استقالة رئيس الوزراء.. هكذا طُويت صفحة من صفحات الانتقال .. بقلم: د. عارف تكنة

استهلال:
في أغسطس 2019م أدى القسم الدكتور/ عبد الله حمدوك رئيساً لوزراء الفترة الانتقالية بعد مخاص عسير وتراشقات مضنية بين المجلس العسكري الانتقالي (وقتئذٍ) وقوى إعلان الحرية والتغيير (آنئذٍ).. وهو الذي استقدم من وراء البحار ليقود الدفة في أمواج متلاطمة. لم يقوى على الصمود إزاء التعاطي المتضارب من القوى (الفاعلة) كما يسمونها. فخارت مراكبه من عناء الإبحار.. ترجل الرجل تاركاً تركة مثقلة.. ملقياً تساؤلات دون إجابات.. وهمهمات بين الأزقة والطرقات.. وهو الذي هَمَّ بما ذهب إليه أخيراً في الأيام القليلة السابقة تلميحاً وتصريحا.. حتى جاءت جهينة بالخبر اليقين في الثاني من يناير عام 2022م فألهبت صبارة القيظ في ليلة ليلاء من هذا الشتاء.
خلال مسيرته في سنام رئاسة الوزارة الانتقالية، شهدت قوى إعلان الحرية والتغيير (قحت) مماحكات فيما بين مكوناتها. فلم يقتصر الأمر على ذاتها فحسب بل امتدت مواجهاتها حتى مع المكون العسكري (شريكها في الوثيقة الدستورية)..
فهذه قحت وقد ابتليت بالانشطارات والانكفاءات التي أدت إلى ما نحن فيه الآن.. تغيرت ملامحها.. تبدلت مراميها.. تحركت ثوابتها.. تبعثرت شعاراتها.. تمزقت كياناتها..

في سبر غور التشكيل:
فزمام وخطام المد القحتاوي يرتكن إلى تنظيمات تعددت مشاربها .. هم تجمع المهنيين، تحالف قوى الإجماع الوطني، قوى نداء السودان ، الجبهة الثورية، التجمع الاتحادي المعارض، الحزب الجمهوري، الحزب الليبرالي، تيار الوسط للتغيير، مبادرة لا لقهر النساء، حركة قرفنا، التغيير الآن، تجمع القوى المدنية، لجان المقاومة السودانية، مؤتمر خريجي جامعة الخرطوم، كونفدرالية منظمات المجتمع المدني، تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل، منبر المغردين السودانيين، الكيان النوبي الجامع، مجلس الصحوة الثوري، المجموعات النسوية المدنية (منسم)، الجبهة الوطنية العريضة، حزب بناء السودان، تجمع أسر الشهداء… والقائمة تطول..
فتجمع المهنيين تكون أصالة من ثلاث شعب. هي شبكة الصحفيين السودانيين وتحالف المحامين الديمقراطيين ولجنة أطباء السودان المركزية.. ثم انضمت إليها لاحقاً جمعيات ونقابات أخرى.
كان التجمع صوته عالياً خلال الفترة التي سبقت إقالة الرئيس السابق (عمر البشير) وما بعده بفترة وجيزة نسبياً.. وهو الذي كان ينظم أغلب المظاهرات والمسيرات ويحدد المسارات والتجمعات وما إلى ذلك.. إلا أنه (اي تجمع المهنيين) لم يسلم من الانقسامات والتراشقات الشيئ الذي أقعده عن الأضطلاع بدوره الذي رسمه لنفسه.
أما الجبهة الثورية التي تكونت في الأساس من تحالف أربع حركات مسلحة. هي حركة العدل والمساواة السودانية بقيادة خليل إبراهيم، حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال – بقيادة مالك عقار، لم تكن على نسق واحد خلال مسيرة الانتقال. حيث تأثر فصيل منها بالارتدادات التي شابت انقسامات قوى الحرية والتغيير.
وأما تحالف قوى الإجماع الوطني بزعامة فاروق أبو عيسى (رحمه الله). والذي يضم بين حواشيه ومتونه سبعة عشر حزباً وتنظيماً.. أبرزها حزب الأمة، حزب المؤتمر الشعبي، الحزب الشيوعي، والحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال). لم يسلم من التصدعات التي شابت المسيرة الانتقالية.
وكذا التجمع الإتحادي المعارض لم يسلم هو الآخر من الأنواء.. وهوالذي تكون من ثمانية فصائل اتحادية هي الوطني الإتحادي الموحد، الحزب الاتحادي الديمقراطي العهد الثاني، الوطني الاتحادي، الاتحادي الموحد، الحركة الاتحادية، الاتحاديين الأحرار، التيار الحر واتحاديين آخرين غير منضوين تحت الأحزاب المشار إليها.
وهناك قوى نداء السودان وهو ذلك التحالف السياسي والذي ضم قوى سياسية مدنية وحركات مسلحة معارضة. مثل حزب الأمة القومي، حزب المؤتمر السوداني، الحركة الشعبية قطاع الشمال، حركة تحرير السودان، حركة العدل والمساواة، حزب البعث، لم يسلم من حمى التصدعات.
نكتفي بتلك الإضاءة.. في معرض التشكيل والاستشكال.

هل من كلمة سواء؟.
ذلك الطيف المتعدد المشارب والمضارب لم يجمع إجماعاً قاطعاً إلا في إزاحة النظام السابق (نظام البشير).. ثم ماذا بعد؟! عندها أطلت الأيديولوجيات والمحاصصات ليتزاحم الجمع في الساحة التي ضاقت بما رحبت. حتى آل الأمر لأربعة منها (كما يقول القائلون).. فأصبحت (بقدرة قادر) متسيدة الموقف.. دون سواها من تنظيمات وأحزاب قحت، ودون غيرها من الكيانات التي ساهمت في تفجير الثورة.. فالأحزاب الأربعة التي يقصدون هي حزب الأمة القومي، حزب المؤتمر السوداني، حزب البعث العربي والتجمع الإتحادي الديمقراطي.. بذلك قال الذين ينعون المشهد.
إزاء تلك المنعرجات والمنعطفات والمطبات، تشظت قوى الإعلان. فانقسمت إلى مجلس مركزي من جهة وميثاق وطني في ضفة أخرى.. كل يحشد ويحتشد.. يفترق ويتحد..يكر ويفر.. فأضحى المشهد فسيفسائياً ربما تعوزه القدرة على التعبير عن المرحلة الحرجة من عمر الوطن.
فعادت ثقافة الإعتصام مرة أخرى بثوب آخر في غير مكان وغير زمان.. عندها لبى المكون العسكري النداء (نداء المعتصمين الآخرين).. على النحو الذي كان في المبتدأ (للمعتصمين الأولين) بحسب بعض القائلين.. إلا أن الانقسام أصبح على أشده وأواره.. فسمى البعض الحدث إنقلاباً.. في حين اتخذ الطرف الآخر نعتاً للحدث بأنه مجرد انحياز لتصحيح ما اعوج من مسار.. وإنزال شعار الثورة على الثوار.. بعدما انقسمت الأحزاب وتحاصصت.. وحَمِىَ المشهد..وتعالت الأصوات.. وظهر الأضداد.. بين الرفاق والأنداد.
على أثر تلك الانقسامات برزت في الساحة تجمعات لجان المقاومة وهي التي التقطت القفاز هذه الأيام فأصبحت هي التي تبتدر المسيرات والمظاهرات والتجمعات والوقفات الاحتجاجية.. عندها خَفَتَ صوت المهنيين من لدن قوى الإعلان. خفوتاً ليس كما كان. أما قحت الكبرى فأصبحت “قحتين”.. واحدة تجلس في مجلسها.. والأخرى تقبض على ميثاقها..
وقبل ذلك وبعده.. ظهرت مبادارت شتى من الحكماء والوجهاء وأهل الرأي والرأي الآخر والسياسية والكياسة.. وأهل الإعلام والأقلام.. مبادرات شتى من الخبراء العسكريين وغيرهم من المدنيين.. كلها لم تؤتي أكلها..
هنا سأل سائل: أيها أثقل وزناً في المضمار السياسي؟. أجاب المجيب فقطع قول كل خطيب: ذلك تحدثكم به أضابير الاقتراع الذي يوقف الانداع والابتلاع.
الرائي للأمر يلحظ اختلاط وتضارب المرامي والأهداف حتى عند الحزب والتنظيم الواحد.. فحزب الأمة مثلاً.. وهو الحزب الكبير.. فما أن يصرح رئيسه (المكلف) بتصريح حتى يعقبه أمينه العام بآخر في الاتجاه المعاكس. فانعكس الأمر سلباً على الموقف العام وهكذا خيم الضباب. (يا أحباب).
حيال هذا المرج والهرج والعج، بحت الأصوات وكثرت النداءات من عند المكونين.. بما فيها صوت رئيس الوزراء (المستقيل).. مبتدراً أن تعالوا إلى ما يجمع الأصدقاء (الفرقاء). فلم تُطْرق بعض الآذن إصغاءً لما يدعو.. فكرر المبادرات.. والدعوات.. أبرزها: “الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال – الطريق إلى الأمام (15 أكتوبر 2021م)، خلية الأزمة (6 + 1) (18 أكتوبر 2021م)، فخاب المسعى. ومما ليس منه بد، تنكب عن الأمر برمته.. تاركاً الجميع في صورة ضبابية.. طاوياً صفحة العهد الحمدوكي.. ذلك ما كان بشأن المكون المدني القحتي..
فأين نحن ذاهبون.. فالمكونات هي المكونات.. والتشكيلات هي التشكيلات.. والانقسامات هي الانقسامات.. والتراشقات هي التراشقات.. والمفارقات هي المفارقات.. والمقاربات هي المقاربات.. فهل من مغيث؟.
هذه دعوة لتوافق مدني مدني بجميع أطيافة بلا استثناء.. لتوافق مدني عسكري بجميع تنظيماته بلا استثناء..
اللهم احفظ السودان وبنات السودان وأبناء السودان .. في كل بقعة ومكان .. في كل حين وآن.. في كل وقت وزمان.
د. عارف تكنة
4/يناير/2022م

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً