندما همّ بالبيع، كان الموسم في أوجه … فباع بنصف أسعار العم خليفة… ودون أن يُدرك أن الخطأ إنما يكمن في طريقته، هُو، بالذات في تقدير الأمور، أدان العم خليفة ولعن سنسفيله، ولم ينتبه لأنه: قد صارت لديه تجربة مدفوعة الثمن، مع الثوم، يمكن الأستفادة منها ومراكمتها، حتى يصعد لأعلى و(يطلعلُو قوْزاً أخدر!)…
فقرَّر الخُرُوج من ميدان الزراعة، إلى تجريب تربية الدواجن، حسب الأرقام التي تباهي بها الحاج حسين، في الجلسة العصريّة… وقرر أن يدخل بخمسمائة كتكوت: ضعف حظيرة الحاج حسين، وكأنه يتحداه وداخل معه في منازلة!
وحسب تقديرات الحاج مُضوي، فأن الخمسمائة كتكوت ستكبر في أربعة أشهر ، وتصير دجاجات، يبضن بعددهن خمسمائة بيضة … تباع البيضة بسعر حسين المعُلن في تلك العصريّة …
وفوجئ الحاج مضوي بموت بعض الكتاكيت، ومرض بعض الفراريج، ووجود نسبة من الديوك،و تأخر البدء في الأنتاج: لأن الدنيا كانت صيف، وأثقلت عليه الزيادة المُطردة في أسعار الأعلاف، ولمّا أراد أن يبيع المحصول اليومي، استحال عليه ايجاد اسعار، ولو قريبة، من اسعار حسين فأدان حسين، ولعن (أبو خاشو!)…
و قذفت به الظروف إلى أسواق المحاصيل بالقضارف، ذات مأتم، وبعد تأدية الواجب، وسماعة في سرادق العزاء لقصَّة: الربح الوفير الذي يدرَه (السمسم) إذا ما تمَّ ترحيله وبيعه في الخرطوم، قرر الحاج مضوي، من فوره، أن يشحن كميَّة من أرادِب السمسم: بالقطار… ومن الوهلة الأولى خضع للقبانات والرسُوم والأتاوات والمصاريف، بحيث كان سعر اردبه من السمسم، عند وصوله العاصمة: أكثر بمرتين ونصف المرة من سعره المتاح ،أصلاً، في الخرطوم، ولأصناف أجود من بضاعتِهِ… لم يُطلعه عليها تجار السمسم بالقضارف.
فبارت سلعته… وأضطر أن يعصر جزءاً منها في عصَّارة زيوت ويبعها مُنتَجَة: أمبازاً وزيت… لا للربح، فقد كان هذا أبعد من أن يناله، وإنما: لتقليل الخسائر… فكره الزيت والإمباز والقضارف منذ ذلك اليوم!
استمر الحاج مضوي، يتنقّل من مشروع لآخر، مُبعثراً جهده ووقته ورأسماله، غير قادر على اكتشاف اصل مصدر الخسائر، من: التفاؤل الجاهل، وتضاءلت أموالُه يوماً بعد يوم، حتى كادت أن تتلاشى.
ولكنه أهتدي، في آخر الأمر، إلى أن يتاجر في السَمَكْ، من الخزَّان، إلى السُوق، بحسابٍ يومي: لا يخيب، وأضحَى جيبُه، ملئ بأوراق النقد، التي تقيه شر السؤال!
وصار يُساهم في مجالسِ العصريّة، بالمُباهاة بتجارةِ السمك، ويضرَب عائداتها في ثلاثةٍ أو أربعة، ملوحاً بيدِهِ في الهَواء، وهو يَحلِف:
– علي بالطلاق!… لا قضارف … ولا يحزنون، سَمَكِيْ دة: أخير من ثُوم خليفة… ودجاجات عم حسين!
amsidahmed@outlook.com