الأحزاب السودانية هذا أو التلاشي الحتمي .. بقلم: م. محمد يوسف العركي
27 أبريل, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
132 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
القلم ليهو دافع: رؤى استراتيجية في تشكيل الوعي المستقبلي
بقلم:م.محمد يوسف العركي
باحث في استراتيجيات المعرفة
• مدخل :هناك عدة تعريفات لمفهوم الحزب السياسي وكلها تصب تقريباً في معاني متقاربة ، لكن دعونا نأخذ تعريف العالم جون جيكال كي تتضح بعض معالم الفكرة: (إن الحزب تنظيم دائم يتحرك على مستوى وطني ومحلي من اجل الحصول على الدعم الشعبي، ويهدف للوصول إلى ممارسة السلطة بغية تحقيق سياسة معينة)
• السودان منذ ان نال استقلاله في مفتتح العام 1956 م وحتى اليوم لم يصل بعد لتجربة سياسية ثابتة راسخة فهو ما بين الانقلابات والديموقراطيات قصيرة الاجل ، وبما ان السودان دولة ليست بدعاً من الدول فقد ظهرت فيه الاحزاب السياسية منذ حقبة الاستعمار حيث كان الخط العام لها هو الاستقلال ، لكن كلٌ كان له فهمه في ذلك فمنهم من اراد الاستقلال عن الانجليز ومصر ومنهم من طرح الوحدة مع مصر .فكان خيار الاستقلال التام هو الذي ساد.
• في تقديري إن ازمة الاحزاب السودانية هي معقدة بعض الشيء فبعض الاحزاب تستند على ايدلوجية تحيط بها الاتباع من ناحية روحية فلا يعرف المواطن هل هو يتبع للطائفة المعينة وبالتالي لابد ان يكمل الولاء بالانضواء لحزبها؟ ام له الخيار في ان يوجه عقله نحو مدرسة سياسية معينة وقلبه مع الشيخ والطريقة أو الجماعة؟!. ولعل هذا الصراع الذاتي هو احد اسباب نشأة طريق ثالث ظهر مستقبلاً بما يعرف بالاخوان المسلمين او ما اشتهر بعد ذلك بالحركة الاسلامية هذا بالاضافة الى الاحزاب ذات التوجهات اليسارية التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
• ولعل كل الاحداث السياسية التي عصفت باستقرار السودان كان نتاجها أمراً جوهرياً تمثل في أن بناء الدولة قد سبق بناء الأمة فحين جاء الاستقلال لم تكن الهوية السودانية قد تشكلت في صورتها الكلية ، حتى انك تلاحظ ان السيد اسماعيل الازهري والسيد المحجوب عليهما الرحمة والمغفرة كانا يرتديان الزي الافرنجي وهما يرفعان علم السودان وليس الجلباب والعمامة والتي تمثل الانسان السوداني؟!. ولو نظرنا في منظومة الامم من حولنا لوجدنا أن كل دولة نضجت سياسياً كان بناء الأمة سابقاً لبناء الدولة فجاءات الممارسة العملية مكتملة ناضحة وليست خداجاً.
• ونقطة أخرى جدير بالاشارة اليها وهي ان أهل السودان في عقلهم الجمعي يمجدون الماضي ويضفون عليه بعض القداسة لترفعه في منصة البطل المغوار وتجعل من المحظور بمكان ان تتحدث عن سياسي مثلاً بأنه أخطأ في كذا وكذا لا سيما في فترة الخمسينات والستينات، وهذا الامر امتد حتى شمل الثقافة فلا يجوز لك مثلاً انتقاد غناء الحقيبة وقس على ذلك كل ماضي استقر في سقف ذاكرة الانسان السوداني. وهذه معضلة أخرى عطلت الكثير من المراجعات في مسيرة الاحزاب السودانية.
• العالم المتقدم الآن في التجربة السياسية الراشدة تجده قد تواضع على عدد معين من الاحزاب ربما لا يتجاوز في حده الاقصى اصابع اليد الواحدة أو اقل، فهل يعقل أن يكون في دولة معينة عدد يقارب المائة حزب ؟!. وهذه الاحزاب لو نظرت اليها في مجموعها العام تجد معظمها قد تناسل عن الحزب الام وما ذاك الا لضيق مواعيين الحزب وغياب الحريات الداخلية ومساحة الراي الاخر ولم يسلم منها اي حزب في السودان فتفرقت ايدي سبأ وحتى الاحزاب المنقسمة هذه لم يكن لها اثر ملحوظ بعد انشطارها. و كذلك بعض الاحزاب مهما اوتي المنضوي فيها من فكر ومعرفة ووعي سياسي فان الراي الاول والاخير فيها لبيت واحد أو لشخص واحد وانظر حولك !.
• الاحزاب سادتي ليست مطية للحكم والاستوزار بل هي فكرة وطنية تدفعها ارادة سياسية لغاية كبرى هي الوطن والمواطن ، فلذلك تجد دوماً في الاحزاب ذات التجربة العلمية ان لديها ما يعرف بالابواب الخلفية وهي مراكز البحوث والدراسات بحيث تقدم الدعم والسند المعرفي وخارطة الطريق للحزب كي يصل الى مبتغاه .وكل هذا الجهد يتشكل في ما يعرف بالبرنامج الانتخابي للحزب فبالتالي هذا يتطلب مواطناً واعياً يكون مع البرنامج الذي يخدم مصلحته حتى وان كان في حزب آخر، ويستمد الحزب برنامج عمله من الوثيقة الوطنية للدولة التي يتواضع الشعب عليها ومن خلالها يصاغ الدستور الذي تحكم به الدول.
• كذلك تجد في المشهد السوداني غياب التواصل بين قيادات جل الاحزاب والعالم السوبراني أو الفضاء الاسفيري وبالاخص مواقع التواصل الاجتماعي والتي هي الان أعظم منصات للتلاقي ، وكل شباب العالم يتواجدون فيها والربيع العربي خير دليل على ذلك. فهل هناك قائد حزب سوداني له تواصل دائم مع الآخرين من خلال الفيس بوك او تويتر ؟. هذا الغياب خلق فجوة معرفية بين الاحزاب والأجيال الحالية.
• ومع اصرار قيادات الكثير جدا من الاحزاب ان يظلوا على سدة الحزب حتى رحيلهم للدار الآخرة جعل صدى كلمات الشاعر أمل دنقل تطرق اذان الكثير من الشباب السوداني
(لا تحلموا بعالم سعيد …..فخلف كل قيصر يموت …..قيصر جديد.) ، فزهد الكثير من شباب السودان في العمل السياسي واستعاضوا عنه بالانخراط في العمل الطوعي او الرياضة ممارسة وتشجيعاً وكذلك التجمعات الثقافية المفتوحة أو التعبير السياسي الحر دون الانتماء لاي جهة سياسية ، فهل جلست هذه الاحزاب يوماً بصدق لتراجع انتكاساتها المتوالية عن العلمية في ادارة شانها؟ .
• فعلى الاحزاب السياسية ان تراجع بصدق وتجرد مسيرتها وتقيم تجربتها ومن ثم تجعل الاساس الذي تنطلق منه مبنياً على فكر استراتيجي يتشكل من خلاله حلم وطني مرتكزاً على الوثيقة الوطنية ليتبلور في برامجها مستصحبة في ذات الامر الصراع الدولي واتجاهاته والتحديات الداخلية المتشابكة الاطراف وهذا لا يتم الا من خلال مراكز البحث العلمي.
• وعليها ان تختبر نفسها أولاً في ميدانها الرديف قبل المعلب الرئيسي بان توسع الحريات عملاً لا زعماً وتفسح المجال لأجيال ذات فكر مختلف وآمال وطموحات وتحديات جديدة ، فبذلك تستطيع أن تؤسس لتجربة ديموقراطية داخلية وممارسة راشدة .
• ومن ثم يمكنها الولوج لميدان الحراك السياسي العام بوعي مكتمل و منظومة برامج راسخة فدون ذلك سادتي سوف تدخل الاحزاب السودانية لغرفة الموت السريري ثم تتلاشى شيئاً فشيئاً ليأتي يوم لا يكون في السودان الا حزبي الهلال والمريخ ان سلما من الانقسام مستقبلاً .
alaraki74@gmail.com