استقالة حمدوك، هل هي مناورة أم نتيجة لمشكلة جدية في الكواليس  .. بقلم: محمد أحمد الجاك

   كان معلوما  للجميع أن النتيجة الحتمية لنهاية اتفاق البرهان – حمدوك هي استقالة الأخير في ظل التعقيدات السياسية التي حدثت بعد توقيع الاتفاق الموقع بعد انقلاب البرهان في 25 أكتوبر2021، كان واضحا منذ البداية أن الشروط السياسية التي جاء بها الاتفاق وطبيعته اصلا لا تسمح بعمل أرضية وبداية جيدة لاي عملية سياسية تحقق الاستقرار السياسي بالبلاد وتفتح نوافذ جديدة وأفق واسع وجديد لعملية الانتقال.  يبدو أن الرجل اكتشف  متاخرا  أن توقيعه على الاتفاق مع البرهان كان طوق النجاة بالنسبة للانقلابيين وحمايتهم من الداخل ومن المجتمع الدولي .حمدوك عجز عن ايقاف ما يحدث من عُنف و سفك دماء وهو أمر محزن و مأساوي بكل ما تعنيه الكلمة. و هو مدان و مرفوض، و تتحمل مسئوليته بالدرجة الأولى آلة العنف العسكرية و قادتها، و تحديداً قادة المجلس العسكري، و بالدرجة الثانية تتحمل المسئولية القوى السياسية التي تعمل على الدفع بالأمور نحو المواجهة الصفرية و تعجز عن إيجاد مخرج سياسي يحفظ الأرواح و الدماء و البلد.
هذا العُنف هو جزء من مشهد كبير للفشل السياسي و انسداد الأفق، و لا يُمكن فهمه أو إدانته أو مواجتهه و إيقافه بمعزل عن السياق السياسي الكلي.
هُناك سلطة أمر واقع، هي في الأساس جزء من إطار الوثيقة الدستورية  و الذي بسببه وصلت الأمور لهذا الحد، باعتباره إطارا  قائما على فكرة اقتسام السلطة بين العسكر و المدنيين و ليس على أساس مشروع وطني أو رؤية وطنية. هذه الشراكة وصلت إلى نتيجتها الحتمية بإجراءات 25 اكتوبر، و منذ ذلك الوقت تشكل واقع بمعطيات جديدة؛ فعادت أحزاب السلطة السابقة للتصعيد مطالبة بتسليمها سلطة كاملة و هو مطلب غير شرعي و غير واقعي لا تسمح به المعطيات السياسية على الأرض، و لكن أصبحت الأمور أكثر سوءاً مع المزايدة الثورية من لجان المقاومة و واجهات الحزب العجوز بشعارات جذرية ترفض الشراكة و التفاوض و تطالب بسلطة مدنية كاملة و كل ذلك بشكل اعتباطي بدون أي رؤية سياسية و بشكل عبثي تماماً.
إن استمرار المعادلة السياسية بهذا الشكل، سيرفع تكلفة كل الحلول. التسوية تكلفتها سترتفع لو استمرت المواجهات و العنف، حتى الأحزاب السياسية التي تستثمر في المواجهات لن تستطيع العودة إلى التسوية إلا بثمن سياسي باهظ جداً. و كذلك كلفة الحل الثوري الجذري سترتفع للغاية؛ فكلما تورط العسكر في القتل و الدماء كلما استماتوا في التمسك بالسلطة دفاعاً عن أنفسهم، و مجزرة فض الاعتصام أكبر دليل، و بالتالي كلما استمرت الأوضاع في التصعيد كلما ابتعدنا عن الديمقراطية و انتقال السلطة؛ إذ لا يُمكن لشخص مهدد بالمشنقة أن يسلم السلطة بانتخابات أو بغيرها.
اتفاق البرهان – حمدوك لم يحقق الهدف الذي قام من أجله الاتفاق وهو شق الصف الوطني وتقسيم الشارع الثوري . الواقع الواضح  كان قبل استقالة حمدوك هو أن الشارع السوداني لم يقبل بالبرهان وحميدتي في  المشهد السياسي  السوداني كما لن يقبل به بعد ذهاب حمدوك في اي مشهد جديد، في ظل كل هذا الوضع المعقد عقب الانقلاب خرج حمدوك وقرأ ذات بنود انقلاب البرهان ومع ذات الجنرالات الذين رفضهم ويظل يرفضهم الشارع السوداني وهذا برائي أكبر خطاء ارتكبه حمدوك في حق الشعب السوداني وفي حقه هو شخصيا.
تعقيدات الوضع الآن وانفتاحه على الكثير من التناقضات في النهاية اما أن تواجه البلاد سيناريو الانهيار أو قد يكون بشرى خير بتأسيس المشهد السياسي السوداني بقواعد و أسس متينة وصلبة اذا حافظت جميع اطياف النادي السياسي السوداني علي التمسك بوحدة البلاد وضمان استصحاب الحكمة في اي شرعية دستورية قادمة لاخراج البلاد من خطر الانهيار الذي يهددها. الخوف من الحركات المسلحة وبعض الاحزاب المتعودة على شق الصف ووضع العقدة على المنشار في الكثير من القضايا السياسية السودانية . علي الاحزاب السياسية والحركات المسلحة أن يحترموا  رأي الشارع الثوري وأن يجعلوا الشعب السوداني اولوية لمرة واحدة فقط.
اي شرعية دستورية قادمة يجب أن تكون متنوعة ومتعددة ويكون طرفيها الاساسيين هما القوات المسلحة ( اذا كفت اطماعها عن السلطة) والكتلة المدنية بصورة منتظمة ومشرعنة وبلا وسطاء ، لأن هاتين القوتين كانتا قادرتين على قلب النظم السياسية عبر الانقلابات والثورة.
بعض المناصرين لحمدوك ( الحمدوكيين ) يتحسرون عليى ذهاب الرجل ويعتقدون أن استقالته تمهد لقضية تمزيق وتفيت البلاد وانهيارها ، هؤلاء يمكن أن نقول لهم  أين هي الدولة التي يخشى علينا البعض من انهيارها؟! أين المؤسسات؟! أين البيروقراطية ومدير المؤسسة الحكومية المدنية يتلقى خطاب إقالة معنون من قيادة  الجيش!!، وأين الجيش نفسه؟! وجنوده وضباطه يقذفون المراهقين في الشوارع بالحجارة ويطاردونهم بالعصي؟!، أين الدولة والمليشيات تنهب مدينة الفاشر والقوات النظامية تنهب الخرطوم، وتعطل العمل وتهرب الذهب وتغلق الميناء؟!
نحن حاليا في حالة انهيار الدولة، التي انهارت قدرتها على كل شئ سوى القتل والنهب. وفقدان الدولة للقدرة على القتل حلم نتوق إليه وليس كابوس نتخوف منه، فما هو الفارق في وجود حمدوك أو ذهابه!!
نتفق أو نتخلف يجب القول أن مضمون استقالة حمدوك قليل القيمة لعدم ذكر الدماء التي اريقت ، خاصة بعد تبرير حقن الدماء الذي ظل حمدوك يردده كثيرا بعد اتفاقه الموقع مع البرهان عقب الانقلاب، حمدوك لن يحكم بعد الاستقالة كما أنه لم يكن حاكما قبلها.
شكراً حمدوك. الرجل قدم خطاب استقالة مسئول و مؤثر. و في النهاية لا بديل سوى التوافق و الحوار.الآن حمدوك قدم استقالته للشعب السوداني الذي منحه الشرعية ولم يقدمها لمجلس السيادة الانقلابي وهذا اجراء يشكرعليه، وسيمضي حمدوك الى حال سبيله والرجل يعرف جيدا أن يذهب، فمن كان يؤمن بحمدوك فحمدوك قد إستقال، ومن كان يؤمن بالله الذي نصرنا على المخلوع البشير وأعوانه فسوف سينصرنا الله على البرهان وزمرته إن شاء الله ومن كان يؤمن بالثورة فالثورة لن تستقيل وستنتصر عاجلا أم آجلا.
mido34067@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً