aliahmayd@yahoo.com
بقلم: الرشيد حميدة
الخرطوم/السودان
لكل مهنة مهما استحقرها المرء أخلاق وشرف وميثاق وقيم، يمتثل ويرجع اليه صاحب تلك المهنة في جميع ممارساته المهنية، حتى يعزز مصداقيته أمام وفي نظر من يقدم له خدماته. ومهنة الطب تعتبر من أشرف المهن التي اشتغل بها الانسان، لا لأنها تدر المال والسلطة والجاه والتقدير، ولكن لأنها أكثر انسانية من غيرها، اذ ان هدفها هو اسعاد الانسان (الذي كرمه الله) وبني البشر كافة، بصرف النظر عن مقاماتهم ومراكزهم وأجناسهم، ودرء اخطار الأمراض عن ابدانهم وأنفسهم بكافة اشكالها وانواعها منذ ان خلق الله ذك الانسان وعززه وكرمه. وقد سجل لنا تاريخ الانسانية كيف تفاني الأطباء وعرضوا انفسهم للمخاطر واخطار الاصابة بالأمراض المعدية شديدة الخطورة، سيما في اوقات الشدة ومواطن الخطر. وكيف لازموا مرضاهم وكرسوا جل اوقاتهم وجهودهم لدرء اخطار الأوبئة والأمراض ودفع اضرارها عنهم، لا سيما في حالات انتشار (الطاعون). واستشهد بعضهم وسقطوا في ميدان مكافحة تلك الأوبئة والأمراض الفتاكة.
وفي السودان عمل كثير من الرواد الأطباء يوم كان وجود الطبيب نادرا، في اصقاع وبراري السودان النائية التي تعرف بمناطق (الشدة) وتنعدم فيها أدنى مقومات الحياة، وذلك تأكيدا لانسانية مهنة الطب ومقاصد الأطباء النبيلة ،ومهمة الطبيب التي تقتضي وجوده بجانب ذلك الانسان المصاب، فابلوا بلاء حسنا وصار يشار اليهم بالبنان في الاخلاص والتضحية ونكران الذات والتواضع. وارسوا بذلك قواعد وممارسات تلك المهنة الانسانية الرفيعة. والتزموا بكل المواثيق والاخلاق والقيم التي تحكم سلوك وتصرفات وممارسات الطبيب الانسان الوطني، الذي يقدر مجتمعه وسعادة غيره قبل ان ينظر الى سعادة ذاته أو ذويه.
ولكن هناك بعض التصرفات الدخيلة على مجتمعنا خاصة وعلى هذا المجال الحساس، على سبيل المثال، ما تواتر عن الأطباء المزيفين الذين ينتحلون صفة الطبيب، والحمد لله هم قلة، وهذا المجال برئ منهم. قصة غريبة استمعت اليها من قريب المريض مفادها أن مريضهم متقدم في السن اصيب بانسداد في الشريان التاجي وتقرر اجراء عملية (قتطرة) تشخيصية له {القثطرة بالثاء وليس بالسين كما هو شائع} وفي حالة العثور على خلل طبي تتحول الى قثطرة (علاجية). وقد تزامن اجراء العملية وجود احد اقربائه ولحسن الحظ يعمل طبيب متخصص في امراض القلب في الخارج، وقد استأذن الطبيب الذي سيجري العملية لقريبه، وأثناء سير العملية، تقرر تركيب (دعامة) للشريان، وهو اجراء طبي يهدف الى منع ترسيب أي مواد (سادة) قد تترسب على جدار الشريان وتعيد اغلاقه مما يعيق انسياب الدم داخله بشكل طبيعي. وتم تخليص الدعامة من غلافها (المعقم) توطئة لتركيبها. وهم الطبيب المعالج ببدء اجراءات التركيب، الا ان الطبيب المصاحب لقريبه استوقفه (في أخر لجظة)، وطلب من مسئول التخدير ايقاف عملية التخدير، وأشار الى الطبيب المعالج أن هناك امر خطير يتمثل في انتهاء صلاحية الدعامة حسب التاريخ المختوم على غلاف الدعامة، ولكنه لم (يندهش) الى تلك الملاحظة الخطيرة، بل اوضح له علمه يقينا بذلك، وزاده ان كل مرضى القلب الذين اجرى لهم العمليات من قبل طيلة الاسبوع الماضي ركب لهم من نفس نوع الدعامة (منتهية الصلاحية)، وأن الامر لا يستحق كل ذلك القلق. ولكن الطبيب المصاحب زجره بقوة مبينا له خطورة الاجراء الطبي الذي اقدم عليه والذي يريد ان يطبقه على قريبه، الذي كان ينتظر (انسانية) الطبيب المعالج وسلمه (روحه) وبدنه وجعله تحت تصرفه. وطلب من الكادر والفريق الطبي العامل ان يوقف أي اجراء طبي يتعلق بعلاج قريبه، وهو يتساءل في قرارة نفسه، هل هذا طبيب؟؟؟؟ الى أي مدى من الاستهتار والاستخفاف بارواح الناس والبشر انحدر هذا الطبيب وأمثاله؟؟؟ هل يا ترى هناك امثاله كثر أم هم قلة؟؟؟ أين الضمير؟؟ اين شرف وميثاق وقيم المهنة؟؟؟
نترك ذلك الزميل وتساؤلاته (المحقة) ونتساءل نحن الاسئلة المشروعة، ونقول هل يعقل ان نجد طبيبا في هذا التخصص الحيوي الحساس الذي يتعلق بأعز وأنفس عضو في جسم الانسان أن تحدثه نفسه{مجرد حديث} ان يتصرف على هذا النحو المخزي الإجرامي (المجنون)، والله هذا ليس بطبيب ومهنة الطب منه براء، بل هو ليس بإنسان، والإنسانية منه براء، شخص يفترض ان يخلص المريض من معاناته تسول له نفسه بالتخلص منه، انه في حكم القانون قتل عمد يستحق التجريم، لا السكون عليه، من المفروض هو وأمثاله أن يبعدوا من ممارسة تلك المهنة الانسانية، ويقدموا لمحاكمة رادعة. انه تصرف يستنكره المجنون قبل العاقل، تصرف لا يليق بطبيب وصل الى تلك المرتبة العلمية الرفيعة والمستوى التخصصي الدقيق، تصرف خال من المسئولية ويدل على غياب الضمير واحتقار المهنة وحري بنا الا نتعاطف معه مهما كانت الظروف والمبررات والمسوغات، وسيكون محل استنكار الجميع، والله المستعان.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم