قد يساجل البعض، محقاً، بأن استقالة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك كانت منتظرة وأقرب إلى تحصيل الحاصل، بل يذهب البعض الآخر إلى القول بأنها قد تأخرت في ضوء مجريات الأمور بعد إخراجه من الإقامة الجبرية وإعادة تكليفه بتشكيل الحكومة. ذلك لأنّ حالة من الجمود والركود والاستعصاء هيمنت على علاقة حمدوك بجنرالات الجيش من قادة الانقلاب، اقترنت في الآن ذاته بتشدد العسكر ومضاعفة إجراءات قمع التظاهرات وقطع الإنترنت وإغلاق الجسور وممارسة التنكيل المباشر.
وعلى الجانب الآخر من حوارات حمدوك كان طبيعياً أن تسود حالة مماثلة من انسداد الآفاق مع مكونات المجتمع المدني عموماً وممثلي قوى الحرية والتغيير خصوصاً، لسبب أوّل هو أنّ الاتفاق الذي أبرمه حمدوك مع قائد الانقلاب عبد الفتاح البرهان في 21 نوفمبر الماضي بقي حبراً على ورق عملياً، كما تكفلت سلوكيات سلطات الانقلاب القمعية بتحويله إلى وثيقة باطلة تمدّ الجيش والأجهزة الأمنية بمزيد من التخويل الذاتي في انتهاج الاستبداد. وأما السبب الثاني الجوهري بدوره فإن المكون المدني لم يكن في الأصل شريكاً تفاوضياً أو حتى استشارياً قبيل توقيع اتفاق حمدوك والبرهان، ولهذا كان من المنطقي أن تتعثر حوارات رئيس الحكومة المكلف مع الشرائح المدنية، وأن تستعصي بالتالي حلول الحد الأدنى اللازمة لتشكيل حكومة جديدة.
وبهذا المعنى يجوز الافتراض بأن حمدوك يتحمل قسطاً من المسؤولية عن وصول السودان إلى الوضعية الراهنة من الاستعصاء السياسي وما تنذر به من مخاطر عديدة يمكن أن تنجم عن تصاعد المواجهة بين الشارع الشعبي وقوى الانقلاب العسكرية والأمنية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية والصحية التي يعيشها السودان اليوم. وأياً كانت نوايا حمدوك الحسنة في الاتفاق مع البرهان تحت ذريعة حقن دماء الشعب السوداني، فإنّ المزيد من دماء السودانيين أريقت بسلاح العسكر والأجهزة الأمنية خلال تظاهرات الاحتجاج التي أعقبت توقيع الاتفاق، بل تعنت الانقلابيون أكثر من ذي قبل وتسلحوا ببعض ردود الأفعال الدولية التي رحبت بتفاهمات البرهان مع حمدوك.
إعلان حمدوك أن استقالته جاءت على خلفية فشل مساعيه مع المكونات السياسية المختلفة، وما سبق هذا المنعطف الجديد وما سيعقبه من تظاهرات احتجاج شعبية واسعة النطاق، وما سينتهجه الجيش والأجهزة الأمنية الانقلابية من مظاهر قمع وتنكيل، إنما يعيد السودان إلى صبيحة الانقلاب يوم 25 أكتوبر الماضي حين سارع البرهان إلى عزل حمدوك واعتقال وزراء الحكومة وإبطال أو تعطيل بنود أساسية في الوثيقة الدستورية. لكنه على قدم المساواة وضع يعيد الحركة الشعبية السودانية إلى موجة التظاهرات العارمة التي اجتاحت السودان يوم 19 ديسمبر 2018، وتمكنت بعد أربعة أشهر من إسقاط نظام عمر حسن البشير.
وكما نجحت قوى المجتمع الحية والمدنية في قيادة الجموع وحشد الصفوف ورفع الشعارات الصائبة، فإنها اليوم أيضاً مطالبة بتحمل المسؤولية والترفع عن خلافاتها الجانبية وتوحيد الصفوف والارتقاء بالوعي الشعبي بما يتيح إحياء جذوة الانتفاضة والسير نحو كسر الانقلاب والمضي قدماً في التغيير الديمقراطي.
يبدو السودان أمام مستقبل مجهول ومخيف في الوقت ذاته في غياب معادلة جديدة تؤمّن نوعا من الحكم المدني يضمن الاستعانة بخبراء حقيقيين يعالجون الوضع الاقتصادي أوّلا. في غياب مثل هذه المعادلة التي تمثّل الخيار الأفضل للبلد، يبدو أن العسكريين يتجهون إلى تكريس وضعهم كمرجعيّة لأيّ سلطة مدنية… هذا إذا لم تغرهم تجارب الماضي، بدءا بتجربة إبراهيم عبود وصولا إلى تجربة عمر حسن البشير، مرورا بتجربة جعفر نميري، وهي ثلاث تجارب سيئة الذكر إلى حدّ بعيد.
تبدو الحاجة أكثر من أي وقت إلى رعاية دولية وعربيّة للسودان في حال كان مطلوبا تفادي الأسوأ وكي لا يقال إن السودانيين يتصرّفون على طريقة أبناء العائلة المالكة في فرنسا ونبلائها. خسرت هذه العائلة، مع نبلائها، العرش نتيجة ثورة 1789 وبقي أفرادها وأبناء العائلات النبيلة يرفضون أخذ العلم بما حدث. كانت النتيجة أن انطبق عليهم القول الذي خرج به تاليران عن أنّ هؤلاء (لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئا). لم يتعلموا شيئا من التجربة التي مروا بها ولم ينسوا شيئا من عاداتهم السيئة.
في كلّ الأحوال، يقف السودان عند مفترق طرق. هذا ما قاله حمدوك في بيان استقالته الذي عكس تجربة مرّة منذ صار رئيسا للوزراء في العام 2019 ثم وضعه في الإقامة الجبرية في تشرين الأوّل – أكتوبر الماضي، قبل أن يفرج عنه لاحقا ويكلّف مجددا بتشكيل حكومة. حدث ذلك في ظلّ ضغوط دولية مورست على الضباط الذين يبدو أنّهم أعادوا التقاط أنفاسهم في الأسابيع القليلة الماضية. اضطر العسكر إلى اللجوء إلى العنف والقمع في مواجهة شارع يريد حرق المراحل. هذا مستحيل في بلد مثل السودان حيث تعوّد السياسيون بأحزابهم المختلفة على مماحكات لا طائل منها.
ما حدث أن عبدالله حمدوك فرّ بجلده بعدما وجد نفسه أسير معادلة مستحيلة هي تفاهم بين العسكر والمدنيين. ترك السودان في حال يرثى لها في وقت تبدو الحاجة أكثر من أيّ وقت إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بلد كان إلى ما قبل فترة قصيرة بلدا واعدا، خصوصا في ظلّ الإصرار الداخلي على التخلّص من نظام البشير بكلّ تخلّفه.
نبضات أخيرة:
• ميثاق التجمع مخرج من الأزمة أم زيادة تعقيد لها؟ في بنود ميثاق تجمع المهنيين السودانيين الذي جرى تسويقه لعدد من القطاعات، طالب التجمع بإسقاط المكون العسكري وسلطته بشكل تام، ودعا لحصر مهام الجيش في حماية الدستور والدفاع عن الوطن والمواطنين من المهددات الخارجية وحماية الحدود،
اعتقد أنّ أي توافقات سياسية بمعزل عن القوى الانتقالية تزيد من الشقة والخلاف، وينادي بحوار شامل وكامل يتضمن تقديم تنازلات من جميع الأطراف.كما أن القوى الوطنية تعتقد أن رؤية التجمع المتمثلة في هذا الميثاق محاولة لإعادة هيمنة القوى السياسية في الفترة ما قبل 25 أكتوبر 2021
• التقرير الذي اوردته صحيفة الجريدة في عددها الصادر اليوم عن الشهيد الذي فجرت الدوشكا رأسه حتى خرج “المخ” من “الجمجمة” و حمل على كفتي سفنجة و حديث والدة الشهيد للصحيفة يدمي القلب و يوضح بشاعة فعل الإنقلابيين. هذه الحادثة تستوجب استقالة جميع من هم في كابينة الانقلاب ان كان لديهم حس وطني او وازع ديني او أخلاقي.
• أدان مجلس السيادة العنف ضد المظاهرات. و طبعاً هذا أمر مدهش و محير. و لكن ليست المشكلة في أن يكون المجلس (بالأحرى المكون العسكري) متناقضاً أو كاذباً؛ المشكلة أن يكون جاداً في هذا الكلام. لأن ذلك سيعني شيئاً واحداً هو أن الآلة العسكرية للدولة من جيش و شرطة و أمن لا تخضع لا لمجلس السيادة و لا للبرهان. فهل هذا يعني أن قيادة السلطة الحالية عاجزة تماما عن السيطرة على هذه الأجهزة؟!.
mido34067@gmail.com
/////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم