” شويه سيكولوجي 18 ”
Post-Traumatic Stress
Disorder
التذكر في مقاربة عمل الذاكرة الإنسانية هو عملية استدعاء Recall لأحداث سابقة ؛ سواء أن شاهدها الفرد أو شارك فيها طوعاً أو قسراً .. وكما يقولون إن من الحب ما قتل ، يمكن القول بأن من الذكريات أو التذكر ما يصحبه الألم والضغط النفسي ، وضعف واختلال القدرة على التفكير السليم وإدارة الحياة اليومية العادية بفاعلية .. وموضوعنا اليوم يا صديقي هو ما يسمى بـ “اضطراب ما بعد الصدمة Post-Traumatic Stress Disorder” .. وهو كما تدل عليه تسميته إضطراب يحدث بعد تعرض الفرد لصدمة ما Trauma ، أو لأحداث صادمة Traumatic events.. وعلينا بداية أن نفرق بين مصطلح Shock ومفهوم Trauma وذلك بسبب ان الاثنين غالبا ما يترجمان للغة العربية بكلمة “صدمة” .. وفي هذه التفرقة نقول إن كلمة Shock الشائع استخدامها غالباً ما يقصد بها “المفاجأة” أو حدوث ما هو غير متوقع .. أما Trauma فيقصد بها الصدمة وتشير الى حدث يفوق طاقة التحمل العاطفية ؛ وربما العقلية ، لدى الفرد بما يخل بتوازنه النفسي والعقلي كلما استعاد ذكرى الحدث ، وهي ذكرى تفرض نفسها على تفكير ومشاعر الفرد ولا يستطيع التخلص منها وتفشل محاولات تناسيها .. ونَصِفُ كلمة Trauma بأنها مفهوم Concept لاتساع معناها ومحتواها .. ومن الأسباب الأكثر شيوعاً للصدمة تعرض الفرد أو أن يكون ضحية لكارثة من الكوارث الطبيعية ، أو لحادثة خطيرة ، او إصابة جسمانية خطيرة تؤدي الى إعاقة ما ، أو لعمل إرهابي ، او لحرب واعتداءات مسلحة على مدينته او قريته ، أو يكون ضحية للاغتصاب أو العنف الجنسي .. وقد صنف هذا الاضطراب حين ظهوره أول مرة خلال الحرب العالمية الأولى WWI تحت مسمى Shell shock إشارة إلى الصدمة التي تحدثها القنابل التي تنهمر على الجنود اثناء المعارك .. وسمي ذات الاضطراب بعد الحرب العالمية الثانية WWII بمسمى Combat fatigue أو رهق الحرب والمعارك .. ولكن سرعان ما اكتشف العالم الطبي أن هذا الاضراب ليس قصراً على الجنود ، وانما يصيب كل الناس لأسباب متعددة بغض النظر عن ثقافاتهم وجنسياتهم وعرقياتهم ودياناتهم ومهنهم ونوعهم من حيث الذكورة والانوثة ، وكان أن سمي باضطراب ما بعد الصدمة Post-Traumatic Stress Disorder (PTSD) .. وفي الولايات المتحدة يقدر بأن 3.5% من الراشدين الامريكان يصابون بهذا الاضطراب في كل عام ، وأن واحد من كل 11 فرد سيشخص بهذا الاضطراب خلال مسيرة حياته ، كما تكون نسبة إصابة النساء ضعف نسبة إصابة الذكور ! ..
وفيما يتعلق بأعراض PTSD فيمكن القول بصورة عامة بأن من يصاب به يعاني من أفكار ومشاعر مزعجة بشكل كبير Intense disturbing thoughts and feelings وفي الغالب تكون مصحوبة بكوابيس أثناء النوم ، وما يسمى Flashbacks وهي ذكريات لأحداث الصدمة تقفز إلى الذهن خلال ساعات الصحو ولمرات عديدة .. وبصورة عامة أيضاً يشعر غالبية المصابين بالحزن والغضب ويجنحون للبعد عن الناس ، وتجنب المواقف والأشخاص الذين قد يذكرونهم بما تعرضوا له من صدمات .. ومن المهم أن نذكر هنا أن الشخص يمكن أن يكون عرضة لهذا الاضطراب وهو لم يكن ضحية للحادث الصادم ، بل كان شاهداً عليه .. كما أن كثيراً من المرضى بهذا الاضطراب لم يكونوا ضحايا ، بل كانوا هم أنفسهم المرتكبين للفعل الصادم !!
ومن حيث الدقة فيما يتعلق بالتشخيص ، فإن أعراض PTSD تقسم إلى أربع فئات ، وهي :
– Intrusion:
ويقصد بها أفكار وذكريات غير مرغوب فيها ولكنها تفرض نفسها على شكل flashbacks تكون قوية بحيث يشعر الفرد بأنه يعيش الحدث مرة أخرى.
– Avoidance:
وهو الاحجام والتجنب للناس والأماكن والأنشطة والأشياء والمواقف التي قد تذكر الفرد بالتجربة الصادمة ، وبالتالي تنحسر مشاركة الفرد اجتماعياً ، وتقل أنشطته بشكل درامي.
– Alteration of cognition and mood:
ويقصد بها تغيرات في القدرات المعرفية والقدرة على التذكر فينسى الفرد تفاصيل متعلقة بالحادث الصادم ، وتختل ثقته بنفسه وبالأخرين مما يجعله يجنح للانسحاب الاجتماعي.
– Alterations in arousal and reactivity:
وهي تغيرات في مستوى الاستثارة وردات الفعل عن مستوياتها الطبيعية بما يؤدي بالفرد إلى عدم تناسب استجاباته للمثيرات ، واستجابات الغضب الانفجارية دون مبرر كافي ، والتصرف بأساليب قد تكون خطرة أو مدمرة للذات والأخر.. وبقي أن نقول في هذا الشأن أن أعراض PTSD ليس بالضرورة أن تظهر متزامنة مع الحادث الصادم مباشرة ، فقد تبقى كامنة وتظهر بعد زمن طويل من تعرض الفرد للحدث الصادم ( طبعاً ناس السيكولوجي يعلمون أن بعض الأحداث تكبت وتختزن في الذاكرة البعيدة ، إلى أن يحدث ما يسمى بالـ Memory trigger ).
وباقي لينا الآن يا صديقي أن نرى ماذا بشأن علاج الـ PTSD ، وهنا يجب أن نقول ونؤكد على أنه ليس لكل من يتعرض لخبرة صادمة في حياته أن يصاب بهذا الاضطراب ويحتاج لمعالجة نفسية أو سايكاترية .. كثير من الناس يتمتعون بقدر عال من ال Resiliency أو قوة الإرادة بما يمكنهم من مقاومة الوقوع في قبضة هذا الاضطراب ، كما أن من لديهم Strong Support System يتمثل في الترابط العائلي والصداقات الداعمة والوازع الديني والرصيد الروحي يستطيعون التغلب بها على الخبرات الصادمة دون الحاجة للمعالجة السايكاترية أو النفسية ( * انظر فيما يتعرض له المقيمون بمعسكرات النزوح من صدمات واحباطات واعتداءات بشكل يومي او دوري .. وانظر لقوة الإرادة والتصميم التي يواجه بها شبابنا أدوات القمع والقتل طوال مسيرة الثورة المجيدة .. شبابنا البواسل يرون زملائهم واصدقائهم يسقطون صرعى بالرصاص الغادر ، فيحملونهم الى مراكز العلاج ، ويعودون لمواصلة النضال بصدور مفتوحة .. وانظر الى الماجدات والماجدون من أمهات وآباء الشهداء .. يفجعون باستشهاد فلذات اكبادهم ، ويصرون على الخروج في المواكب دعماً للشباب والثورة المنتصرة بإذن الله ).
ودون الخوض في تفاصيل أساليب العلاج لـ PTSD لمن يحتاجونه (فهي تطول) ، نقول إن أنسب أنواع العلاج هي:
Cognitive Processing Therapy – Prolonged Exposure Therapy – Stress Inoculation Therapy – Group Therapy – Medications
حمانا الله وإياكم من شرور الصدمات وكل ما يصنف مرضاً أو اضطرابا ..
د. طيفور البيلي
talbeely@gmail.com
///////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم