باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 20 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. زهير السراج
د. زهير السراج عرض كل المقالات

الأزمة السودانية وأسباب سقوط الأنظمة الديمقراطية!

اخر تحديث: 20 أكتوبر, 2026 11:44 صباحًا
شارك

مناظير الثلاثاء 20 أكتوبر، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com

ونحن على أعتاب الذكرى 62 لثورة أكتوبر المجيدة:
الأزمة السودانية وأسباب سقوط الأنظمة الديمقراطية!
من 1955 إلى حرب أبريل 2023: إخفاق الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة

مقدمة:

  • تصلني أسئلة واستفسارات كثيرة من القراء خاصة الشباب عن الثورات السودانية، ولماذا وكيف حدثت، ولماذا لم تكتمل، ولماذا ظلت الأنظمة الديمقراطية تسقط بالانقلابات العسكرية، وبما أننا على مشارف ذكرى ثورة أكتوبر المجيدة 1964، انتهزتُ الفرصة لكتابة هذا المقال في محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، وأرجو أن أكون قد وفقت، وأعتذر مقدماً إذا أخطأت أو فاتني شيء.
  • شهد السودان ثلاث ثورات شعبية أطاحت بثلاثة أنظمة عسكرية: ثورة أكتوبر 1964 أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود، وانتفاضة أبريل 1985 أنهت حكم جعفر نميري، وثورة ديسمبر 2018–2019 أسقطت نظام عمر البشير، لكن التجارب التي أعقبت هذه الثورات لم تنجح في ترسيخ الحكم المدني والديمقراطي، فعادت الانقلابات العسكرية بعد أكتوبر وأبريل، ثم وقع انقلاب أكتوبر2021 على الشراكة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر، قبل أن تندلع حرب أبريل2023 فلماذا يتكرر هذا التاريخ؟!
  • للإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نعود قليلا إلى الوراء، ونجيب عن أسئلة أخرى.

1- الاستقلال ومشاكل تأسيس الدولة

  • نال السودان استقلاله في الأول من يناير 1956، بعد مرحلة طويلة من النضال الوطني ضد الحكم الثنائي البريطاني المصري. غير أن الاستقلال السياسي لم يصاحبه اتفاق وطني متين على طبيعة الدولة الجديدة، ولا بناء مؤسسات قادرة على إدارة التنوع الاجتماعي والثقافي والجهوي، أو ضبط العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية. كما لم يتحقق توافق وطني مستقر على توزيع السلطة والثروة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، ودور الدين في الدولة، وطبيعة النظام الدستوري الذي ينبغي أن يحكم البلاد.
  • قبل الاستقلال ببضعة أشهر وقع تمرد حامية توريت في 18 أغسطس 1955، وكان من أسبابه المباشرة رفض جنود جنوبيين أوامر نقلهم إلى الخرطوم وسط مخاوف من إبعادهم عن مناطقهم وإخضاعهم لسيطرة الضباط الشماليين، وتطورت الأحداث إلى تمرد مسلح وهجمات على الضباط، ثم امتد الصراع إلى مناطق أخرى.
  • غير أن التمرد لم ينشأ من فراغ، بل عكس أزمة أعمق تتعلق بالتنوع الثقافي واللغوي والديني، وتوزيع السلطة والثروة، ومخاوف الجنوبيين من أن الدولة الجديدة لن تضمن لهم المشاركة المتكافئة. وقد أسهمت هذه العوامل، إلى جانب تطورات لاحقة، في اندلاع الحرب الأهلية الأولى التي انتهت باتفاق أديس أبابا عام 1972.
  • لم تكن مشكلة السودان الحرب في الجنوب وحدها، بل أيضاً هشاشة البيئة السياسية التي نشأت فيها الدولة، فقد تداخل الديني بالطائفي والسياسي، وتحولت القيادات الدينية التقليدية إلى مراكز نفوذ حزبي. ارتبط حزب الأمة بحركة الأنصار وقيادة آل المهدي، بينما ارتبط الحزب الوطني الاتحادي في بداياته بالختمية وقيادة آل الميرغني. ولم يقتصر الصراع بين المعسكرين على التنافس على السلطة، بل شمل الخلاف حول مستقبل السودان بين الاستقلال الكامل عن بريطانيا ومصر والوحدة مع مصر.
  • ومع اقتراب الاستقلال، ظهرت انقسامات داخل المعسكر الاتحادي نفسه، وانفصل جناح الختمية وأسّس حزب الشعب الديمقراطي. وهكذا دخل السودان مرحلة الاستقلال وحياته الحزبية تعاني الانقسامات، وتعتمد بدرجة واسعة على الولاءات الطائفية والشخصية، في وقت كانت فيه القوى الحديثة، من نقابات ومهنيين وطلاب ومثقفين، تسعى إلى توسيع دورها في الحياة العامة.
  • لا يعني ذلك أن الطائفية كانت قوة سلبية في كل مراحلها، فقد أسهم الأنصار والختمية في تعبئة قطاعات واسعة من السودانيين، وشاركت قواعدهما في الحركة الوطنية ومقاومة الاستعمار، لكن ارتباط الأحزاب الكبرى بالقيادات الطائفية والعائلية جعل بناء مؤسسات حزبية حديثة ومستقلة أكثر صعوبة، وأبقى السياسة عرضة للانقسامات الشخصية والتحالفات المتغيرة.
  • ورث السودان جهاز دولة نشأ وتشكّل في عهد الاستعمار، وكانت أولوياته الأساسية إدارة البلاد وحفظ النظام، لا بناء مشاركة سياسية متكافئة بين المواطنين. كما ورث تفاوتاً كبيراً في التنمية والخدمات بين المركز والأقاليم، من دون أن تجد مشكلة الجنوب معالجة سياسية عادلة قبل الاستقلال.
  • دخلت القوى السياسية مرحلة الاستقلال وهي تحمل رؤى متباينة لمستقبل البلاد، وتداخلت برامجها مع الولاءات الطائفية والجهوية. ولم تنجح القوى المدنية في تأسيس قواعد مستقرة للتداول السلمي للسلطة، وظلت قضايا الدستور والحرب في الجنوب والعلاقة مع مصر والتنمية والإصلاح الإداري ودور الجيش موضع خلاف.
  • كان الاستقلال بداية بناء الدولة، لكنه لم يكن نهاية الصراع حول هويتها وشكل الحكم فيها، وظل غياب التوافق على أسس الدولة حاضراً في الأزمات السياسية التي أعقبت ذلك.

2- الديمقراطية الأولى وانقلاب نوفمبر 1958

  • شهدت السنوات الأولى بعد الاستقلال تنافسا حزبيا حادا، وتبدلات متكررة في الحكومات والائتلافات، ولم تتمكن الأحزاب من بناء توافق مستقر حول القضايا الأساسية، بما فيها الحرب في الجنوب، والتنمية، والإصلاح الإداري، والعلاقة بين الجيش والسياسة.
  • لعب الأنصار والختمية، كما أسلفت، دورا كبيرا في تشكيل الأحزاب والانتخابات، وأسهمت الطائفتان في تعبئة قطاعات واسعة من المجتمع والمشاركة في الحياة السياسية، لكن ارتباط الأحزاب الكبرى بالقيادات الطائفية والعائلية، والصراع بين القيادات التقليدية والقوى الحديثة، أضعف بناء مؤسسات حزبية مستقلة وقادرة على إدارة الخلافات بصورة ديمقراطية.
  • وفي الوقت نفسه، ظل الجنوب في حالة حرب، والاقتصاد ضعيفا، والعلاقة مع مصر قضية سياسية حساسة، بينما احتفظ الجيش بموقعه كقوة منظمة تمتلك القدرة على التدخل في ظل عجز القوى المدنية عن إدارة الأزمة.
  • في 17 نوفمبر 1958، استولى الفريق إبراهيم عبود على السلطة، في خطوة ارتبطت بأزمة الحكم والصراع داخل القوى السياسية، ويرى بعض المؤرخين أن رئيس الوزراء عبد الله خليل، القيادي في حزب الأمة والضابط السابق في الجيش، وافق على تسليم السلطة إلى الجيش، بينما تصف روايات أخرى ما جرى بأنه عملية تسليم وتسلم، لكن الجدل حول ما سبق الانقلاب لا يغيّر النتيجة السياسية: نهاية التجربة الديمقراطية الأولى، وتولى الجيش الحكم.
  • فرض النظام العسكري فور توليه الحكم قيودا واسعة على الحريات العامة والسياسية، وحظر الأحزاب والنشاط السياسي، وقمع المعارضين، وضيّق على النقابات والطلاب، مما أثار معارضة واسعة لحكمه.
  • كما أثار تهجير سكان وادي حلفا الذي بدأ في يناير 1964 إلى منطقة خشم القربة بشرق السودان غضباً واسعاً، لما ترتب عليه من فقدان الأراضي والمساكن ومصادر الرزق، في سياق تنفيذ اتفاقية مياه النيل لعام 1959، وإفساح المجال أمام بحيرة السد العالي.
  • وفي الجنوب، فاقمت سياسات النظام الرامية لفرض التعريب والأسلمة، إلى جانب القمع العسكري، الحرب الأهلية وعمّقت الهوة بين الشمال والجنوب. ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية وتصاعد الاحتجاجات الطلابية والنقابية وتنامِي المعارضة السياسية، دخلت البلاد في حالة من الغليان، انتهت بالإضراب السياسي والعصيان المدني، ثم ثورة أكتوبر 1964.
  • لم يكن انقلاب 1958 نتيجة ضعف الأحزاب وحده، فقد كان من الممكن السعى إلى معالجة الخلافات داخل المؤسسات الدستورية لو توفرت إرادة سياسية تحترم قواعد النظام الديمقراطي، لكن تدخل الجيش فتح الباب أمام تحوله من قوة منظمة قادرة على التدخل في السياسة إلى صاحب السلطة. وأثبتت التجربة أن ضعف الممارسة الديمقراطية لا يؤدي تلقائيا إلى إصلاحها، بل قد يستغله دعاة الحكم العسكري لإلغاء التعددية وتعليق الحقوق والحريات.

3- ثورة أكتوبر 1964 وعودة الديمقراطية

  • كانت ندوة مساء الأربعاء 21 أكتوبر 1964 في مجمع داخليات جامعة الخرطوم، في الساحة الواقعة بين داخليتي القاش وكسلا، لمناقشة مشكلة جنوب السودان، شرارة الثورة. وعندما تدخلت الشرطة لتفريقها وأطلقت الغاز المسيل للدموع ثم الرصاص، اُصيب الطالب أحمد القرشي طه إصابة قاتلة، وأصبح استشهاده من أبرز الوقائع التي دفعت الاحتجاجات إلى التصاعد.
  • اندلعت المظاهرات الطلابية، ثم تحولت إلى حركة شعبية واسعة شاركت فيها النقابات والمهنيون والأحزاب السياسية، وتكوّنت جبهة الهيئات، وبدأ الإضراب السياسي والعصيان المدني، واتسعت المعارضة حتى أصبح استمرار الحكم العسكري متعذرا.
  • وفي 26 أكتوبر 1964، أعلن عبود حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء تحت ضغط الإضراب العام والعصيان المدني، وبدأت المفاوضات لتشكيل حكومة انتقالية. وفي 15 نوفمبر، استقال عبود من رئاسة الدولة، وانتهى الحكم العسكري.
  • مثلت ثورة أكتوبر دليلا على قدرة المجتمع السوداني على إسقاط الحكم العسكري من خلال التعبئة الشعبية والعمل المدني، لكنها لم تحل المشكلات التي أضعفت الديمقراطية الأولى، ولم تنجح القوى السياسية بعدها في بناء نظام مؤسسي يحمي الديمقراطية من الانقلاب.
  • بعد أكتوبر، دخل السودان مرحلة انتقالية تولت خلالها جبهة الهيئات التي قادت الإضراب السياسي وأسهمت في إسقاط نظام عبود، دورا مهماً وشُكّلت حكومة مدنية برئاسة سر الختم الخليفة، لكنها واجهت خلافات بين القوى السياسية والنقابية حول تشكيل الحكومة وبرنامجها، إلى جانب استمرار الحرب في الجنوب وتعثر الجهود الرامية إلى حلها.
  • انتهت الفترة الانتقالية بانتخابات عام 1965، فعادت الأحزاب التقليدية إلى الحكم من دون أن تنجح في معالجة جذور الأزمة السياسية أو بناء توافق وطني مستقر، واستمرت الخلافات حول الدستور وشكل الدولة والعلاقة مع الجنوب، وسط تنافس بين الأحزاب التقليدية والقوى اليسارية والقومية والإسلامية.
  • في مارس 1965، انعقد مؤتمر المائدة المستديرة لمحاولة حل مشكلة الجنوب، لكنه لم يحقق تسوية حاسمة، وظلت الحرب مشتعلة، وأصبحت من أبرز العوامل التي أضعفت الديمقراطية الثانية.
  • وتفاقمت الأزمة السياسية في ديسمبر 1965، عندما قررت الجمعية التأسيسية حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه من البرلمان، على خلفية واقعة في ندوة بمعهد المعلمين العالي أساء فيها الطالب “شوقي محمد علي” إلى السيدة عائشة رضي الله عنها، وراج وقتها أن الطالب عضو في الحزب الشيوعي، رغم نفي الحزب ذلك.
  • ورأى الشيوعيون أن الواقعة استُخدمت ذريعة للتخلص من الحزب الذي كان يتمتع حينذاك بتنظيم قوي ونفوذ واسع في النقابات والشارع. وكان لحسن الترابي، الأمين العام لجبهة الميثاق الإسلامي، دور بارز في الحملة السياسية المطالِبة بحل الحزب، وكشف الصراع أن التنافس السياسي قد يتجاوز حدود الخلاف على البرامج إلى استخدام مؤسسات الدولة لإقصاء الخصوم.
  • في 22 ديسمبر 1966، صدر حكم قضائي بعدم دستورية الإجراءات المتعلقة بحل الحزب وطرد نوابه، ثم صدر حكم آخر من محكمة مديرية الخرطوم في 20 فبراير 1967 ببطلان قراري الحل والطرد، لكن السلطات لم تنفذ تلك الأحكام ولم تُعِد الوضع الدستوري إلى ما كان عليه.
  • عمّق ذلك الصراع بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وأضعف الثقة في احترام الدستور وسيادة القانون، كما اتسع الخلاف حول حدود سلطة البرلمان، وحقوق الأحزاب، واستقلال القضاء، وظلت المؤسسات عرضة لضغوط القوى المتصارعة.
  • كشفت أزمة حل الحزب الشيوعي وعدم تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بها ضعف الضمانات الدستورية واحترام التعددية. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بإجراء الانتخابات، وإنما كذلك باحترام حقوق المعارضة، واستقلال القضاء، والالتزام بأحكام القانون حتى عندما تتعارض مع رغبات الأغلبية أو مصالح القوى النافذة.
  • للأسف، لم تنجح القوى السياسية في تحويل الانتصار الشعبي لثورة أكتوبر إلى نظام مؤسسي يحمي الديمقراطية، وعادت الخلافات حول إدارة الدولة والحرب في الجنوب، وظل الجيش خارج الرقابة المدنية، ولم تتشكل ثقافة دستورية مستقرة تضمن خضوع الجميع للقانون، وفي 25 مايو 1969، استولى ضباط بقيادة العقيد جعفر نميري على السلطة، منهين الديمقراطية الثانية.

4- انقلاب مايو 1969 ونظام نميري

  • جاء انقلاب 25 مايو 1969 في سياق صراع سياسي حاد، وتراجُع الثقة في الأحزاب، واتساع الاعتقاد لدى بعض القطاعات بأن النظام البرلماني عاجز عن معالجة أزمات البلاد. شاركت في الانقلاب قوى عسكرية وقومية ويسارية بينها ضباط ذوو توجهات شيوعية، لكنها لم تلبث أن دخلت في صراعات حادة حول السلطة وتوجهات النظام.
  • بدأ نظام مايو بخطاب يساري وقومي، وأقام تحالفات مع قوى سياسية مختلفة، لكنه سرعان ما دخل في صراعات مع بعضها. وفي 19 يوليو 1971، وقعت محاولة انقلاب الرائد هاشم العطا وأُحبطت بعد ثلاثة أيام، وأعقبها قمع واسع وتصفية عدد من القيادات الشيوعية، بينهم عبد الخالق محجوب، السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، والشفيع أحمد الشيخ، الأمين العام لاتحاد نقابات عمال السودان ونائب رئيس الاتحاد العالمي لنقابات العمال، رغم معارضته للانقلاب، إلى جانب جوزيف قرنق وآخرين. بعد ذلك، اتجه نميري تدريجيا إلى تحالفات جديدة، واقترب أكثر من مصر، ثم من الولايات المتحدة ودول الخليج، قبل أن يتحالف مع الإسلاميين في السنوات الأخيرة من حكمه.
  • في عام 1972، وقّع النظام اتفاق أديس أبابا مع حركة الأنانيا، منهياً الحرب الأهلية الأولى، ومنح الجنوب حكمًا إقليميا ذاتيا، وعاش السودان فترة من السلام النسبي استمرت أكثر من عشر سنوات.
  • لكن لم يحسم الاتفاق بصورة نهائية مسألة علاقة المركز بالأقاليم، ولم يضع أساسا دائما لإعادة توزيع السلطة والثروة. وعندما تغيرت حسابات نميري السياسية، بدأ بنفسه تفكيك الترتيبات التي قام عليها الاتفاق. ففي عام 1983، أعاد تقسيم الجنوب إلى ثلاث مناطق، وأعلن قوانين سبتمبر التي أدخلت أحكام الشريعة الإسلامية في النظام القانوني، واتسم تطبيقها بالقسر والتعسف، وشابها الكثير من الانتهاكات والأخطاء، مما أثار اعتراضات واسعة والكثير من التذمر والغضب.
  • في العام نفسه، تأسست الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي بقيادة جون قرنق، الذي طرح مشروع “السودان الجديد”، داعياً إلى إعادة بناء السودان على أساس المواطنة والمساواة وإعادة توزيع السلطة والثروة، بدلا من حصر القضية في انفصال الجنوب، لكن نظام نميري واجه الحركة بالقوة وتصاعدت الحرب من جديد.
  • أظهرت تجربة اتفاق أديس أبابا أن وقف الحرب ممكن عندما تتوافر تسوية سياسية تعالج بعض أسبابها، لكنها أظهرت أيضاً أن الاتفاقات لا تضمن السلام الدائم إذا ظل بقاؤها مرتبطاً بإرادة الحاكم وحده، من دون مؤسسات دستورية تحميها وتضمن تنفيذها.
  • استمر نظام نميري ستة عشر عاما، وشهد تحولات سياسية واقتصادية كبيرة، لكنه أضعف المؤسسات، وضيّق المجال السياسي، وربط الدولة بمصير الحاكم وتحالفاته. وعندما واجه أزمة اقتصادية وسياسية واسعة، لم تكن هنالك مؤسسات قوية وقادرة على إدارة الدولة، وأسهمت الحرب في الجنوب، وتدهور الأوضاع المعيشية، وتصاعد القمع السياسي، في اندلاع انتفاضة أبريل 1985 وسقوط حكمه.

5- ثورة أبريل 1985 والديمقراطية الثالثة

  • كان السودان، في أبريل 1985، يعيش أزمة اقتصادية وسياسية حادة، وحربا متصاعدة، ومجاعة طاحنة في بعض الأقاليم، وحركة نزوح كبيرة من مناطق المجاعة، خاصة في غرب السودان، إلى الخرطوم والمدن الكبرى. كما أثار إعدام المفكر محمود محمد طه في 18 يناير 1985 اعتراضات واسعة داخل السودان وخارجه، وأعاد إلى الواجهة قضية قوانين سبتمبر والحريات الدينية والسياسية.
  • ومع ارتفاع حدة القمع ومصادرة الحريات العامة والسياسية، خرجت النقابات والمهنيون بقيادة التجمع النقابي، والطلاب والقوى السياسية إلى الشارع، واُعلن الإضراب السياسي العام، ثم تدخل الجيش وأطاح بنميري في 6 أبريل 1985، أثناء وجوده خارج البلاد، فسقط الحكم العسكري الثاني.
  • تشكّل المجلس العسكري الانتقالي برئاسة المشير عبد الرحمن حسن سوار الذهب، الذي كان يشغل منصب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع في حكومة نميري. وفي 22 أبريل، تشكّل مجلس وزراء مدني برئاسة نقيب الأطباء الدكتور الجزولي دفع الله، بعد مشاورات مع النقابات والقوى السياسية والمهنية التي شاركت في إسقاط النظام.
  • تولى المجلس العسكري رئاسة الدولة والمهام السيادية، بينما تولى مجلس الوزراء المدني السلطة التنفيذية والإعداد للانتخابات، واشترك المجلسان في ممارسة السلطة التشريعية خلال فترة انتقالية مدتها عام واحد، انتهت بانتخابات أبريل 1986 وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة برئاسة الصادق المهدي.
  • عادت الديمقراطية الثالثة في أبريل 1986، لكنها ورثت أزمات متراكمة: الحرب في الجنوب، التدهور الاقتصادي، الديون الخارجية، الانقسام الحزبي، ضعف مؤسسات الدولة، وكانت الحركة الشعبية تسيطر على مساحات واسعة من الجنوب. استمرت الحرب، وتصارعت الأحزاب حول السلطة، ولم تستقر الحكومات الائتلافية على برنامج موحد لمعالجة قضايا الحرب والسلام والإصلاح الاقتصادي، كما ظلت العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية غير محسومة، واستمرت المؤسسة العسكرية في امتلاك نفوذ واسع خارج الرقابة المدنية الكاملة، ولم تنجح القوى السياسية في تحويل الانتفاضة إلى إصلاح مؤسسي يضمن عدم تكرار الانقلاب.
  • في 16 نوفمبر 1988، جاء اتفاق الميرغني– قرنق كمحاولة مهمة لفتح طريق سياسي لإنهاء الحرب، وتضمن خمسة محاور رئيسية:
    1- وقف إطلاق النار بين الجيش السوداني والحركة الشعبية.
    2- تجميد أحكام الحدود والمواد ذات الصلة في قوانين سبتمبر 1983 إلى حين حسم أمرها في المؤتمر الدستوري القومي.
    3- رفع حالة الطوارئ.
    4- إلغاء الاتفاقيات العسكرية مع الدول الأخرى التي تمس السيادة الوطنية.
    5- عقد مؤتمر دستوري قومي بمشاركة القوى السياسية السودانية لمناقشة قضايا الحرب والدستور ونظام الحكم على أساس المواطنة والمساواة.
  • لكن الاتفاق تعثر بسبب رفض الجبهة الإسلامية القومية له، وعدم تبني حكومة الصادق المهدي له في البداية، فانسحب الحزب الاتحادي الديمقراطي من الائتلاف الحكومي في ديسمبر 1988، وتشكلت حكومة ائتلافية جديدة ضمت حزب الأمة والجبهة الإسلامية القومية، قبل أن يقبل الصادق المهدي اتفاق الميرغني–قرنق في 27 ديسمبر من العام نفسه، في بيان مشترك مع الميرغني.
  • كان الاتفاق فرصة مهمة لمعالجة الحرب في الجنوب عبر التفاوض، لكنه لم يتحول إلى تسوية شاملة ومستقرة، وظلت الخلافات حول السلام وتطبيق الاتفاقات، بينما استمرت الأزمة الاقتصادية والسياسية والانقسامات الحزبية.
  • لم تكن الديمقراطية الثالثة خالية من فرص الإصلاح، لكنها عجزت عن بناء ائتلاف سياسي قادر على اتخاذ القرارات الصعبة، كما لم تنجح في معالجة الخطر العسكري الذي ظل قائماً، وفي 30 يونيو 1989، استولت الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي على السلطة بانقلاب عسكري بقيادة العميد عمر البشير وأُطيح بالحكومة المنتخبة، وانتهت الديمقراطية الثالثة، وبدأ نظام قمعي متشدد جمع بين الحكم العسكري والتنظيم الإسلامي السياسي، واستمر ثلاثة عقود.

6- نظام الإنقاذ وإعادة تشكيل الدولة

  • عمل نظام الإنقاذ منذ بدايته على تفكيك مؤسسات الدولة والمؤسسات السياسية والنقابية المستقلة، وإقصاء خصومه، وإعادة تشكيل الخدمة المدنية والأجهزة الأمنية والعسكرية وفق الولاء السياسي، وطُرد آلاف العاملين من الخدمة العامة والجيش والجامعات لأسباب سياسية، وأُخضعت النقابات والقضاء والإعلام لسلطة النظام، وتراجعت الحريات العامة، وفرض النظام سياسات دينية قسرية وقوانين عقابية انتهكت الحقوق والحريات، وضيّق على النساء والمخالفين له سياسيا وفكريا، واستخدم أجهزة الأمن في الاعتقال والتعذيب والتصفية، كما احتكر الحزب الحاكم وأجهزته الأمنية والاقتصادية موارد الدولة، بما فيها إيرادات النفط، وأضعف المؤسسات المستقلة.
  • لم تقتصر آثار النظام على تعطيل الديمقراطية، فقد توسعت عسكرة السياسة، ونمت أجهزة أمنية ومليشيات موازية، وأصبحت السيطرة على الموارد والمؤسسات جزءا من بنية الحكم، واحتضن النظام جماعات متطرفة من دول عديدة، ووسع الحرب في الجنوب، وأشعل الحروب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وتعمّقت الاختلالات بين المركز والأقاليم.
  • في دارفور، اندلع التمرد المسلح عام 2003، نتيجة تراكم مظالم سياسية واقتصادية، أبرزها تهميش الإقليم وحرمان سكانه من نصيب عادل في السلطة والثروة والتنمية، إلى جانب النزاعات على الأراضي والمياه وموارد الرعي، التي فاقمها التصحر وسياسات الحكومة. وردت الحكومة بحملة عسكرية شاركت فيها القوات النظامية ومليشيات الجنجويد، وسط انتهاكات واسعة ضد المدنيين، شملت القتل والتهجير والعنف الجنسي وتدمير القرى، وأصبحت الأزمة موضع اهتمام دولي وقضائي، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي قبض بحق عمر البشير في 4 مارس 2009 و12 يوليو 2010، تضمنت الثانية اتهامات بالإبادة الجماعية، إلى جانب اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كما صدرت مذكرات قبض بحق آخرين هم أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين وعلي كوشيب.
  • في عام 2005، وقّعت الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان اتفاقية السلام الشامل، التي أنهت الحرب في الجنوب وأقرت ترتيبات لتقاسم السلطة والثروة والحكم الذاتي خلال فترة انتقالية، مع إجراء استفتاء لتقرير المصير، وفي يناير 2011، اختار الجنوبيون الانفصال، وأعلنت دولة جنوب السودان استقلالها في 9 يوليو من العام نفسه. أدى الانفصال إلى خسارة السودان معظم إنتاجه النفطي، وهو مصدر رئيسي للإيرادات العامة والعملات الأجنبية، وتفاقمت الأزمة الاقتصادية والديون الخارجية والمشكلات البنيوية في الاقتصاد، واتسع الفقر والفساد والمحسوبية.
  • لم ينهِ انفصال الجنوب مشكلة المركز والأطراف، فقد ظلت الحرب مشتعلة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، واستمرت قضية شرق السودان والتهميش الإقليمي، واتضح أن المشكلة لم تكن الجنوب وحده، وإنما شكل الدولة السودانية نفسها وعلاقتها بالأقاليم.
  • وشهدت سنوات حكم الجبهة الإسلامية إدراج السودان في القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب منذ عام 1993، بالإضافة إلى عقوبات دولية أخرى، وأُزيل من القائمة في ديسمبر 2020 بعد سقوط نظام حكم الجبهة، خلال رئاسة الدكتور عبدالله حمدوك للحكومة الانتقالية، وأضرت كل هذه العقوبات والعزلة الدولية بالاقتصاد السوداني، إلى جانب سياسات النظام وفساد مؤسساته واختلال أولوياته.
  • كما شهد حكم الجبهة نشوء قوات الدعم السريع، التي تطورت من تشكيلات الجنجويد إلى قوة مسلحة ذات قيادة وموارد ونفوذ سياسي واقتصادي، وبذلك نشأت داخل الدولة قوة عسكرية موازية للجيش، تمتلك قيادة مستقلة وشبكات مالية وتجارية وعلاقات خارج مؤسسات القوات المسلحة التقليدية، وأصبحت هذه البنية العسكرية إحدى أخطر مشكلات الدولة السودانية، فالنظام الذي أضعف المؤسسات الوطنية أنشأ ودعم قوى مسلحة موازية، ثم أصبح وجودها بعد سقوطه عنصراً أساسياً في الصراع على السلطة.
  • عندما اندلعت ثورة ديسمبر 2018، كان نظام الإنقاذ قد ترك وراءه دولة منهكة، واقتصادا يعاني أزمات متراكمة، ومؤسسات أُضعفت لمصلحة الحزب والأجهزة الأمنية، وحروبا لم تجد حلولا عادلة ومستدامة.

7- ثورة ديسمبر وسقوط البشير

  • اندلعت احتجاجات ديسمبر 2018 في سياق أزمة اقتصادية ومعيشية حادة، حيث ارتفعت الأسعار، وتدهورت قيمة العملة، واشتدت أزمات الخبز والوقود والسيولة، وبلغ الدين الخارجي حوالى 56 مليار دولار، وارتفع إلى 58 مليار دولار في عام 2019 مع تراكم متأخرات السداد.
  • بدأت الاحتجاجات في عطبرة ومدن أخرى، ثم امتدت إلى أنحاء البلاد، ورغم القمع الذي تعرضت له النقابات والتنظيمات المستقلة، ظهرت قوى جديدة إلى جانب القوى السياسية والنقابية التقليدية. كان تجمع المهنيين السودانيين أحد أهم الأطر المنظمة، إلى جانب قوى إعلان الحرية والتغيير، ولجان المقاومة التي أصبحت من أبرز أدوات التعبئة الشعبية، وشارك الطلاب والشباب والنساء والأطباء والمهندسون والمحامون والصحفيون وغيرهم في الحركة التي طالبت بإسقاط النظام، واعتصم آلاف المحتجين أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في وسط الخرطوم.
  • في 11 أبريل 2019، أطاح الجيش بعمر البشير، وانتقلت السلطة أولاً إلى مجلس عسكري برئاسة الفريق أول عوض بن عوف، نائب عمر البشير ووزير الدفاع، وهو ما رفضه المعتصمون باعتباره استمراراً للنظام نفسه. وبعد تصاعد الضغط الشعبي، تنحى ابن عوف، وشُكّل مجلس عسكري جديد برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي).
  • أعلن المجلس عزمه إدارة البلاد لعامين، لكن قوى الثورة طالبت بسلطة مدنية كاملة، وبدأت المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير حول تشكيل السلطة الانتقالية وتقاسم الصلاحيات، بينما استمر الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة للضغط من أجل تسليم الحكم إلى المدنيين.
  • في 3 يونيو 2019، فضّت قوات الأمن الاعتصام بالقوة، وقُتل وأُصيب مئات المحتجين، وتعرضت نساء لاعتداءات جنسية، في واحدة من أبشع محطات المرحلة الانتقالية، مما أدى إلى تعليق المفاوضات وتصاعد الضغوط الداخلية والدولية، قبل استئنافها بوساطة الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا، بعد مظاهرات جماهيرية حاشدة في 30 يونيو 2019.
  • وفي يوليو وأغسطس، توصل الطرفان إلى اتفاق سياسي ووثيقة دستورية وُقّعت في 17 أغسطس 2019، ونصت على فترة انتقالية يتقاسم خلالها العسكريون والمدنيون السلطة، وشُكّل مجلس السيادة برئاسة البرهان، والحكومة المدنية برئاسة د. عبد الله حمدوك.
  • إلا أن التسوية أبقت للعسكريين نفوذاً واسعاً، ولم تضع القوات المسلحة وقوات الدعم السريع تحت السلطة المدنية، كما لم تحسم قضايا العدالة والمحاسبة عن جرائم النظام السابق ومجزرة فض الاعتصام، واحتفظ المكون العسكري بالقوة المسلحة وبنفوذ كبير في ملفات الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية، بينما واجهت الحكومة المدنية أزمات اقتصادية وضغوطاً داخلية وخارجية.
  • لم تستطع الثورة حسم مسألة من يدير الدولة وقواتها المسلحة واقتصادها، وظلت القوات المسلحة مؤسسة ذات نفوذ سياسي واقتصادي كبير، وقوات الدعم السريع قوة مسلحة مستقلة بقيادة حميدتي، كما بقيت شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام السابق موجودة داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن.
  • في 3 أكتوبر 2020، وقّعت الحكومة الانتقالية اتفاق جوبا للسلام مع عدد من الحركات المسلحة في دارفور ومناطق أخرى، في محاولة لمعالجة بعض قضايا الأقاليم المهمشة وإدخال الحركات في العملية السياسية، وتضمن الاتفاق ترتيبات سياسية وأمنية، لكنه واجه مشكلات في التنفيذ والتمويل والترتيبات الأمنية، ولم يحل مشكلة تعدد مراكز القوة المسلحة، كما لم يحسم مسألة العلاقة بين الجيش والدعم السريع، والتي أصبحت لاحقاً واحدة من أبرز نقاط الخلاف.
  • لم تتمكن القوى المدنية من بناء جبهة موحدة حول برنامج انتقالي متكامل، كما تأخرت ملفات مهمة، منها إصلاح القطاع الأمني والعسكري، والعدالة الانتقالية، وتفكيك بنية النظام السابق، والإصلاح الاقتصادي، ومعالجة النزاعات في الأقاليم.
  • لقد نجحت الثورة في إسقاط رأس النظام، لكنها لم تستطع إعادة بناء الدولة على أسس تضمن خضوع جميع القوات المسلحة للسلطة المدنية، أو تمنع القوى العسكرية من الاحتفاظ بمراكز نفوذ مستقلة، وهو ما كشف الفجوة بين نجاح الثورة في الشارع وعجز الانتقال عن تغيير بنية السلطة.

8- انقلاب 25 أكتوبر 2021 وفشل الاتفاق الإطاري

  • في 25 أكتوبر 2021، انقلب البرهان وحميدتي على الشراكة المدنية، واعتُقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من المسؤولين، وحُل مجلسا السيادة والوزراء، وأُعلنت حالة الطوارئ. وخرجت لجان المقاومة إلى الشوارع رفضًا للانقلاب، وسقط قتلى ومصابون برصاص الشرطة والأجهزة الأمنية، واستقال حمدوك في يناير 2022، بينما استمرت الاحتجاجات السلمية المطالبة بالحكم المدني.
  • أضعف الانقلاب فرص الانتقال المدني، وأعاد الصراع إلى نقطة أكثر تعقيداً، وظلت الأزمة السياسية مفتوحة وسط خلافات بين القوى المدنية والعسكرية، وتراجع اقتصادي، واستمرار الاحتجاجات.
  • بدأت بعد ذلك محاولات جديدة لإعادة الانتقال المدني، وفي 5 ديسمبر 2022، وُقّع الاتفاق الإطاري بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير ـ المجلس المركزي، إلى جانب أحزاب سياسية وتنظيمات مهنية وحركات مسلحة.
  • كان الهدف المعلن إعادة الانتقال إلى سلطة مدنية، وإنهاء الدور السياسي المباشر للمؤسسة العسكرية، والوصول إلى حكومة مدنية ثم انتخابات، مع إصلاح القطاع الأمني والعسكري وصولاً إلى جيش وطني مهني موحد.
  • لكن الاتفاق لم يكتمل، ورفضته بعض القوى المدنية وبعض لجان المقاومة، وبقيت خمس قضايا رئيسية محل خلاف: تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، العدالة الانتقالية، اتفاق جوبا للسلام، قضية شرق السودان، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وكانت القضية الأخيرة هي الأخطر، لأنها تعني عمليا الإجابة عن سؤال جوهري: مَن يملك السلاح، ومَن يخضع لمن؟!
  • كان البرهان وحميدتي قد عملا معاً منذ سقوط البشير، بل قبل ذلك بسنوات في دارفور، وتعاونا في المرحلة الانتقالية ثم في انقلاب أكتوبر 2021، لكن الخلاف بينهما أصبح أكثر وضوحاً حول مستقبل القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وطبيعة القيادة والسيطرة على القوات، والجدول الزمني لدمج الدعم السريع في الجيش. ولم يكن الخلاف فنيا حول إجراءات الدمج فحسب، بل تعلق بمراكز القوة العسكرية والاقتصادية، ومستقبل القيادتين، ومن يملك القرار في الدولة بعد الانتقال إلى الحكم المدني.
  • وفي مارس 2023، اتفقت الأطراف المشاركة في العملية السياسية على جدول زمني لاستكمالها، كان يقضي بتوقيع الاتفاق السياسي النهائي في الأول من أبريل، واستكمال الدستور الانتقالي في السادس منه، والبدء في تشكيل مؤسسات الفترة الانتقالية في 11 أبريل. لكن التوقيع النهائي تأجل بسبب استمرار الخلاف بين الجيش وقوات الدعم السريع حول إصلاح القطاع الأمني والعسكري، ولا سيما مدة دمج الدعم السريع في الجيش وترتيبات القيادة والسيطرة. وفي 6 أبريل، أعلن البرهان تأجيل التوقيع لاستكمال التوافق على ترتيبات العملية السياسية، لكن الاتفاق النهائي لم يُوقّع. وفي ظل هذا التعثر، نشط أنصار نظام البشير والحركة الإسلامية المرتبطة به في معارضة الانتقال إلى حكم مدني، وساهموا في تأجيج الخلافات السياسية والعسكرية، وسط مخاوف من أن يؤدي الانتقال المدني إلى تقليص نفوذهم ومصالحهم داخل الدولة.
  • ومع استمرار التنافس على السلطة والتحركات العسكرية للطرفين، اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023. ولا تتوفر رواية مستقلة متفق عليها تحسم بصورة نهائية مسألة مَن أطلق الرصاصة الأولى، لكن الحرب لم تكن نتيجة خلاف عسكري طارئ وحده، بل جاءت بعد انقلاب أكتوبر 2021، وتعثر الانتقال المدني، وتفاقم الصراع على السلطة، وفشل التوصل إلى اتفاق بشأن إصلاح القطاع الأمني والعسكري.
  • كشفت هذه المرحلة أن الاتفاق السياسي لا يستطيع ضمان انتقال ديمقراطي مستقر ما لم تُحسم مسألة القوة المسلحة ضمن قواعد واضحة وقابلة للتنفيذ، وتخضع جميع التشكيلات العسكرية لسلطة دستورية مدنية واحدة.

9- حرب 15 أبريل 2023 وانهيار الدولة

  • اندلعت الحرب في الخرطوم، ثم امتدت إلى الجزيرة ودارفور وكردفان ومناطق أخرى، وأدت إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، ونزوح ولجوء الملايين، وتدمير واسع للبنية التحتية والمرافق الصحية والتعليمية والمنشآت الاقتصادية، كما انتشرت الانتهاكات والنهب والعنف الجنسي والاعتقالات، وواجهت مناطق عديدة صعوبات حادة في الحصول على الغذاء والدواء والمياه.
  • لم تكن الحرب مواجهة بين قوتين عسكريتين فقط، بل كشفت انهيار الترتيبات الانتقالية، وفشل معالجة تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة، وغياب سلطة مدنية قادرة على إخضاع الأطراف المسلحة لقواعد مشتركة، وأعادت دارفور إلى مركز المشهد السوداني مرة أخرى، فالحرب الحالية تتصل بحرب دارفور القديمة بصورة مباشرة وغير مباشرة، لأن قوات الدعم السريع خرجت من بيئة الجنجويد التي لعبت دورا رئيسيا في حرب دارفور، ثم تحولت لاحقا إلى قوة رسمية بموجب ترتيبات الدولة، وأصبحت واحدة من أكبر مراكز القوة المسلحة في السودان.
  • وتداخلت في الحرب الحسابات العسكرية مع الانقسامات المحلية والتدخلات الخارجية. وتحدثت تقارير عن دعم عسكري أو لوجستي للقوات المسلحة السودانية من مصر وإيران، وعن إمدادات عسكرية من تركيا وباكستان عبر وسطاء، بينما اصطفّت السعودية إلى جانب الجيش واضطلعت أيضاً بدور الوسيط. وفي المقابل، اتهمت تقارير دولية الإمارات العربية المتحدة بتقديم دعم مادي وعسكري لقوات الدعم السريع عبر مسارات مرتبطة بتشاد ودول مجاورة، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.
  • كما ارتبطت شبكات روسية، بينها مجموعة فاغنر ثم تشكيلات روسية لاحقة، بتجارة الذهب وتقديم الدعم لقوات الدعم السريع، قبل أن تتحول موسكو تدريجياً إلى دعم الجيش السوداني. وكان للسعودية والولايات المتحدة دور في محادثات جدة، التي سعت إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وتسهيل المساعدات الإنسانية، لكنها لم تنجح في إنهاء الحرب، أو تثبيت وقف دائم لإطلاق النار.
  • لا يمكن بالطبع فصل المصالح الخارجية عن الحرب، خاصة مع موقع السودان الإستراتيجي على البحر الأحمر، وما يمتلكه من موارد ومصالح في الذهب والزراعة والموانئ والتجارة، فضلا عن موقعه بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي والشرق الأوسط. لكن من المهم عدم تحويل العامل الخارجي إلى تفسير وحيد للحرب، فالتدخلات الخارجية دخلت أزمة سودانية قائمة أصلا، ولم تنشأ أسباب الصراع بين الجيش والدعم السريع من العدم، كما أن مسؤولية القوى السودانية عن خياراتها السياسية والعسكرية لا تسقط بسبب الدعم الذي تتلقاه من الخارج.
  • لم تقتصر أضرار الحرب على القتال فقط، فقد تضرر الاقتصاد الوطني بشدة، وتعطلت مؤسسات الدولة في معظم أنحاء البلاد، وانعدمت الخدمات الأساسية، وأصبحت الأزمة الإنسانية واحدة من أكبر الأزمات في العالم، مع حاجة ملايين السودانيين إلى الغذاء والمأوى والرعاية الصحية والمساعدات العاجلة. وتُعد الحرب الحالية أخطر نتائج أزمة الدولة السودانية، لكنها ليست بدايتها، فجذورها تمتد إلى إخفاقات متراكمة في بناء المؤسسات، وإدارة التنوع، وتحديد دور الجيش، وإقامة نظام سياسي يستطيع حل النزاعات من دون اللجوء إلى السلاح.

10- لماذا تتكرر الانقلابات وتسقط الديمقراطية؟

  • إذا قارنا الثورات السودانية الثلاث، سنجد عناصر مشتركة واضحة، ففي أكتوبر 1964، كانت النقابات والمهنيون والطلاب والأحزاب والإضراب السياسي والعصيان المدني في قلب الثورة، وفي أبريل 1985، لعبت النقابات والمهنيون والطلاب والقوى السياسية الدور نفسه، ثم تدخل الجيش في لحظة حاسمة وأطاح بنميري، قبل أن تشارك القوى المدنية في إدارة المرحلة الانتقالية عبر مجلس الوزراء برئاسة الجزولي دفع الله، أما ثورة ديسمبر 2018–2019، فقد أضافت إلى هذه الأدوات قوة جديدة هي لجان المقاومة، التي جعلت الحركة الشعبية أكثر انتشارا وأقل اعتمادا على قيادة مركزية واحدة.
  • لكنَّ هناك فرقا أساسيا بين التجارب الثلاث، ففي عامي 1964 و1985 لم يكن السودان يواجه قوتين مسلحتين كبيرتين مستقلتين، رغم اختلاف مراكز القوة داخل الجيش، أما بعد سقوط البشير فقد كان السودان أمام قوتين مسلحتين كبيرتين، هما الجيش وقوات الدعم السريع، لكل منهما قيادته وقواته وموارده وشبكاته الاقتصادية، وأدى استمرار هذه الثنائية إلى تعقيد الانتقال، ثم أصبح الصراع بين القوتين حرباً مفتوحة في أبريل 2023.
  • في كل مرة، أسقط السودانيون النظام القائم، لكنهم لم ينجحوا في تغيير البنية التي تجعل المؤسسة العسكرية قادرة على العودة إلى السياسة، فبعد عبود بقي الجيش لاعبا سياسيا، وبعد نميري بقيت المؤسسة العسكرية جزءا أساسيا من معادلة الدولة، وبعد البشير أصبحت المشكلة أكثر تعقيدا بسبب وجود الجيش والدعم السريع والشبكات الاقتصادية والأمنية الواسعة.
  • لا يتعلق فشل الديمقراطية السودانية بالأحزاب أو بالشخصيات السياسية فقط، رغم مسؤولية القوى السياسية عن الانقسامات والأخطاء، ولكنه يتعلق أيضا ببنية الدولة نفسها.
  • هناك عدة ملفات ظلت تتكرر بأشكال مختلفة منذ الاستقلال منها الحرب في الأطراف، العلاقة بين المركز والأقاليم، دور الجيش في السياسة، وضعف المؤسسات المدنية. وعمّق نظام الإنقاذ هذه المشكلات وأضاف إليها أبعاداً أخرى أبرزها الاقتصاد العسكري والأمني، وتعدد القوات المسلحة، واتساع التدخلات الإقليمية والدولية.

أولا: ضعف الأحزاب السياسية

  • ظلت الأحزاب المؤثرة أسيرة قيادات تاريخية وولاءات طائفية وشخصية، ولم تنجح معظمها في بناء مؤسسات داخلية ديمقراطية أو تجديد قياداتها وبرامجها بما يتناسب مع تغير المجتمع، كما أخفقت في كثير من الأحيان في الاتفاق على برنامج وطني يتقدم على المصالح الحزبية. لا يمكن تجاهل أن الأحزاب السودانية شاركت في الحركة الوطنية وأسهمت في إسقاط الأنظمة العسكرية، لكنها لم تنجح بصورة مستدامة في تحويل قوتها السياسية والشعبية إلى مؤسسات قادرة على إدارة الدولة، وحماية التعددية، وتطوير قواعد داخلية للمحاسبة والتداول القيادي.

ثانيًا: تدخل الجيش في السياسة

  • أطاحت المؤسسة العسكرية بثلاث تجارب ديمقراطية في نوفمبر 1958، ومايو 1969، ويونيو 1989، ثم تدخلت مجدداً في أكتوبر 2021، وأظهرت هذه الانقلابات أن القوات المسلحة لم تخضع بصورة مستقرة لسلطة مدنية دستورية، وأن بعض القيادات العسكرية تعاملت مع الحكم باعتباره خياراً متاحاً عند تعثر السياسة.
  • ولكن لم تكن المشكلة في الانقلابات وحدها، بل في عدم بناء مؤسسات وقواعد دستورية تجعل التدخل العسكري غير مقبول وغير قابل للاستمرار، وتضمن خضوع القوات المسلحة للسلطة المدنية المنتخبة.

ثالثًا: تعدد مراكز القوة المسلحة

  • لم تتوقف المشكلة عند تدخل الجيش في السياسة، بل تفاقمت مع نشوء قوات مسلحة موازية ومليشيات مرتبطة بالصراعات الداخلية، مما أدى إلى إضعاف احتكار الدولة لاستخدام القوة، وإلى تعقيد أي محاولة لإقامة سلطة مدنية مستقرة، وقد كشف الصراع بين الجيش والدعم السريع أن وجود قوتين مسلحتين مستقلتين داخل الدولة يمكن أن يُحوِّل التنافس على السلطة إلى حرب تدمر الدولة.

رابعا: غياب العدالة والمحاسبة

  • أدت حالات الإفلات من العقاب إلى إضعاف الثقة في القانون، ولم تخضع ملفات القتل والتعذيب والانتهاكات والفساد لمعالجة شاملة ومستقلة تضمن حقوق الضحايا وتمنع تكرار الجرائم، كما أن غياب المحاسبة عن الانتهاكات السابقة أبقى لدى بعض القوى اعتقادا بأن استخدام القوة لن يؤدي بالضرورة إلى تحمل المسؤولية.

خامسا: اختلال العلاقة بين المركز والأقاليم

  • تركزت السلطة والثروة والخدمات في مناطق محددة، بينما عانت أقاليم واسعة من التهميش وضعف التنمية والتمثيل السياسي، وتحولت بعض المطالب المشروعة إلى نزاعات مسلحة عندما عجزت الدولة عن تقديم حلول عادلة ومستدامة.
  • كانت مشكلة الجنوب أول إنذار كبير، ثم جاءت دارفور لتؤكد أن الأزمة لم تكن محصورة في الجنوب، وأظهرت الحروب في جنوب كردفان والنيل الأزرق، إلى جانب قضية شرق السودان، أن اتفاق السلام مع إقليم واحد لا يكفي لبناء دولة عادلة إذا بقيت بقية الأقاليم خارج تسوية وطنية شاملة.

سادسا: ضعف الاقتصاد والمؤسسات

  • لم تستطع الحكومات المتعاقبة بناء اقتصاد منتج يحقق تنمية متوازنة، أو إصلاح الخدمة المدنية، أو إنشاء مؤسسات رقابية مستقلة، وأدت الأزمات الاقتصادية إلى زيادة التوترات الاجتماعية، بينما استُخدمت موارد الدولة في كثير من الأحيان لتعزيز الولاءات السياسية والأمنية، وفي عهد الإنقاذ، توسع النشاط الاقتصادي للأجهزة العسكرية والأمنية والشبكات المرتبطة بالنظام، وأصبحت السيطرة على الموارد مصدراً للنفوذ السياسي والعسكري، وأدى ذلك إلى إضعاف الرقابة العامة، وإلى صعوبة إخضاع مراكز القوة الاقتصادية للمؤسسات المدنية.

سابعا: التدخلات الخارجية

  • أثرت المصالح الإقليمية والدولية في مسار الصراعات السودانية من خلال العلاقات السياسية والاقتصادية والدعم العسكري والدبلوماسي، لكن أثر هذه التدخلات لا يلغي مسؤولية القوى السودانية عن خياراتها، ولا يفسر وحده تكرار الانقلابات، فقد وفرت الأزمات الداخلية والانقسامات السياسية وتعدد مراكز القوة المسلحة البيئة التي أتاحت للتدخلات الخارجية التأثير في مسار الأحداث.

ثامنا: غياب التوافق على قواعد الحكم

  • لم تتفق القوى السياسية بصورة مستدامة على قواعد ملزمة للجميع، تحمي التعددية وحقوق المعارضة، وتضمن استقلال القضاء وخضوع الجيش للسلطة المدنية، وعندما احتدمت الخلافات، أصبحت المؤسسات الدستورية أضعف من أن تحسمها.

دروس لم نتعلمها:

  • لا يمكن اختزال تاريخ السودان في سلسلة من الانقلابات والثورات، فالانقلابات نفسها كانت نتيجة لأزمة أعمق في بناء الدولة، فقد أوقف اتفاق أديس أبابا حرباً، لكنه لم يحسم بنية الدولة، واتفاق السلام الشامل أوقف حربا أخرى وأدى إلى استقلال جنوب السودان، لكنه لم ينهِ الحروب في بقية السودان، وهذا هو أحد أهم دروس التاريخ السوداني: يمكن لاتفاق السلام أن يوقف حربا، لكنه لا يحل بالضرورة الأسباب التي تنتج الحروب.
  • كما أن الطائفية لم تكن شراً مطلقاً ولا قوة إيجابية مطلقة، كما يُصورها البعض، فقد لعب الأنصار والختمية دورا تاريخياً في تعبئة المجتمع ومقاومة الاستعمار وبناء الأحزاب، لكن استمرار ارتباط الأحزاب بالقيادات الطائفية والشخصية أعاق في مراحل كثيرة تطور المؤسسات الحزبية الحديثة.
  • وفي المقابل، استطاعت القوى الحديثة والنقابات والمهنيون والطلاب إسقاط أنظمة عسكرية في 1964 و1985 و2019، لكنها لم تستطع تحويل قوتها في الشارع إلى مؤسسات سياسية مستقرة قادرة على إدارة الدولة وحماية الانتقال الديمقراطي.
  • ولا شك أن الإسلاميين، الذين قادوا انقلاب 1989 وأسهموا في تأسيس نظام البشير وإعادة تشكيل الدولة على مدى ثلاثين عاماً، ظلت لهم ولشبكاتهم وتنظيماتهم، بعد سقوط البشير، مراكز نفوذ وتأثير داخل الدولة. لكن اختزال الحرب الحالية كلها في نظام الإسلام السياسي السابق لا يفسر تعقيدها، فقد نشأت الحرب من صراع على السلطة بين مركزين مسلحين، وفشل الانتقال، وأزمة دمج القوات، والاقتصاد العسكري، وإرث الحروب السابقة، والتدخلات الخارجية، إلى جانب دور شبكات النظام السابق.
  • هذه العوامل تفسر جانباً مهماً من تكرار الأزمة، لكنها لا تعني أن التجارب الديمقراطية كانت متطابقة، أو أن سقوطها كان حتمياً، فقد اختلفت الظروف والفاعلون والأسباب المباشرة من مرحلة إلى أخرى، غير أن استمرار المشكلات الأساسية من دون حل جعل تكرار الأزمات والانقلابات أكثر احتمالاً.

11- ما المطلوب للخروج من الأزمة، وهل يحتاج السودان إلى ثورة رابعة؟!

  • التجارب السابقة لا تسمح بإجابة بسيطة، فقد تنتهي الحرب الحالية بتسوية سياسية وعودة إلى مسار مدني، وقد تطول مع تغير مناطق السيطرة وتوازنات القوى، وقد تستمر البلاد لفترة تحت ظل سلطات ومراكز نفوذ متوازية، وقد تدفع كلفة الحرب الأطراف إلى تسوية أوسع.
  • هذه سيناريوهات محتملة وليست توقعات مؤكدة، يتوقف تحقق أي منها على تطورات الحرب، ومواقف السودانيين، وقدرة القوى المدنية على تنظيم نفسها، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، واستعداد الأطراف المسلحة للقبول بتسوية تضع حداً لاحتكارها للقوة والسلطة.
  • لكن أياً كان المسار، فإن التجربة التاريخية تقول إن المشكلة لن تُحل بمجرد تغيير الحاكم، فقد أسقط السودانيون عبود، ثم عاد الجيش، وأسقطوا نميري، ثم عاد الجيش، وأسقطوا البشير، ثم وقع الانقلاب العسكري، ثم اندلعت الحرب بين الجيش والدعم السريع.
  • المشكلة إذن ليست في قدرة السودانيين على إسقاط الأنظمة، فقد أثبتوا ذلك ثلاث مرات، بل في عجز القوى السياسية والمدنية عن إعادة بناء الدولة على أسس تمنع احتكارها مرة أخرى بواسطة الجيش أو المليشيا أو الحزب أو الطائفة أو الفرد.
  • ولا يمكن تجاوز الأزمة بمجرد الاتفاق على حكومة جديدة أو إجراء انتخابات في ظل استمرار الحرب وتعدد الجيوش وانهيار مؤسسات الدولة. المطلوب مشروع وطني يعالج جذور الأزمة، ويضع قواعد واضحة لإدارة السلطة والثروة والقوة المسلحة، تتمثل في:

أولا، وقف الحرب وحماية المدنيين: لا بد من وقف القتال، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم بأمان وكرامة. وينبغي أن يفتح وقف الحرب الطريق إلى مسار سياسي سوداني واسع، لا يقتصر على القيادات العسكرية أو الأحزاب التقليدية، بل يشمل القوى المدنية والمهنية والشبابية والنسائية وممثلي الأقاليم والمجتمعات المتضررة من الحرب.

ثانيًا، إنهاء تعدد الجيوش: لا يمكن بناء دولة ديمقراطية مستقرة في ظل وجود عدة قوات مسلحة مستقلة تتنافس على السلطة والموارد. والمطلوب إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية ووطنية، وإنهاء تعدد الجيوش ومراكز القرار المسلح وفق ترتيبات واضحة وقابلة للتنفيذ، بما يضمن خضوعها لسلطة مدنية دستورية. ولا يكفي إعلان مبدأ الجيش الواحد، بل لا بد من اتفاق على القيادة والتسلسل العسكري والرقابة والميزانية والمساءلة، ومعالجة أوضاع القوات والتشكيلات المسلحة ضمن عملية قانونية منظمة، تمنع تجدد الصراع وتضمن خضوع الجميع للقانون.

ثالثا، إقامة نظام دستوري يحمي الديمقراطية: ينبغي وضع قواعد دستورية واضحة تحمي الحريات العامة، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة والتنظيم السياسي والنقابي، وتضمن التداول السلمي للسلطة. ويجب أن تكون مؤسسات الدولة مستقلة عن الأحزاب والأفراد، وألا تتحول الخدمة المدنية أو الأجهزة الأمنية إلى أدوات للسيطرة السياسية، كما ينبغي أن يحسم الدستور العلاقة بين الدين والدولة على أساس يحمي حرية الاعتقاد والمواطنة المتساوية، ويمنع استخدام الدين كوسيلة لاحتكار السلطة أو التمييز بين المواطنين.

رابعا، إصلاح الأحزاب السياسية: الديمقراطية لا تستقيم بأحزاب ترفع شعاراتها من دون تطبيقها داخل مؤسساتها. المطلوب انتخابات داخلية شفافة، وتجديد القيادات، وبرامج اقتصادية واجتماعية واضحة، وقدرة على بناء التحالفات على أساس المصالح الوطنية لا الولاءات الشخصية والطائفية. كما تحتاج القوى المدنية إلى مراجعة أخطائها في الفترات الانتقالية، وتطوير آليات لحل الخلافات، والاتفاق على حد أدنى من القواعد المشتركة التي لا يجوز لأي طرف تجاوزها، مهما اختلفت البرامج السياسية.

خامسا، العدالة الانتقالية والمساءلة: لا بد من معالجة الجرائم والانتهاكات، وتعويض المتضررين، وكشف مصير المفقودين، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وينبغي أن تقوم هذه العملية على القانون والإجراءات العادلة، لا على الانتقام أو الإفلات من العقاب. كما يجب أن تشمل المساءلة جميع الأطراف المسؤولة عن الجرائم، من دون تمييز بسبب الرتبة أو الانتماء العسكري أو السياسي.

سادسا، إعادة بناء الاقتصاد ومؤسسات الدولة: يتطلب الاستقرار إصلاح الخدمة المدنية، ومحاربة الفساد، وتحسين إدارة الموارد العامة، وإخضاع النشاط الاقتصادي العسكري والأمني للرقابة العامة والقانونية، وتوزيع الخدمات والاستثمارات بصورة أكثر عدلا بين الولايات والأقاليم، ولا يمكن تحقيق استقرار سياسي طويل الأمد في ظل الفقر والبطالة وانهيار الخدمات واحتكار الموارد.

سابعا، معالجة المظالم التاريخية بين المركز والأقاليم: لا بد من بناء علاقة جديدة تقوم على المواطنة المتساوية والمشاركة العادلة في السلطة والثروة، مع ضمان الحقوق الثقافية والاجتماعية لجميع المجموعات السودانية. ولا يمكن إحلال السلام الدائم إذا بقيت الأقاليم التي عانت الحروب والتهميش خارج عملية اتخاذ القرار أو حُرمت من نصيب عادل من التنمية والخدمات.

وأخيرا، يحتاج بناء الدولة إلى رفع الوعي الشعبي والجماهيري بطبيعة الأزمة، وبأن الديمقراطية لا تعني الانتخابات وحدها، وإنما احترام القانون، وقبول التعددية، وخضوع القوات المسلحة للسلطة المدنية، واستقلال المؤسسات، والمحاسبة على تجاوزات السلطة، وهي قضايا تحتاج إلى صبر وعزيمة ووقت طويل، وإلى استعداد من الجميع لتقديم تنازلات من أجل المصلحة الوطنية.

الخلاصة: إسقاط النظام العسكري لا يكفي

  • لقد أسقط السودانيون أنظمة عسكرية عدة، وقدموا تضحيات كبيرة في ثورات أكتوبر وأبريل وديسمبر، لكن الانتصار الشعبي لم يتحول إلى بناء مؤسسي يحمي الديمقراطية بصورة مستدامة. عادت الأحزاب إلى الحكم بدون معالجة كاملة لأوجه ضعفها، وظل الجيش لاعباً سياسياً، واستمرت مشكلات التهميش والحرب والاقتصاد والعدالة.
  • لم تكن المشكلة في عجز السودانيين عن مقاومة الاستبداد، فقد أثبتت الانتفاضات الشعبية قدرتهم على ذلك. المشكلة كانت في عدم تحويل تلك الانتصارات إلى نظام دستوري قوي، ومؤسسات مستقلة، وقواعد تمنع احتكار السلطة من الجيش أو المليشيات أو الحزب أو الطائفة أو الفرد.
  • وأظهرت حرب أبريل 2023 الكلفة القصوى لهذا الفشل، وتحولت المنافسة على السلطة بين قوتين مسلحتين إلى حرب دمرت أجزاء واسعة من البلاد، وعرّضت حياة الملايين للخطر، وأضعفت ما تبقى من مؤسسات الدولة.
  • لقد أثبت التاريخ السوداني أن إسقاط الحاكم لا يعني بالضرورة تغيير النظام الذي أنتجه، وأن الثورة التي لا تعيد بناء مؤسسات الدولة تترك الباب مفتوحاً أمام عودة الاستبداد بأسماء وتحالفات جديدة.
  • ولهذا فإن القضية الأساسية أمام السودان ليست إسقاط نظام رابع، وإنما بناء دولة لا يستطيع أي جيش أو مليشيا أو حزب أو طائفة أو زعيم أن يستولي عليها مرة أخرى. وهذا يعني جيشاً وطنياً واحداً تحت سلطة مدنية، وإنهاء تعدد الجيوش، وإخضاع النشاط الاقتصادي العسكري لرقابة الدولة، وبناء أحزاب حديثة، وتسوية علاقة المركز بالأقاليم، ومعالجة قضايا الحرب والعدالة، ووضع أساس دستوري واضح لعلاقة الدين بالدولة والمواطنة، وإنشاء مؤسسات لا تتغير بتغير الحاكم.
  • من دون ذلك، يمكن أن تتغير الأسماء، ويمكن أن تسقط الأنظمة، ويمكن أن تنتصر الثورات، لكن الحلقة نفسها ستظل قابلة للتكرار، وستظل الديمقراطية تجربة مؤقتة بدلاً من أن تصبح نظاماً مستقراً للحكم.

المراجع:
1- محمد عمر بشير: تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900- 1969، ترجمة هنري رياض، وليم رياض، والجنيد علي عمر، مراجعة نور الدين ساتي. الخرطوم: الدار السودانية للكتب، 1980.

2- الأمم المتحدة، بعثة الأمم المتحدة في السودان (UNMIS): وثائق اتفاقية السلام الشامل الموقعة في 9 يناير 2005، وخلفية الحرب في الجنوب وترتيبات تقاسم السلطة والثروة.
https://peacekeeping.un.org/sites/default/files/past/unmis/background.shtml

3- الأمم المتحدة، اتفاقية السلام الشامل للسودان: النصوص والوثائق المتعلقة باتفاق الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان.
https://peacemaker.un.org/en/documents/2005-sudanese-comprehensive-peace-agreement

4- السلطة القضائية السودانية: قضية جوزيف قرنق وآخرين بشأن حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية، وحكم القاضي صلاح الدين حسن الصادر في 22 ديسمبر 1966.
https://sj.gov.sd/ar/content/book/joseph-garang-others-v-the-supreme-commission

5- الأمم المتحدة: وثائق بعثة الأمم المتحدة في السودان بشأن تنفيذ اتفاقية السلام الشامل واستقلال جنوب السودان في 9 يوليو 2011.
https://peacekeeping.un.org/sites/default/files/past/unmis/index.shtml

6- الأمم المتحدة في السودان: بيان الأمين العام بمناسبة مرور عامين على اندلاع الحرب، 14 أبريل 2025، بشأن آثار الحرب على المدنيين والنزوح والأزمة الإنسانية.
https://sudan.un.org/en/292784-secretary-general%E2%80%99s-statement-second-anniversary-sudanese-conflict

7- مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فريق الخبراء المعني بالسودان: التقرير النهائي لعام 2025، الوثيقة S/2025/239، بشأن التطورات العسكرية والانتهاكات وشبكات الإمداد والتداعيات الإقليمية للحرب.
https://digitallibrary.un.org/record/4081224/files/S_2025_239-EN.pdf

8- مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: تقارير الانتهاكات ضد المدنيين في السودان، بما فيها القتل خارج نطاق الأعمال القتالية والعنف الجنسي والهجمات على المرافق المدنية.
https://sudan.un.org/en/301876-sudan-crisis-deepens-amid-rising-civilian-casualties-growing-ethnic-violence-and-grim

9- المحكمة الجنائية الدولية: وثائق قضية عمر حسن أحمد البشير ومذكرتي القبض الصادرتين في عامي 2009 و2010 بشأن دارفور.

10- الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد): الوثائق والبيانات المتعلقة بالانتقال السياسي في السودان، والوساطة بين المكونات المدنية والعسكرية، وجهود وقف الحرب.

11- وثائق اتفاق الميرغني–قرنق، 16 نوفمبر 1988، والوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، 17 أغسطس 2019، والاتفاق السياسي الإطاري، 5 ديسمبر 2022: وهي مصادر أولية ينبغي الرجوع إلى نصوصها عند توثيق تفاصيل الاتفاقات وبنودها ومواقف الأطراف منها.

12- الآلية الثلاثية (بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية إيغاد): بيان بشأن توقيع الاتفاق السياسي الإطاري في السودان، 5 ديسمبر 2022 يتناول أهداف الاتفاق والقضايا التي بقيت بحاجة إلى التفاوض، ومنها إصلاح القطاع الأمني والعسكري والعدالة الانتقالية https://unitams.unmissions.org/en/node/30504

Author
د. زهير السراج

د. زهير السراج

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
دين الفنان جميل راتب .. بقلم: د. أحمد الخميسي
الأخبار
السودان.. هبوط مروحية عسكرية اضطراريا ونجاة ركابها شرقي البلاد
منبر الرأي
بدء العد التنازلي للبرهان فقد ازفت الازفة ؟
منبر الرأي
كم “كيلة” سمسم وكم “شوال” عيش لأهل السودان بذمة البرهان و زمرة الفساد؟!
منبر الرأي
الاقْتِصَادُ السِيَاسِيُ للتَسْوِيفِ الدِبْلوْمَاسِي: مَنْ يَرْبَحُ الوَقْتَ وَمَنْ يَدْفَعُ ثَمَنَهُ فِي حَرْبِ السُوْدَانِ؟

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

زيارة حمدوك لـ (كاودا).. ماذا تعني؟ .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف

طارق الجزولي
منبر الرأي

مشكلتي كنت بحب التاريخ والكتب !! .. بقلم: مشعل الطيب

طارق الجزولي
منبر الرأي

الدومة…فوق صفيح ساخن !! .. بقلم: عبدالله رزق

طارق الجزولي
منبر الرأي

الإخوان وفوبيا الشيوعيين .. بقلم: محمد موسى جبارة

محمد موسى جبارة
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss